24 سبتمبر، 2016

نظريات المؤامرة وتفسير العالم

بقلم: أحمد ع. الحضري

(١)

أبٌ يعلِّم ابنه الصغير، فيشيرُ إلى حيوانٍ ما يَعْبُر الطريق: «هذا قِطٌّ.» ينظر الطفل باهتمام، ويردِّد خلفه. في يومٍ تالٍ يرى الطفل حيوانًا يمشي في الشارع؛ فيشير فرحًا: «قِطٌّ!» يصحِّح له أبوه: «لا، هذا كلب.» يحاول برفق أن يوضِّح له الفوارق. 

في اللحظة التي يشير فيها الطفل إلى كلب يمشي في الشارع باعتباره قِطًّا، نعرف أنه لا يعرف ما هو الكلب، والأهم في هذا السياق أن ندرك أنه لا يعرف كذلك ما هو القط، رغم أنه قد يكون قد تعرَّف قبلها بلحظات على قِطٍّ ما يمشي في الشارع؛ لأن كلمة ومفهوم «قِط» تكتسب معناها -وفقًا لما تعلَّمناه من العالم اللغوي «سوسير»- من خلال اختلافاتها مع الكلمات/العلامات الأخرى. فمثلًا، لا يمكنك أن تعرف ما هو اللون الأخضر إلا في سياق معرفتك للون الأزرق واللون الأصفر وبقية الألوان؛ لأن المعرفة التي تتيح لك أن تميز الأخضر عن بقية الألوان تتطلب بالضرورة أن تكون قادرًا على فَهم الاختلافات بين هذه الألوان المختلفة.
لوحة دون كيشوت لبابلو بيكاسو
  
في سياقٍ مقاربٍ يُقال عن التعريف المثالي إنه تعريفٌ جامعٌ مانعٌ. جامعٌ: أي إنه يضم كل مفردات الشيء الذي يُعَرِّفه؛ بمعنى أن يكون الطفل في المثال الأول -بعد أن يتعلم هذا التعريف- قادرًا على التعرُّف على أي قِطٍّ يَسِيرُ في الشارع. ومانعٌ: أي إنه يمنع ما سوى هذه المفردات من أن يدخل تحت هذا التعريف؛ أي إنه يحمي الطفل من أن يخطئ، فيشير إلى كلبٍ أو حصانٍ باعتباره قِطًّا.
  

16 سبتمبر، 2016

الحوار وشبه الحوار

بقلم: أحمد ع. الحضري

(١)

في حلقة ما من برنامجٍ «حِواريٍّ» يجلس الضَّيفان أحدهما في مواجهة الآخر، وبينهما مقدِّم البرنامج، بعد دقائق من بداية الحلقة يعلو صوتاهما، ويبدأ الاحتداد. يمكننا أن ندرك دون صعوبة من المشهد الذي نراه ومن طريقة الحوار التي نسمعها أن الطرفين هنا لا يخاطب أحدهما الآخر، هما في الحقيقة يخاطبان جمهور المشاهدين في خطب قصيرة عصبية متبادَلة يقاطع فيها كلٌّ منهما خَصمه. في هذا السياق ستُعدُّ أي بادرة من أحدهما للاقتناع بمنطق الطرف المضاد -أو مجرد الميل نحوه- ضعفًا وانهزامًا غير مقبول. كلٌّ من الضيفين جاء وهو متأكد كل التأكُّد أنه على حق وأن الطرف الآخر لا شك مخطئ، أو على الأقل هما يُظهِران ذلك. قد لا يعترفان بهذا، وربما قد لا يدركانه حتى، لكنَّ كلًّا من الطرفين قرَّر مسبقًا في هذه الحالة أنه لا يحتاج للتمعُّن في أيِّ شيء يقوله الآخر، إلا بالقدر الذي يُمَكِّنُهُ من إثبات خطئه، وإحراجه إن استطاع أمام جمهور المتفرِّجين.

اللوحة لنورمان روكويل


(٢)


كان سقراط يقول: أنا أعرف أنني لا أعرف أيَّ شيء. لكنه كان يحب الجدل، ويحب اختبار الرجال بالحوار. وكان يحاور رجالًا فخورين بأنفسهم، واثقين من علمهم. وربما كان هذا اليقين المبالَغ فيه يغيظه قليلًا؛ لأنه عندما كان يخوض حواراته مع أمثال هؤلاء الرجال، كان يبدأ الحديث دائمًا بأسئلة بريئة في الظاهر، ثم ينقل الحوار من نقطة إلى نقطة؛ حتى يربك محاوريه إلى الدرجة التي تمكِّنهم من رؤية أنهم حقًّا لا يعرفون ما يعتقدون أنهم يعرفونه.

9 سبتمبر، 2016

الكتابة: موهبة الاحتيال على الصمت

بقلم: أحمد ع. الحضري

(١)

أعرف أصدقاء لا أشكُّ في امتلاكهم موهبة الكتابة والقدرة على الإبداع فيها، لكنهم لا يكتبون ولا يَعُدُّون أنفسهم كتَّابًا. وأعرف من بدأ خطواتٍ قليلةً في رحلة الكتابة، ثم توقف بعدها دون أسبابٍ واضحة. وأعرف من تقلُّ حماسته للبدء مع مرور الوقت؛ لأنه يرى أنه تأخر. ولأني أعرفهم، أفكر أن أسباب عدم إنجازهم في هذا المجال لا تتعلق بنقصٍ في الموهبة على الإطلاق، لكنَّ الأسباب تكمن في مناطق أخرى؛ ربما تتعلق بعادات الكتابة لديهم، أو أفكارهم عنها. وحين أفكر فيهم أتأكد أن الموهبةَ أو القدرة على الكتابة وحدها ليست كافية للإنجاز فيها؛ الأمر يتطلب أيضًا طريقة تفكير خاصة، وعادات عملية تسهِّل الإنجاز، وتحمِّس الكاتب.

اللوحة لبيكاسو

6 سبتمبر، 2016

أسئلة الفأر في المتاهة


بقلم: أحمد ع. الحضري

(١)

فأرٌ يُوضع في المتاهة للمرة الأولى، يتحسَّس طريقه بتشكُّك، يشمشم هنا وهناك، في الجو رائحةُ قطعة من الجُبن أو الشوكولاتة يريد أن يصل لها، في المتاهة أبوابٌ، عليه أن يتعرف كيف يفتحها ليصل إلى هدفه. مع الوقت يصبح الفأر متآلفًا مع المتاهة، في المرات التالية يسير إلى هدفه بسرعة أكبر، يفتح الأبواب بالطريقة التي تَعَلَّمَهَا في المرات السابقة ليصل. في هذه المتاهة يتحول السلوك الذي تَعَلَّمَهُ الفأر مع الوقت إلى روتين؛ سلوك مألوف تُعَزِّزه المكافأة التي تنتظره في النهاية. من كثرة ما قرأنا عن هذه التجربة لسنا في حاجة إلى التكلُّم عنها كثيرًا.

غرض التجربة هو معرفة كيف يعمل العقل؛ في البداية يبذل الفأر مجهودًا عقليًّا كبيرًا لاستكشاف المتاهة، ثم مع الوقت يتحول سلوكه إلى سلوك روتيني يبذل فيه قدرًا محدودًا من الطاقة الذهنية. شاهد العلماء في هذه التجربة سلوكَ الفأر وهو يتغيَّر وفقًا للبيئة ويتحول إلى روتين من خلال عملية من ثلاث مراحل تتكرر بشكل تلقائي: محفِّز، عادة، مكافأة. دورة تلقائية يخلقها العقل بشكل تلقائي. 

اللوحة ل: M.C. Escher
(٢)


الفأر هنا حبيس المتاهة، ويتم التحكم فيه بواسطة غرائزه نفسها. أيُّ فأرٍ جائعٍ بما يكفي سيتبع رائحة الطعام. الفارق بين هذا الفأر وفأرٍ خارج المتاهة، أن الفأر خارج المتاهة متاحة له خيارات أكبر، وفرص أكبر، وربما مخاطر أكبر كذلك. الفأر في الخارج لا يعرف الحوائط بالطريقة التي يعرفها فأر المتاهة، يعرف طبيعةً غير مُرَوَّضَةٍ. نظريًّا على الأقل الفأر في الخارج أكثر حريةً، ويتحكم في تصرفاته بشكل أكبر. الفأر داخل المتاهة على النقيض، يختار بين بدائل محدَّدة توضع أمامه، لكنه في النهاية خيار زائف؛ لأننا نعلم مسبقًا أنه -باعتباره فأرًا تم تجويعه- سيختار الطريق الوحيد الذي يوصله للطعام. 



5 سبتمبر، 2016

السير في الزمن


بقلم: أحمد ع. الحضري

(١)

رجلٌ عجوزٌ أو شابٌّ صغير، يبدأ حكايته: «كان يا ما كان»، ثم ينتقل بالأحداث على حريته؛ يبطئ حينًا عند مشهدٍ ما ويُسهِب في وصفه، ويسارع في مشاهد أخرى فيجعلها متتابعةً تخطف الأنفاس، قد ينتقل من الزمن الحاضر إلى الماضي: «وكان قبلها قد حدث أنه …»، أو يقفز إلى المستقبل دون تمهيد: «ثم/بعد عشر سنوات/في النهاية …»، أو ربما يخلط بين الأزمان بشكلٍ غير منتظم: ماضٍ حاضر ماضٍ ماضٍ … وهو في هذا كله كحَكَّاءٍ بارع يراعي التشويق، يعرف أن الحدث (الحدوتة) لا يكفي، وأن الطريقة التي يقول بها قصته قد تكون أَهَمَّ من القصة. لكن المسألة ليست فقط في التشويق، الفكرة هي أن شكل الزمن الخطي الذي نعرفه لا يُعَبِّرُ دائمًا عن أفكار الإنسان ومشاعره بشكل كافٍ، الإنسان يكون في لحظته الحاضرة مرتبطًا بلحظات بعينها في ماضٍ قريب أو بعيد، يستعيدها حنينًا، أو ندمًا، أو تأمُّلًا، يستعيدها لصلتها بحاضره، أو لأنها أبعد ما تكون عن حاضره. الإنسان يتطلع أيضًا للمستقبل، يتشبث به كمَهْرَبٍ، أو يخاف منه كخطر، أو يتساءل بخصوصه بحَيْرةٍ. لحظة أو فكرة وُلِدَتْ منذ عشرين عامًا أو أكثر، قد تساعد على فَهم اللحظة الراهنة لهذا الإنسان، بشكل أكبر من أحداث أسبوعه أو عامه السابق أو ربما عدة أعوام مُمْتَدَّةٍ. قد يُحِسُّ الإنسان الدقائق القليلة ساعات حين ينتظر أو يتألم، وتمر الساعات كثوانٍ أوقاتَ السعادة، إحساسه بالزمن يختلف عن مروره الواقعي، ولا يُهِمُّ وقتها ما تقوله له ساعة الحائط.

اللوحة لدالي

2 سبتمبر، 2016

وجهات النظر: بين النسبوية والحقيقة الوحيدة


بقلم: أحمد ع. الحضري

(١)


ربما تكونُ قد شاهدْتَ فيلم راشمون (Rashomon-1950) للمخرج الياباني كوروساوا، والذي يعرض أربع رؤًى متباينة لحدث واحد، هو مقتل الساموراي «كانازاوا تاكيهيكو». تعرض كل شخصية زاوية من الحدث تعبِّر عن نظرتها للحقيقة، ومع توالي الرؤى تُفاجأ - كمشاهد- بمقدار التناقُض بينها، ومقدار التشويه الذي حدث في كل زاوية نظر.

هذه الانتقائية نمارسها في حياتنا بشكل مستمر: ونحن في بيوتنا، ونحن نسير في الشارع، ونحن نتعامل مع الآخرين. قد نعرف شخصًا ما لفترة طويلة، لكننا نحتار ونتبلبل مثلًا إن سألنا أحدُهم عن تفصيلةٍ ما تخصه. والوعي بهذه الفكرة من النقاط المهمة في تقنية كثير من الأعمال الفنية والأدبية، ومنها القصة والرواية على سبيل المثال. على الروائي في كل جزء من روايته أن يختار زاوية النظر التي سينقل بها الحدث الذي يريد نقله، هل سيستخدم الراوي العليم أم الراوي المشارك؟ ومن أي زاوية سينقل المشهد الذي يريد وصفه؟ الوعي الحديث يدرك أن الراوي لا ينقل الحقيقة بالضرورة كما حدثت، لكنه ينقلها كما رآها أو كما يريدنا أن نسمعها.

M. C. Escher

(٢)


يشير راي كيرزويل في كتابه «عصر الآلات الروحية» إلى ما يسمى بحوسبة تدمير المعلومات. وفيها يحاول المهندسون والمبرمِجون محاكاة عملية يقوم بها العقل البشري بشكل تلقائي، وتعتمد -باختصار- على محاولة مساعدة الحاسب على اختيار المعلومات ذات الأهمية وتدمير غيرها من المعلومات؛ لأن «هناك الكثير من المعلومات الفجة في العالم التي لا تستحق أن نستمر في حفظها كلها.»
  

4 أغسطس، 2016

"كإن"


بول جوجان
Paul Gauguin: Self-Portrait with Yellow Christ

بقلم: أحمد ع. الحضري

عارف دايمًا في التراث العربي كانوا بيتكلموا عن الحالة اللي ما ينفعش لغة توصلها إلا إذا كان اللي بتكلمه جربها، المثال المشهور هو حالتك وانت بتحاول توصف الطعم المر أو الحلو أو المالح لواحد عمره ما امتلك حاسة التذوق؛ أو إنك تحاول توصف لواحد ما بيشمش، ريحة الورد، ساعتها ممكن تقول له مثلا: "كإنها موسيقى بيتهوفن"، أو " كإنها صوت فيروز"، وانت عارف إن دا عمره ما هيعرفه يعني إيه ريحة الورد، بس تفكر: على الأقل كلامك ممكن يساعد عقله يتعامل مع الفكرة المجهولة، مع الكلمة الغريبة كل ما يقراها. هنا كإنك بترسم بالدخان، تحس للحظة كإنك قلت، ووصلت للي بتوصفه، بس لا، كله بيطير. الكلمة اللي بتعبر عندي دايمًا عن الحالة دي -حالة اللي واقف على طراطيف صوابعه أو بينط عشان يلمس غصن شجرة أعلى منه حاسس إنه خلاص مسكه، بس عمره ما هيوصل له- هي: "كإن".