23 مارس، 2017

المفارقة

بقلم: أحمد ع. الحضري

(١)

في إحدى قصائد الهايكو اليابانية يقول الشاعر: «كانت العصافير تطيرُ من فزَّاعةٍ إلى أخرى.» والاقتباس الوارد هنا هو القصيدة كلها لا مقطع منها؛ فقصائد الهايكو معروفة بتكثيفها الشديد. لكن القصيدة هنا رغم قِصَرِهَا تحمل مفارقة تلفِت الانتباه، وتدفع إلى الابتسام. ففي صورةٍ بصريةٍ -تبدو عاديةً- تم الْتِقاطها ببراعة، يلمح الشاعر التناقض الظاهر بين دور الفَزَّاعة المفترض، وحالها الفعلي في هذه اللحظة. وبالْتِقاطه للحظة في تكثيف، وشاعرية، وصياغة محكمة يبرز التناقض المحبَّب.

 By: M.C. Escher

تقول قصيدة هايكو أخرى: «بائع المراوح … يحملُ حِملًا من الهواء … يا للحرارة!» في هذا النص القصير للغاية أكثر من مفارقة؛ تظهر المفارقة الأولى في تعبيره «حِملًا من الهواء.» الهواء كما نعلم خفيف للغاية، حتى إننا نستخدم الكلمة للتعبير عن الخفة المتناهية، لكن القصيدة هنا من خلال الصياغة البارعة تجعل البائع يرزح تحت حِملٍ من الهواء. تكمن المفارقة الثانية في أن من يحمل حِمل الهواء ويبيعه للآخرين لكي يقاوموا به حرارة الجو، هو أكثر من يقع فريسة لهذه الحرارة، خصوصًا مع حمله الثقيل الذي يتجول به: «يا للحرارة!» الصياغة الثاقبة تنقل لنا نظرة الشاعر للمشهد، وهي نظرة تدفعنا إلى الابتسام؛ استمتاعًا بالصورة اللافتة والتكثيف الخارق. تنقل القصيدة كل هذا في أقل من عشر كلمات! هذه هي قوة المفارقة؛ فالمفارقة قادرة على أن تكون موجزة، ومشحونة، وكاشفة، وجاذبة للانتباه، ودافعة للتفكير أيضًا في نفس الوقت.
     

3 مارس، 2017

الأحلامُ نصوصٌ أدبية

بقلم: أحمد ع. الحضري

(1)

في رواية «مائة عام من العزلة» للروائي العالمي «جابرييل جارثيا ماركيز» حكاية صغيرة عن فتاة شديدة الجمال عاشت في «ماكوندو» وأَحَبَّها كثيرٌ من الرجال. تصِف الرواية مشهدًا جميلًا تصعد فيه «ريميديوس» إلى السماء بينما كانت تقومُ بطيِّ الملاءات. يحكي ماركيز كيف أن هذا المشهد كان مستوحًى من حدثٍ حقيقيٍّ جرى في قريته، قرَّرَتْ في سياقه إحدى النساء -بعد هروب حفيدتها مع أحد شباب القرية- أن تغطِّي على ما حدث بالفعل، بحكايةٍ عن صعود الفتاة إلى السماء. يقول أيضًا إن تفصيلة صعودها إلى السماء حين كانت تطوي الملاءات تحديدًا أتته حين رأى في أحد الأيام امرأة تجمع الملاءات أثناء هبوب رياح عنيفة. في هذا المشهد اختار ماركيز أن يحكي فقط ما قالته الجَدَّة، متجاهلًا الحدث الواقعيَّ الأصليَّ، أضاف بعض عناصر من مشاهد مختلفة لتكتمل الصورة التي تناسب سياق الرواية. ومن خلال عملية الاختيار والتكثيف التي قام بها أثناء خلقه للمشهد، نجح في صياغة مشهدٍ مبهرٍ، يروي فيه حكايةً غير منطقية بمعايير الحسِّ اليوميِّ العادي، لكنها في سياق الرواية حين يتم توظيفها بشكل سليم، تكون شديدة الإيحاء والجمال.
By: George Grosz
العَلاقة بين المشهد الروائي والحدث الواقعي الأصلي، عَلاقةٌ غريبةٌ من وجهة نظرٍ ما، المشهدان يتشابهان ويختلفان في الوقت نفسه، المشهد الروائي هنا مستمَدٌّ من الواقع، لكن جرى عليه شكل من أشكال التحريف، استخلص الروائيُّ جوهرًا ما من المشهد الواقعي، وسَرَدَهُ بشكلٍ مكثَّفٍ بعد بعض الحذف والإضافة. في الأحلام يحدث أمرٌ شبيه؛ ففي الحُلم أيضًا بعضُ عناصر مستمدَّة من الحياة الواقعية، لكن الطريقة التي يتم بها توظيف هذه العناصر تكون مختلفة أشدَّ الاختلاف؛ فقد ندمج في الحُلم بين شخصين مختلفين؛ لرابطٍ قد نراه دون أن نَعِيَهُ بينهما، وقد يُفتَّت الشخص في المقابل إلى أشخاص مختلفين، كأن تكون أنتَ المشاهِد وما تشاهده في الوقت نفسه.
      

28 فبراير، 2017

النوافذ

بقلم: أحمد ع. الحضري

(1)

قد تُفتَح على نهرٍ، أو صحراءٍ، أو حديقةٍ واسعةٍ، أو بناياتٍ شاهقةٍ، أو حارةٍ ضيقةٍ، أو حتى على منورٍ مختنق يدخل النور منه بالكاد. قد نطلُّ عليها بدلًا من أن نُطِلَّ منها، إن كانت مزخرفةً بالنقوشِ والرسوماتِ كما في الأديرة أو القصور القديمة. مستطيلة، أو مربعة، أو دائرية … ربما توجدُ منها أشكالٌ لم أَرَهَا ولا أعرفها؛ لعلَّ بعضها مثلًا على شكل مثلث، أو متوزاي أضلاع، أو أي أشكال أخرى غريبة. قد تُغلَق بمصراعين خشبيين، وقد تكون مصنوعة من الزجاج المعتم، أو الشفَّاف، أو المُلوَّن، قد تُغطِّيها الستائر، أو قد تخلو من كل ذلك لتعود كأسلافها مجرد فتحة في جدار. قد نفتحها للضوء، ثم نغلقها في وجه الغبار والريح. نغلقها، نفتحها، نغلقها، نفتحها، نقفزُ منها لنسقط، أو لنطير إن كُنَّا داخل قصة من القصص الخيالية، قد يتسلقُ إليها «روميو» في إحدى المسرحيات ليكلم حبيبته «جولييت»؛ تمهيدًا لموتهما الشاعري المرتقب.

نافذة كبيرة موجودة بمتحف محمد محمود خليل وحرمه من الزجاج الملون المعشق بالرصاص، 
موقعه باسم الفنان الفرنسى: 
"LUCIEN METTE"
PARIS 1907
النافذة هي فرجة مفتوحة بين عالمين: الداخل، والخارج. هي في العادةِ وسيطٌ للرؤية لا للتنقُّل، لا تُصَمَّمُ النافذةُ لنخرجَ من … أو لندخلَ إلى … بل لنشاهد ونتأمل. يُقالُ: «العينُ نافذةُ الروح.» والمعنى هنا استعاريٌّ، نتخيَّلُ فيه حائطًا ما يَحُولُ بيننا وبين رؤية أرواح الآخرين، وفي هذا الحائطِ نافذتان صغيرتان، يمكننا أحيانًا أن نتلصَّص من خلالهما على لمحاتٍ من مخبوء الروح.


26 فبراير، 2017

أن تملك أو أن تكون: الإنسان بين الجوهر والمظهر

بقلم: أحمد ع. الحضري

(١)

كتاب «إريك فروم» الذي ترجمه «سعد زهران» إلى العربية بعنوان «الإنسان بين الجوهر والمظهر» -سلسلة عالم المعرفة (١٩٨٩)- ليس هو الكتاب الوحيد ولا الأول الذي يحاول الدخول لإشكاليات الحضارة الصناعية الحديثة، ربما حتى ليس الأفضل أو الأعمق؛ لكنه مع ذلك كتاب مضيء، يمكنكَ أن تلمح النور في بعض أفكاره، وفي كثيرٍ من مقاطعه.

ومن أجل توضيح الفارق بين النمطين، يشير في البداية إلى قصيدتين تناولتا ظاهريًّا موضوعًا واحدًا؛ إحداهما للشاعر الإنجليزي «تنسون» (القرن التاسع عشر)، والأخرى للشاعر الياباني «باشو» (القرن السابع عشر). يقول تنسون:كما نلاحظ من العنوان الأجنبي للكتاب to have or to be «أن تملك أو أن تكون»؛ تقوم فكرة الكتاب على التفريق بين نمطين من أنماط الشخصية: نمط التملُّك، ونمط الكينونة أو الوجود. وهو يبيِّن كيف كان هذا التفريق أو هذا الاختيار بين النمطين قضيةً أساسيةً في تعاليم أساتذة الحياة العِظَام، مشيرًا في هذا السياق إلى بوذا، والمسيح، وإيكهارت.
يا زهرةً في الجدارِ المتصدع
إني أنتزعُكِ منْ بينِ الشقوق
وأقبضُ عليكِ، هنا في يدي بجذورِكِ وكيانِكِ كلِّه
أيَّتُها الزهرةُ الصغيرةُ، آهِ لو أستطيعُ أن أفهم
ماذا تكونين! جذوركِ وكيانكِ جملةً وتفصيلًا
إذن لعرفتُ اللهَ والإنسان.
بينما يقول باشو:
وإذ أنظرُ وأمعنُ النظر
أرى النازونا مزدهرةً
في سياجِ النباتات.
وهو يشير هنا إلى نمطين واضحين متمايزين في التعامل مع الطبيعة؛ يلجأ الأول لانتزاع الوردة وقطفها، أو بالأحرى امتلاكها لكي يتأمَّلَها، بينما يلجأ الثاني إلى تأمُّل الزهرة في مكانها؛ ليمارس هذه الصلة معها بوصفها كائنًا حيًّا. وكما بدأ الكاتب من الشعر أشار بعد ذلك مباشرة إلى ظاهرة لغوية تتمثَّل في انتشار الأسماء في اللغات الغربية في أطوارها الأخيرة على حساب الأفعال، وهو ما يراه معبِّرًا عن التغييرات التي مرَّتْ بها هذه المجتمعات نحو الاتجاه التملُّكي؛ فالأسماء هي «الرموز المناسبة للأشياء».


21 فبراير، 2017

طُرُق

بقلم: أحمد ع. الحضري
(١)

لنتخيَّلْ طريقًا ما ينقسم مثلًا إلى ثلاثة طُرُق فرعية، ينقسمُ كلُّ طريقٍ فرعيٍّ بدوره بعدَ مسافةٍ إلى ثلاثة طُرُق أخرى، وهكذا باستمرار. يتفرَّقُ الناس إذن مع الوقت في الطُّرُق التي كانت طريقًا واحدًا؛ سيأخذ فريقٌ من الأشخاص دائمًا الطريقَ الأوَّلَ دون تفكير، وسيأخذ فريقٌ آخرُ الطريقَ الثالثَ دون كثيرٍ من التمهُّل، بينما سيأخذ فريقٌ الطريقَ الثانيَ. لو أنَّ أحدَهم تمكَّنَ من النظر إلى شبكة الطُّرُق هذه من أعلى فقَدْ تبدو كشجرةٍ كبيرةٍ كثيفةِ الفروع؛ حين يتحرَّك الناسُ في طُرُقها، ستبدو لوهلة كأنَّها تتحرَّك أيضًا. وقد يُحِسُّ مَنْ ينظرُ وقتها أنها، كأيِّ شجرة، بها الكثير من الفروع والأوراق، بعضها حيٌّ وبعضها ميتٌ، لكنها ستُواصل النموَّ حتى النهاية: نهايتها.
  



(2)

سواءٌ أَدْرَكْنا هذا أو لم نُدْرِكْ؛ كلُّنا يمتلك تصوُّرًا ما للحياة. قد يكونُ هذا التصوُّرُ ناضجًا وقد يكونُ غيرَ ناضجٍ، قد يتبدَّل بتبدُّلِ مواقعنا، وقد يَظلُّ ساكنًا أو شِبْهَ ساكنٍ، قد يكونُ واضحًا أو مشوَّشًا. لكننا نَسِيرُ على هَدْيِهِ على أيِّ حالٍ كأنَّه مصباحٌ متخيَّلٌ، أو ربما خريطةٌ، لكنها خريطةٌ ليسَتْ صحيحةً بالضرورة، لا تُرشدنا دائمًا إلى المكان الذي نحتاج للوصول إليه. قد لا نعلم أصلًا إلى أين نريدُ أن نذهب، لكننا نواصلُ الحركة؛ ربما يكون الحِفَاظُ على حركتنا أهمَّ من الوجهة التي تأخذنا إليها. نَسِيرُ مع هذا خائفين مِنْ أن نَضِلَّ، خائفين مِنْ أن يَسْبِقَنا الآخرون، أو أن نؤدِّيَ أسوأ من أداء الآخرين، وقد يتعاظَمُ هذا الخوفُ عند البعض للدرجة التي يَمْنَعُهم فيها من الحركة تمامًا. هذا الخوفُ قد يكونُ أحد أسباب عدائيتنا تجاه المختلِفين في بعض الأحيان؛ فمجرد معرفتنا بوجودهم قد يكونُ مقلِقًا لنا، ومهددًا لرضانا باختياراتنا. يقول هرمان هسة في رواية دميان (من ترجمة عبده الريِّس): «عندما تكره شخصًا ما فأنت تكره شيئًا فيه هو جزءٌ من نفسك؛ إن ما ليس جزءًا من أنفسنا لا يزعجنا.»


20 فبراير، 2017

عصر السريالية (مقتطف)


بقلم: والاس فاولي

أصبحت كلمة "سريالية" تشير إلى مرحلة تاريخية معينة، مع أنها لم تدخل لغة المعاجم إلا منذ وقت وجيز. وهي تستعمل بصورة جامعة مانعة لوصف تلك الحركة الفنية التي اتخذت من باريس مركزًا لها في فترة ما بين الحربين العالميتين 1919-1939. لقد كانت السريالية في عشرينيات هذا القرن وثلاثينياته حركة منظمة ذات طبيعة ثورية ترفض القيم والأعراف القديمة، ولها قادتها ومريدوها، وبياناتها ومنشوراتها، كما كان لها معارضها وتظاهراتها. في تلك السنوات صارت حركة عالمية حتى أن أربعة عشر بلدًا اشتركت في معرضها الذي أقيم سنة 1938. 


ولكن للسريالية (فوق الواقعية) معنى آخر، قد يكون أبديًا، كما أن لها مضمونًا يتجاوز مضمون جماعة أندريه بريتون التي خلفت الدادائية حوالي عام 1924. وفي تقسيمنا لهذا الكتاب حافظنا على النسبة العادلة بين الإنجازات التاريخية لسريالية القرن العشرين من ناحية، ومعناها الفلسفي الأعمق من ناحية أخرى. لذلك سنتناول في بعض الفصول السرياليين الذين يعتبرون أنفسهم مؤسسي الحركة، أمثال بريتون وإليوار، بينما نتناول في الفصول الأخرى الفنانيين الذين كانوا قريبين من السريالية، دون أن يشاركوا فيها عمليًا، أمثال أبولنير وكوكتو، وهناك آخرون كانوا قريبين منها، إلا أنهم تجاوزوها، لما امتازت به آثارهم من العظمة والشمول: من هؤلاء بيكاسو. 


19 فبراير، 2017

الرسم الصيني (مقتطفات)

وفقًا لطريقة وأسلوب الرسم ينقسم الرسم الصيني التقليدي إلى رسم قونق بي والرسم التعبيري بالحبر. 

رسم قونق بي هو "رسم الخطوط الدقيقة". خطوطه منتظمة ودقيقة، يهتم برسم المنمنمات، ثم زخرفتها بألوان ثقيلة زاهية. معظم أصباغه من المعادن،، لذا تبقى وقتًا طويلًا، ولا يذهب لونها. ولأن هذا الرسم يبدو زاهيًا فخمًا، لذلك كان الرسامون يستخدمونه في البلاط الإمبراطوري على مدار تاريخ الصين تعبيرًا عن عظمة وجلالة الأباطرة. 


الرسم التعبيري هو "رسم الخطوط الغليظة"، يعبر عن ملامح هيئات الأشياء بخطوط مختصرة، ولا يركز على التشابه الدقيق للمرسومات. والرسام يستخدم دائمًا الأساليب المختصرة والمبالغة والتخيلية في التعبير عن مشاعره، وشخصيته. لذلك لهذا النوع من الرسم نوع من الارتجال والعفوية ويحقق أحيانًا نتائج غير متوقعة، يصعب تقليده، يرسم بالحبر المائي، فيبدو رزينًا وبسيطًا، وفي الفترة الأخيرة يحتل هذا الرسم نسبة كبيرة من أعمال الرسم الصيني. 

في بواكيره الأولى قبل القرن الثاني عشر، كان الرسم الصيني كله من رسم قونق بي بالألوان الثقيلة، بينما معظمه في الفترة المتوسطة والأخيرة ينتمي إلى الرسم التعبيري بالحبر. وكان معظم من يرسمون قونق بي بالألوان الثقيلة من الفنانين المحترفين، في حين كان معظم رسامي الرسم التعبيري من الأدباء والشعراء.