ستيف جوبز



غلاف الطبعة العربية الصادرة عن مكتبة جرير
بقلم: أحمد ع. الحضري

يحكي والتر إيزاكسون، صاحب الأسلوب السلس والممتع والمجهود الدؤوب الذي يظهر في مادته الثرية، في بداية هذا الكتاب كيف تواصل معه ستيف جوبز، مشجعًا له على الكتابة عن حياته. يصف المؤلف تخوفه في أول الأمر من أن يحاول جوبز السيطرة على مادة الكتاب أو التدخل فيها، ثم يوضح بعد ذلك كيف تجنب جوبز فعليًا التدخل في محتوى الكتاب بأي شكل. جوبز الذي كان واعيًا باقتراب أجله، نتيجة لمرضه الخطير، كان مهتمًا بوجود كتاب يوثق لتجربته الشخصية والعملية:  
قال جوبز: "عندما كنت صغيرًا، لطالما ظننت أنني شخص مهتم بالآداب. ولكنني كنت أحب الإلكترونيات، ثم قرأت مقالًا قال فيه أحد علمائي المفضلين إدوين لاند من شركة بولارويد، شيئًا عن أهمية الأشخاص الذين يقفون في مفترق الطرق بين الآداب والعلوم، وقررت أن هذا هو ما أريد أن أفعله. كان الأمر يبدو كما لو أنه يطرح موضوعًا لسيرته الذاتية (وفي هذه اللحظة، على الأقل، أصبح موضوعًا صالحًا)، حيث إن الإبداع الذي ينتج عن الدمج بين العلوم والآداب في شخصية قوية كان هو الموضوع الذي جذبني إلى سيرة كل من فرانكلين وأينشتاين الذاتية، وأعتقد أنه الموضوع الرئيسي الذي سيفتح الباب أمام خلق اقتصادات قائمة على الابتكار في القرن الحادي والعشرين.  
سألت جوبز عن سبب اختياره لي لكتابة سيرته الذاتية، فرد قائلًا: "أعتقد أنك بارع في جعل الناس يتحدثون"، وقد كانت إجابته غير متوقعة. لقد كنت أعلم أنه سيتوجب عليَّ مقابلة الكثير من الأشخاص الذين فصلهم من العمل أو أساء معاملتهم أو تجاهلهم أو حتى أثار غضبهم، وكنت خائفًا من أنه قد يتضايق من مقابلاتي معهم، وقد تبين بالفعل أنه يشعر بالخجل عندما يسمع كلمات الأشخاص الذين كنت أقابلهم، لكن بعد شهرين بدأ في تشجيع الناس على التحدث إليَّ حتى أعدائه وأصدقائه السابقين، ولم يحاول أن يضع حدودًا لما سيقولونه. قال جوبز: "هناك الكثير من الأمور التي فعلتها ولا أفخر بها، مثل التخلي عن ابنتي عندما كنت في الثالثة والعشرين من العمر، والطريقة التي تعاملت بها مع الأمر، ولكن لا توجد لدي أية أسرار أخشى ظهورها".
بدأت قراءة هذا الكتاب وأنا منجذب إلى مؤلفه والتر إيزاكسون، أكثر من انجذابي لموضوعه وبطله ستيف جوبز. فقد أثار فضولي أن أقرأ كتابًا آخر لهذا المؤلف، الذي كان قد أثار إعجابي واهتمامي بكتابه الممتع عن أينشتاين.

كنت مدركًا أن ستيف جوبز شخصية ثرية ومؤثرة في تطور التكنولوجيا، لكن الكتاب فتح آفاقًا مختلفة للغاية لتوسيع هذه المعرفة، للتعريف بالشخص، وتاريخه، وفلسفته، وطباعه، ومواقفه، وعلاقته مع الآخرين سواء كانوا من أفراد أسرته أو أصدقائه أو زملائه في العمل، أو منافسيه. 

ستيف جوبز نجح مع ستيف وزينياك في تأسيس شركة أبل في جراج والده، ثم نجح من خلال رؤية نافذة وعبقرية غير معتادة في تطويرها لتنتج المزيد والمزيد من المنتجات، ستيف جوبز الذي كان فصله من الشركة سببًا لتدهورها، وعودته إليها بعثًا جديدًا لها.

ستيف المثالي صاحب الرؤية الذي لا يقبل بأنصاف الحلول، فالأشياء إما سيئة للغاية أو ممتازة. الذي كان يجهد ويلهم من عملوا معه للوصول إلى أشياء كانوا يظنونها مستحيلة.

(ستيف جوبز وبيل جيتس)

من العلاقات المهمة للغاية في الكتاب والتي أبرز الكتاب تطورها وتعقيداتها على مدار فصوله المختلفة هي العلاقة بين ستيف جوبز وبيل جيتس. كلا الرجلين كان مؤثرًا للغاية في عصره، وكلاهما نجح في تأسيس شركة ناجحة، ولكن اختلفا في رؤيتهما للأمور فيما يخص التكنولوجيا، وكانت العلاقة بينهما متفجرة في أوقات كثيرة. 

جيتس تحمس منذ البداية لإنتاج نظام تشغيل يعمل على جميع الأجهزة، وبالتالي كان يسمح لمختلف الشركات باستخدام نظامه، كان يرى أن هذا النهج هو المستقبل، وفي المقابل كان جوبز يرى أنه يجب أن يسيطر على كل خطوات المنتج الذي ينتجه، لم يكن يرغب أن يسمح للشركات الأخرى أن تأخذ نظام تشغيل ماكنتوش لتضعه على أجهزة سيئة. نهج مايكروسوفت جعلها تسيطر على سوق أنظمة التشغيل، بينما تراجع نصيب آبل ل 5%. لكن نهج أبل سمح لها بتطوير مجموعة من المنتجات المبهرة والمبتكرة، وجعل مبتكراتها في أوقات كثيرة هي التي تقود الآخرين، مثلما حدث مع: نظام ماكنتوش، وiPod، وiPad على سبيل المثال. 

(بيكسار)

من الخطوط التي تتبعتها باهتمام في الكتاب، الخط الذي يتتبع علاقة جوبز مع شركة بيكسار. دخوله للشركة حين كانت تنتج أجهزة كمبيوتر مع قسم للرسوم المتحركة. لكن مع الوقت اتضح أن الجزء الناجح والأهم في الشركة هو قسم الرسوم المتحركة، الذي سينجح نجاحًا باهرًا مع الوقت، بعد عدد من الأفلام المميزة، ومنها: Toy Story
كانت الفكرة التي عرضها جون لاسيتير تُدعى Toy ٍStory (قصة لعبة) وقد تم اقتباس هذه الفكرة من الاعتقاد الذي تشاركه مع جوبز، بأن المنتجات تمتلك جوهرًا خاصًا بها، وهدفًا صنعت من أجله، فإذا كان الهدف أن تمتلك مشاعر، فيجب أن تبني مشاعرها على رغبتها في تحقيق جوهرها. إن هدف الكوب، على سبيل المثال، أن يحتفظ بالماء، وإذا كان يمتلك مشاعر فسوف يكون سعيدًا عندما يمتلئ وحزينًا عندما يكون فارغًا. إن جوهر شاشة الحاسب هو أن تكون واجهة تواصل مع البشر، وجوهر الدراجلة الأحادية أن يتم ركوبها في عروض السيرك، أما بالنسبة للألعاب فإن جوهرها هو أن يلعب بها الأطفال، وبهذا فإن خوفهم الوجودي يكمن في أن يتم التخلص منهم أو استبدالهم بألعاب أحدث؛ لذا فإن فيلمًا يتحدث عن الصداقة يجمع بين لعبة مفضلة قديمة ولعبة جديدة لامعة سوف يحمل طابعًا دراميًا، خاصة عندما تبدأ الحركة بانفصال الألعاب عن صاحبها، بدأ لاسيتير عرض فكرته قائلًا: "لقد واجهنا جميعًا في طفولتنا صدمة فقد إحدى الألعاب، تتخذ قصتنا وجهة نظر اللعبة عندما تفقد وتحاول استعادة أكثر شيء مهم بالنسبة لها؛ أن يلعب بها أحد الأطفال، حيث إن هذا هو سبب وجود جميع الألعاب، وهو القوام العاطفي لوجودها ".
ستضطر شركة ديزني في النهاية  لشراء شركة بيكسار لمعالجة المشاكل الفادحة في قسم الرسوم المتحركة الخاص بها، الذي كان قد تأخر كثيرًا. ليصبح وقتها ستيف جوبز نتيجة لذلك، أكبر مساهم منفرد في شركة ديزني. 

في النهاية الكتاب ممتع حقًا، وما به من قصص، وحكايات، وأفكار، ممتع ومثير للاهتمام، وملهم. تعمدت عدم الحديث عن حياة جوبز بشكل يغطي كل تفاصيل حياته. مركزًا فقط على بعض المناطق في الكتاب. لكن لو أنك مهتم بتاريخ التكنولوجيا، فهذا الكتاب، من خلال حديثه عن حياة ستيف جوبز، يؤرخ لمرحلة مهمة للغاية بدأ العالم كما نعرفه اليوم فيها في التكون.
_______________
اقرأ أيضًا: 
مقاطع من كتاب ستيف جوبز لوالتر إيزاكسون

تعليقات

إرسال تعليق

أفيدوني بانتقاداتكم وإطراءاتكم، أسعد بجميع الآراء

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

قصائد من الشعر الأفريقي المعاصر

مقتطفات عن أينشتاين

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

Mr. Nobody

النسبية الثقافية ؟