4 أغسطس، 2016

"كإن"


بول جوجان
Paul Gauguin: Self-Portrait with Yellow Christ

بقلم: أحمد ع. الحضري

عارف دايمًا في التراث العربي كانوا بيتكلموا عن الحالة اللي ما ينفعش لغة توصلها إلا إذا كان اللي بتكلمه جربها، المثال المشهور هو حالتك وانت بتحاول توصف الطعم المر أو الحلو أو المالح لواحد عمره ما امتلك حاسة التذوق؛ أو إنك تحاول توصف لواحد ما بيشمش، ريحة الورد، ساعتها ممكن تقول له مثلا: "كإنها موسيقى بيتهوفن"، أو " كإنها صوت فيروز"، وانت عارف إن دا عمره ما هيعرفه يعني إيه ريحة الورد، بس تفكر: على الأقل كلامك ممكن يساعد عقله يتعامل مع الفكرة المجهولة، مع الكلمة الغريبة كل ما يقراها. هنا كإنك بترسم بالدخان، تحس للحظة كإنك قلت، ووصلت للي بتوصفه، بس لا، كله بيطير. الكلمة اللي بتعبر عندي دايمًا عن الحالة دي -حالة اللي واقف على طراطيف صوابعه أو بينط عشان يلمس غصن شجرة أعلى منه حاسس إنه خلاص مسكه، بس عمره ما هيوصل له- هي: "كإن". 

28 يوليو، 2016

الكلام بيضيق عليك وانت بتضيق ع الكلام

بول جوجان - بورتريه ذاتي
(paul gauguin - self portrait)
بقلم: أحمد ع. الحضري

زي الشيخ اللي كان بيدي دروس ف أكبر جامع ف بغداد، وفجأة لقى نفسه مش قادر يتكلم ... كان جزء منه عايز يكمِّل مع اللي يعرفه ويفهمه واتعود عليه، جزء منه فضل يصحى كل يوم الصبح عشان يعيش حياة الناس ويتكلم كلام الناس، ويحافظ على اللي بناه، على سمعته، وشهرته وشغله، وحب الناس اللي ممكن يختفي، لكن كان فيه جزء تاني مش قابل الوضع وعارف إنه مش مناسب وما بقاش بتاعه ولا يناسبه .. جزء منه كان سافر فعلا برة بغداد وابتدى الرحلة وهو ما كانش ينفع يتكلم ويدرِّس ويقول وهو نص بني آدم.. وما كانش ينفع رحلته تتحسب رحلة لو نصه بس اللي سافر .. كان لازم كله يسافر أو كله يقعد وعشان كدا الشرخ زاد جواه وانقسم اتنين ف مواجهة بعض .. اتنين كل واحد منهم ليه طريق وفكر .. واحد مادد جذورة والتاني فارد جناحاته... حاجة لازم تخليه يقف عن الكلام وعن كل حاجة لإنه في اللحظة دي ما كانش عارف هو نبات ولا طير، وكان لازم يقرر، أو المهم ما كانش القرار، لإنه قرر إنه يقعد، إنه يكمل في اللي يعرفه، بس القرار دا ما كانش له معنى ولا كان ممكن تنفيذه، لإنه كان سافر فعلا، شوية وفهم كدا، وبعد شوية كان بيخطي برة بغداد.

23 يوليو، 2016

كيف مزقت التكنولوجيا الحقيقة

(هذا المقال هو ترجمة من الأصل الإنجليزي المنشور في جريدة الجارديان بتاريخ 12 يوليو 2016 بعنوان: "How technology disrupted the truth")

بقلم: كاثرين فاينر (Katharine Viner)
ترجمة: أحمد ع. الحضري

الصورة لسيباستيان تيبو (Sébastien Thibault) نقلا عن الجارديان. 

في صباح يوم اثنين في سبتمبر الماضي، استيقظت بريطانيا على قصة خبرية شائنة. ارتكب رئيس الوزراء، ديفيد كاميرون، وفقًا للديلي ميل، "فعلًا فاحشًا مع رأس خنزير ميت". أفادت الصحيفة أن " شهيرًا زامله في جامعة أوكسفورد يزعم اشتراك كاميرون في إحدى المرات في طقس قبول شائن جرى أثناء فاعلية لبيرس جافستون، تضمنت رأس خنزير ميت،". بيرس جافستون هو اسم نادي طعام منفلت في جامعة أكسفورد؛ زعم مؤلف القصة أن مصدره كان عضوًا في البرلمان، والذي ادعى أنه شاهد دليلًا مصورًا: "تلميحه غير المعتاد هو أن من سيغدوا لاحقًا رئيسًا للوزراء أولج جزءًا خاصًا من أجزاء جسمه داخل الحيوان.".

القصة، المقتطفة من سيرة جديدة لكاميرون، أثارت ضجة على الفور. لقد كان الأمر مقززًا، وكانت فرصة عظيمة لإذلال رئيس وزراء نخبوي، وشعرت كثرة من الناس أن القصة تبدو حقيقية بالنسبة لعضو سابق في نادي بولنجدون (Bullingdon Club) سيء السمعة. خلال دقائق كانت #Piggate و #Hameron من ضمن الأكثر انتشارًا (trending) على تويتر، حتى أن سياسيين كبارًا شاركوا في الهزل: قال نيكول ستيرجون (Nicola Sturgeon) أن الادعاءات "أمتعت البلد بكاملها"، بينما مزح بادي أشداون: كاميرون كان "يستأثر برؤوس الأخبار"[i] (hogging the headlines). في البداية، رفضت ال بي بي سي (BBC) ذكر الادعاءات، وقال مكتب رئيس الوزراء (10 Downing Street) أنه لن "يضفى قيمة" (“dignify) على القصة بأي رد – لكنه سريعًا ما اُضطر إلى الإنكار. وهكذا تمت توجيه اهانات جنسية إلى رجل قوي، بطريقة ليس لها علاقة بسياساته المثيرة للخلاف، وبطريقة لا يمكنه قط الرد عليها. لكن من يهتم؟ هو يستطيع أن يتحمل ذلك.


ثم، بعد يوم كامل من المرح الإنترنتي، حدث شيء صادم. إيزابيل أوكشوت (Isabel Oakeshott)، صحفية الديلي ميل التي شاركت في كتابة السيرة مع لورد آشكروفت –رجل أعمال مليونير- ظهرت على التلفاز واعترفت انها لا تعرف حتى إن كان سبقها الصحفي الفضائحي الضخم صحيحًا. بعد الضغط عليها لتقديم دليل على الادعاء المثير، اعترفت أوكشوت أنها لا تملك أي دليل.

قالت في القناة الإخبارية الرابعة (Channel 4 News): "لم نتمكن من التأكد من ادعاءات مصدرنا، لذا قمنا فقط بإيراد القصة التي ذكرها المصدر ... نحن لا نذكر ما إن كنا نصدق صحتها." بكلمات أخرى، لم يكن هناك دليل أن رئيس الوزراء البريطاني قام ذات مرة "بإيلاج جزء خاص من جسده" في فم خنزير ميت- القصة التي أوردتها دستة من الصحف، وكررتها ملايين التغريدات على تويتر، والتحديثات على فيسبوك، والتي من المحتمل أن كثرة من الأشخاص ما زالوا يصدقون أنها صحيحة حتى اليوم. 


أوكشوت مضت حتى أبعد من هذا بأن أعفت نفسها من أي مسؤولية صحفية: لخصت المسألة في أن "الأمر يرجع إلى بقية الناس ليقرروا إن كانوا سيمنحونها أي مصداقية أم لا،". هذه لم تكن بالطبع المرة الأولى التي تم نشر فيها ادعاءات شاذة بناءً على أدلة واهية، لكن هذا كان دفاعًا وقحًا بشكل غير معتاد. يبدو أنه لم يعد مطلوبًا من الصحفيين أن يصدقوا أن القصص التي يكتبونها صحيحة، ولم يعد من المطلوب منهم –كما يبدو- تقديم أدلة. بدلًا من ذلك يعود الأمر للقارئ –الذي لا يعرف حتى هوية المصدر- ليقرر بنفسه. لكن بناء على ماذا؟ غريزته، حدسه، مزاجه؟
أما زالت الحقيقة تهم؟


28 يونيو، 2016

مقاطع من كتاب ستيف جوبز لوالتر إيزاكسون


من الفصل الأول:

بُني منزل آل جوبز والمباني الأخرى في حيهم بواسطة المقاول جوزيف إيكلار الذي بنت شركته ما يزيد عن 11 ألف منزل في العديد من مقاطعات كاليفورنيا في الفترة ما بين 1950 و 1974، قام إيكلار – مستمدًا إلهامه من رؤية فرانك لويد رايت لتوفير منازل عصرية بسيطة "لجميع" الأمريكيين- ببناء منازل رخيصة الثمن وتتميز بحوائط زجاجية تمتد من الأرض إلى السقف وتصميم الدور الأرضي المفتوح، وأسلوب التشييد بالأعمدة والعوارض المكشوفة، وأرضيات الألواح الخرسانية، والكثير من الأبواب الزجاجية المنزلقة. قال جوبز أثناء إحدى جولاتنا حول الحي: "لقد قام إيكلار بعمل عظيم. إن المنازل التي بناها تتميز بالأناقة ورخص الثمن والجودة، وقد مكنت الأشخاص ذوي الدخل المحدود من امتلاك منازل ذات تصميم بارع وذوق بسيط. وقد كانت تمتلك بعض المقومات المذهلة، مثل تدفئة الأرضيات بالحرارة الإشعاعية. إنك تغطي الأرضيات بالسجاد، ولكننا كنا نمتلك أرضيات دافئة رائعة عندما كنا أطفالًا". 

قال جوبز إن تقديره للمنازل التي بناها إيكلار غرست فيه الشغف لصنع منتجات جيدة التصميم لتسويقها. قال جوبز مشيرًا إلى الأناقة البسيطة للمنازل: " أحب كثيرًا أن يتمكن المرء من دمج التصميم العظيم مع القدرات البسيطة لإنتاج شيء لا يكلف الكثير. لقد كانت هذه هي رؤية شركة أبل الأساسية، وهذا ما حاولنا تحقيقه في جهاز Mac (ماك) الأول، وهذا ما حققناه في جهاز iPod (آي بود)". 


27 يونيو، 2016

ستيف جوبز



غلاف الطبعة العربية الصادرة عن مكتبة جرير
بقلم: أحمد ع. الحضري

يحكي والتر إيزاكسون، صاحب الأسلوب السلس والممتع والمجهود الدؤوب الذي يظهر في مادته الثرية، في بداية هذا الكتاب كيف تواصل معه ستيف جوبز، مشجعًا له على الكتابة عن حياته. يصف المؤلف تخوفه في أول الأمر من أن يحاول جوبز السيطرة على مادة الكتاب أو التدخل فيها، لكنه يوضح بعد ذلك كيف تجنب جوبز فعليًا التدخل في محتوى الكتاب بأي شكل. جوبز الذي كان واعيًا باقتراب أجله، نتيجة لمرضه الخطير، كان مهتمًا بوجود كتاب يوثق لتجربته الشخصية والعملية:  
قال جوبز: "عندما كنت صغيرًا، لطالما ظننت أنني شخص مهتم بالآداب. ولكنني كنت أحب الإلكترونيات، ثم قرأت مقالًا قال فيه أحد علمائي المفضلين إدوين لاند من شركة بولارويد، شيئًا عن أهمية الأشخاص الذين يقفون في مفترق الطرق بين الآداب والعلوم، وقررت أن هذا هو ما أريد أن أفعله. كان الأمر يبدو كما لو أنه يطرح موضوعًا لسيرته الذاتية (وفي هذه اللحظة، على الأقل، أصبح موضوعًا صالحًا)، حيث إن الإبداع الذي ينتج عن الدمج بين العلوم والآداب في شخصية قوية كان هو الموضوع الذي جذبني إلى سيرة كل من فرانكلين وأينشتاين الذاتية، وأعتقد أنه الموضوع الرئيسي الذي سيفتح الباب أمام خلق اقتصادات قائمة على الابتكار في القرن الحادي والعشرين.  
سألت جوبز عن سبب اختياره لي لكتابة سيرته الذاتية، فرد قائلًا: "أعتقد أنك بارع في جعل الناس يتحدثون"، وقد كانت إجابته غير متوقعة. لقد كنت أعلم أنه سيتوجب عليَّ مقابلة الكثير من الأشخاص الذين فصلهم من العمل أو أساء معاملتهم أو تجاهلهم أو حتى أثار غضبهم، وكنت خائفًا من أنه قد يتضايق من مقابلاتي معهم، وقد تبين بالفعل أنه يشعر بالخجل عندما يسمع كلمات الأشخاص الذين كنت أقابلهم، لكن بعد شهرين بدأ في تشجيع الناس على التحدث إليَّ حتى أعدائه وأصدقائه السابقين، ولم يحاول أن يضع حدودًا لما سيقولونه. قال جوبز: "هناك الكثير من الأمور التي فعلتها ولا أفخر بها، مثل التخلي عن ابنتي عندما كنت في الثالثة والعشرين من العمر، والطريقة التي تعاملت بها مع الأمر، ولكن لا توجد لدي أية أسرار أخشى ظهورها".

25 يونيو، 2016

الأفكار والتاريخ (مقتطف)



جون هرمان راندال
ترجمة: جورج طعمة

وهكذا تجد الأفراد جيلا بعد جيل يكيفون أبنية العهود السابقة لتطابق حاجاتهم ورغائبهم، فتارة يحتفظون بها كاملة دون أي تحوير مكتفين بمجرد تغيير استعمالها. وتارة يضيفون أحجارًا جديدة وأشكالا جديدة. وأحيانًا أخرى يهدمونها ويعيدون بناءها بالمواد القديمة. ومع ذلك تستمر الحياة لتكرر في حيوية جديدة، ومن غير اكتراث لما كان من قبل، دورة الولادة والأمل والفشل والموت، في ظل إمبراطور أو أمير، أو بابا،، أو ملك أو دكتاتور. حقًا إن روما هي المدينة الخالدة: خالدة بقصورها وأبنيتها القديمة، خالدة بأشواقها وآمالها الجديدة، وكأنها جديرة بأن تكون رمزًا للإنسانية التي اعتبرتها لمدة طويلة مركزها. 

وما تاريخ الإنسانية سوى تاريخ جهود وأبنية تتناولها يد الإنسان بالتعديل المستمر فتتسع لتآلف التيارات الجديدة للحياة. وهو أيضًا قصة جدران قديمة شاخت فعملت فيها معاول التهديم ثم أعيد بناؤها بأشكال جديدة. وقصة البرابرة القساة وما جنته أيديهم المدنسة على الأبنية الأثرية الشامخة من تشويه وتخريب، وقصة الكنائس القديمة التي حافظ عليها المؤمنون بورع وتقى، والقصور التي دمرت من أجل طريق جديد يفتح، والمنازل الشعبية الحقيرة التي هدمت ليأخذ مكانها شارع فسيح، والمجالس النيابية الحديثة تنعقد في أروقة حكام الرينسانس الطغاة. وأخيرًا قصة مجالس أركان الشيوعية تلتئم في مقاصف الأسياد الرومانيين. وإذا كان استمرار الماضي في الحاضر غير ملموس في أي مكان آخر قدر ما هو ملموس في عاصمة البابوات ، فمن الواضح أيضًا أننا لو أخذنا رجالا يعيشون في أصقاع متعددة، ويحترفون مهنًا مختلفة لوجدنا أن المثل العليا التي يؤمن بها مزارع في كاليفورنيا مثلا أو عامل منجم في بانسلفانيا، أو صاحب قطيع الغنم في كندا، أو عضو ناد مثقف في بيونس آيرس، إنما هي كلها شذرات تجمعت من هنا وهناك في رحلة الإنسانية خلال الأجيال الطويلة، وصيغت في قوالب فكرة جديدة لتخدم حاجات أستراليا أو أمريكا. ولو نحن قمنا بجولة فكرية في ثنايا عقل الرجل الحديث لانكشف لنا عن التراكم في الاعتقادات التي استمرت دون تغير خلال عصور التاريخ، ولرأينا أفكارًا التقطت من صحف الصباح وتجمعت كلها ليتشكل منها بناء واحد وإنما على أساس مترجرج ضعيف. ومع ذلك فهذه الأفكار على درجة من القوة بحيث يلجأ إليها الإنسان لتلبية حاجاته وملء فجوات كثيرة في تفكيره. 

22 يونيو، 2016

لماذا؟


ألبير كامو
ترجمة: مجاهد عبد المنعم مجاهد

ليست هناك إلا مشكلة فلسفية هامة واحدة ألا وهي مشكلة الانتحار. فالحكم عما إذا كانت الحياة جديرة بأن تعاش أم لا، إنما يرتفع إلى الجواب على المسألة الأساسية في الفلسفة وتأتي كل مسألة أخرى بعد ذلك [...]

فإذا سألت نفسي كيف يمكنني أن أحكم بأن هذا السؤال أكثر أهمية من غيرها، فإنني أجيب بأن المرء يحكم عن طريق الأفعال التي تستتبع منه. عمري ما شاهدت إنسانًا ينتحرُ من أجل البحث الأنطولوجي. وإن جالليو الذي ذكر حقيقة علمية ذات أهمية كبيرة، نبذها بمنتهى السهولة حالما تعرضت حياته للخطر. وبمعنى ما من المعاني، حسنًا فعل. وما كانت هذه الحقيقة تستحق عناء المخاطرة. فسواء كانت الأرض هي التي تدور حول الشمس أو الشمس هي التي تدور حول الأرض فهي مسألة من قبيل عدم الاكتراث العميق. بل يمكننا أن نقول إنها مسألة عقيمة. ومن جهة أخرى أرى، أناسًا كثيرين يموتون بسبب أن الحياة عندهم تستحق أن تعاش. وأرى آخرين يذهبون ضحية القتل بسبب الأفكار أو الأوهام التي تزودهم بسبب كاف للحياة (وما يقال عنه سبب كاف للحياة هو سبب رائع للموت) ولهذا فإنني أخلص إلى أن معنى الحياة هو أهم مسألة تثير الإلحاح.