مقتطفات عن أينشتاين

أينشتاين





والتر إيزاكسون
ترجمة: هاشم أحمد محمد

كانت ميلفا مرآة لأفكاره العلمية، وساعدت في مراجعة الرياضيات في أبحاثه، غير أن علاقتهما تدهورت في النهاية. وعرض عليها أينشتين صفقة؛ قال لها إنه سوف يفوز بجائزة نوبل يومًا ما، وإنه سوف يمنحها الجائزة المالية إذا وافقت على الطلاق، فتدبرت الأمر أسبوعًا ثم وافقت على الصفقة. ولما كانت نظرياته ثورية، فقد مضى سبعة عشر عامًا منذ عمله الدؤوب في مكتب براءات الاختراع حتى حصل على الجائزة ومنحها إياها.
 
*** *** *** 

يجب أن ننتبه أيضًا إلى الجزء الثاني من إجابة أينشتين، فقد قال: "علينا أن نتقبل الملاحظات النقدية التي يبديها الطلاب بصدر رحب، ويجب ألا يعوق حفظ المادة العلمية استقلالية الطالب." ولن يحوز مجتمع الميزة التنافسية بتركيز مدارسه على تعليم جدول الضرب والجدول الدوري، بل بشحذ خيال الطلاب وقدراتهم الإبداعية.

أظن أن هذا سر عبقرية أينشتاين والدروس المستفادة من حياته؛ فعندما كان طالبًا صغيرًا لم يظهر تفوقًا في التعليم القائم على الحفظ، ولم يأت نجاحه فيما بعد كمنظر من قدرته العقلية الجبارة، لكن من تخيله وإبداعه، وقد استطاع أن يضع معادلات معقدة، لكن الأهم من ذلك أنه عرف أن الرياضيات هي اللغة التي تستخدمها الطبيعة لوصف عجائبها، ولذا استطاع أن يتخيل كيف تتجسد المعادلات في صورة حقائق؛ كيف تتجلى معادلات المجال الكهرومغناطيسي التي اكتشفها جيمس كلارك ماكسويل على سبيل المثال لصبي ينطلق بمحاذاة حزمة ضوء، وقد قال أينشتين ذات مرة: "إن الخيال أهم من المعرفة."
 


*** *** *** 

فرض عليه هذا المنهج أن يعتنق النزعة الثورية، فقد قال لعشيقته التي ستصبح فيما بعد زوجته: "فلتحيا الوقاحة، إنها ملاكي الساحر في هذا العالم." وبعد سنوات عديدة، عندما ظن آخرون أن رفضه لميكانيكا الكم يثبت أنه قد فقد عبقريته، قال: "جعلني القدر سلطة ليعاقبني على احتقاري للسلطة."

جاء نجاحه من تشكيكه في المنطق السائد، وتحديه للسلطة، ووقوفه مذهولا أمام ألغاز رآها الآخرون أمورًا عادية مألوفة لدرجة الابتذال، وأدى به هذا إلى اعتناق أخلاقيات وميول سياسية قائمة على احترام العقول الحرة، والأرواح الحرة، والأشخاص الأحرار، فقد كان يبغض الطغيان، ولم يكن يرى في التسامح فضيلة مستحبة فحسب، بل شرطًا ضروريًا للمجتمع المبدع، وقال: "من المهم أن نشجع الفردية، لأن الفرد وحده قادر على أن يبتكر الأفكار الجديدة."

هذه النظرة جعلت أينشتاين متمردًا يقدس تناغم الطبيعة؛ شخصًا لديه المزيج الصحيح من الخيال والحكمة لتغيير مفهومنا للكون، وهذه الصفات لها أهميتها في هذا القرن الذي تسوده العولمة والذي يعتمد نجاحنا فيه على قدراتنا الإبداعية، كما كان لها أهميتها في مطلع القرن العشرين عندما ساعد أينشتاين في مولد العصر الحديث
  
*** *** *** 

كان بطيئًا في تعلم الكلام، وقال فيما بعد: "كان أبواي قلقين، لدرجة أنهما استشارا طبيبًا"، وحتى بعد أن بدأ يستخدم الكلمات، بعد سن الثانية، ظهرت عليه غرابة في الأطوار جعلت الخادمة تطلق عليه der Depperte أي المغفل، وكان آخرون من أسرته يلقبونه ب"المتخلف"، وكان كلما أراد أن يقول شيئًا جربه على نفسه، وهمس به بصوت خفيض إلى أن يحسن نطقه ثم ينطقه بصوت عال، وتذكر شقيقته الصغرى التي كانت تحبه جدًا: "كان يكرر في نفسه بصوت خفيض كل جملة ينطق بها مهما كانت معتادة، ويحرك بها شفتيه"، وتقول: "كان الأمر مقلقًا جدًا، فقد كان يعاني صعوبة بالغة في الكلام لدرجة أننا خشينا ألا يتعلم أبدًا."

كان نموه البطيء يقترن بتمرده الوقح تجاه السلطة، مما جعل أحد المدرسين يعاقبه بالطرد، وقال له مدرس آخر إنه لن يصبح شيئًا ذا قيمة، وقد جعلت هذه السمات من ألبرت أينشتاين القديس الراعي لأطفال المدارس العاجزين عن التركيز في كل مكان، لكنها ساعدت أيضًا على أن تجعله – أو هكذا ظن فيما بعد – العبقري العلمي الأكثر إبداعًا في العصور الحديثة.

*** *** ***

أحد المعتقدات الشائعة عن أينشتاين أنه رسب في الرياضيات عندما كان طالبًا، وهي رواية تزعمها أعداد كبيرة من الكتب وآلاف المواقع على شبكة الإنترنت، وكثيرًا ما يتبعونها بعبارة: "كما يعرف الجميع"، وهي كتب ومواقع يقصد منها طمأنة الطلاب الذين لا يحرزون نجاحًا، وقد وجدت هذه الشائعة طريقها أيضًا إلى العمود الصحفي الشهير "Ripley's Believe it or not!".

إن طفولة أينشتاين تقدم للتاريخ كثيرًا من المفارقات الطريفة، لكن هذه للأسف ليست واحدة منها؛ ففي عام 1935 عرض عليه حاخام يهودي في برينستون مقتطفات من عمود ريبلي بعنوان: "أعظم الرياضيين يرسب في الرياضيات"، فضحك أينشتين ورد مصححًا: "لم أرسب قط في الرياضيات، وقد أتقنت حساب التفاضل والتكامل قبل أن أبلغ الخامسة عشرة."

الواقع أنه كان طالبًا رائعًا، على الأقل من الناحية الفكرية، وفي المدرسة الابتدائية كان الأول على فصله، وقالت أمه لعمته عندما كان في السابعة: "بالأمس حصل أينشتاين على درجاته، وجاء ترتيبه الأول مرة أخرى"، وفي المدرسة الثانوية كان يكره تعلم اللغات مثل اللاتينية واليونانية عن طريق الوسائل النمطية، وتفاقمت المشكلة بسبب "ضعف ذاكرته للكلمات والنصوص"، لكن حتى في هذه المقررات كان أينشتاين يحصل دائمًا على أعلى الدرجات، وبعد سنوات عندما كان أينشتاين يحتفل بعيد ميلاده الخمسين، وكانت هناك قصص حول إخفاق العبقري العظيم في المدرسة الثانوية، حرص مدير المدرسة آنذاك على نشر خطاب يكشف ارتفاع الدرجات التي كان يحصل عليها. 

وفي الرياضيات كان أينشتاين أبعد ما يكون عن الفشل، بل كان "يفوق متطلبات المدرسة بكثير" وتذكر شقيقته أنه عندما بلغ الثانية عشرة "كان لديه بالفعل ميل لحل المسائل المعقدة في علم الحساب التطبيقي"، وقرر أن يرى إن كان بإمكانه أن يحقق سبقًا ويتعلم بنفسه الهندسة والجبر، وقد أحضر له والداه الكتب المدرسية مقدمًا بحيث يستطيع التمكن منها خلال الإجازة الصيفية، ولم يتعلم أينشتاين البراهين الموجودة في الكتب فحسب، بل حاول أيضًا أن يثبت النظريات الجديدة بنفسه، وتقول شقيقته: "كان ينسى اللعب ورفاق اللعب، ويجلس بمفرده أيامًا متصلة منهمكًا في البحث عن حل، ولا يهدأ له بال حتى يجده"

*** *** *** 

أدخله عمه المهندس ياكوب أينشتاين إلى عالم الجبر البهيج، وقال له: "إنه علم ممتع، عندما لا نستطيع اصطياد الحيوان الذي نطارده، نرمز له مؤقتًا بالرمز س ونستمر في مطاردته إلى أن نوقع به."

*** *** ***

بيد أن موهبة أينشتاين في الفيزياء تفوق موهبته في الرياضيات، ولم يدرك بعد كيف سيرتبط العلمان ارتباطًا وثيقًا أحدهما مع الآخر في السعي إلى نظريات جديدة، وخلال سنواته الأربع في المعهد الفني [بزيورخ] كان يحصل على 5-6 درجات في جميع مقررات الفيزياء النظرية، لكنه كان يحصل على أربع درجات فقط في معظم مقررات الرياضيات، لاسيما مقررات الهندسة، وقد اعترف قائلا: "لم يكن واضحًا لي كطالب أن المعرفة العميقة بالمبادئ الأساسية للفيزياء ترتبط بأكثر المناهج الرياضية تعقيدًا."

سيدرك أينشتاين هذه الحقيقة بعد عقد آخر، عندما كان يحاول استيعاب الجانب الهندسي من نظريته عن الجاذبية، وجد نفسه مضطرًا لى الاعتماد على مساعدة أستاذ رياضيات وصفه ذات مرة بأنه كلب كسول، وكتب إلى زميل له عام 1912: "لقد أصبحت أكن احترامًا عظيمًا للرياضيات، وقد كنت لحماقتي أعتبر الجزء الأكثر غموضًا منها ترفًا خالصًا حتى الآن." وقبيل نهاية حياته أعرب عن أسفه بطريقة مشابهة مع صديق شاب فقال: "في سن مبكرة كنت أفترض أن الفيزيائي الناجح لا يحتاج إلى أكثر من معرفة اساسيات الرياضيات، وفيما بعد أدركت مع الأسف الشديد أن فرضي كان خاطئًا تمامًا."

*** *** ***

إن ما أعجب أينشتاين في موتسارت وباخ هو البناء المعماري البديع الذي جعل موسيقاهما "حتمية كالقدر" وتبدو – مثل نظرياته العلمية المفضلة- قطعة من الكون وليست مؤلفة. وقال أينشتاين ذات مرة: "لقد أبدع بيتهوفن موسيقاه، لكن موسيقى موتسارت على درجة من الصفاء حتى لتبدو وكأنها كانت دائمًا في الكون." وقد قارن بين بيتهوفن وباخ: "أشعر بعدم الراحة عند الاستماع إلى بيتهوفن، أعتقد أنه شخصي جدًا، وأرى أن باخ أفضل منه كثيرًا."

كان أينشتاين معجبًا أيضًا بشوبيرت "لقدرته الفائقة على التعبير عن العاطفة." وفي استبيان ملأه ذات مرة كان ينتقد مؤلفي الموسيقى الآخرين بطريقة تعكس بعض آرائه العلمية: كان يعيب هاندل "شيء من الضحالة" وأظهر ميندلسون "براعة كبيرة، لكنه كان يفتقد إلى العمق، مما يؤدي غالبًا إلى الابتذال". وفاجنر يعوزه البناء المعماري الذي اعتبره انحطًاطًا، وشتراوس "موهوب، لكنه بدون صدق روحاني."

*** *** *** 

كان شرود ذهنه وهندامه غير المنظم وملابسه البالية وكثرة نسيانه من صفاته الواضحة أثناء دراسته، وهي التي ستجعله يبدو فيما بعد رمزًا للأستاذ شارد الذهن، فقد كان معروفًا عنه أنه قد ينسى ملابسه وأحيانًا حقيبته عندما يسافر، وكانت صاحبة العقار تتندر دائمًا على نسيانه مفاتيحه. وذات مرة كان يزور أصدقاء لعائلته، وقال: "غادرت البيت وقد نسيت حقيبتي، وقال مضيفنا لوالدي: "لن يحقق هذا الرجل نجاحًا يذكر، لأنه لا يستطيع تذكر أي شيء"

*** *** *** 

(الإجازة الصيفية 1900)

عندما اقتربوا من الفندق، نزل أينشتاين وشقيقته من السيارة لكي يسيرا، وأسرت إليه مايا بأنها لم تجرؤ على أن تناقش مع أمهما علاقته بميلفا ماريتش، المعروفة في الأسرة ب"مسألة دوللي"، وهو اللقب الذي يدللها به، وطلبت منه أن يترفق في حديثه مع والدته. ومع ذلك فلم يكن من طبيعة أينشتاين أن "يمسك لسانه" كما قال فيما بعد في خطابه إلى ماريتش عن المشادة التي وقعت، ولم يكن من طبيعته أن يحافظ على مشاعر ماريتش بأن يكتم عنها التفاصيل الدرامية لما حدث.!

ذهب أينشتاين إلى غرفة أمه، وبعد أن أخبرها عن امتحاناته سألته: "وما مصير علاقتك بدوللي الآن؟"

رد أينشتاين: "زوجتي". وهو يحاول التظاهر بنفس اللامبالاة التي استعملتها أمه في سؤالها.

يذكر أينشتاين أن أمه "ألقت بنفسها على السرير ودفنت رأسها في الوسادة، وأخذت تبكي كالأطفال"، واستطاعت في النهاية أن تستعيد رباطة جأشها وتواصل الهجوم، فقالت: "إنك تدمر مستقبلك وتحطم فرصك، فلن تقبلها أية أسرة محترمة، وإذا أصبحت حاملا فسوف تصبح ورطة حقيقية."

عند ذلك جاء دور أينشتاين ليفقد رباطة جأشه، وقال لماريتش: "لقد أنكرت بشدة أننا نعيش في الخطيئة، ووبختها بعنف."

تعاقبت فترات العواصف والهدوء طوال العطلة، وبين الحين والآخر كلما ظن أينشتاين أن الأزمة انتهت أثارت أمه الموضوع من جديد، وعنفته ذات مرة قائلة: "إنها مثل مجرد كتاب، ولكنك تحتاج إلى زوجة"، وفي مرة أخرى أثارت موضوع أن ماريتش في الرابعة والعشرين وهو في الحادية والعشرين، وقالت: "عندما تصل إلى الثلاثين ستكون هي عجوزًا شمطاء."


بيد أن عاطفتهما كانت من النوع السامي، على الأقل في عقليهما، مع الصفوة المنعزلة من الشباب المترددين على المقاهي الألمانبة الذين يدمنون فلسفة شوبنهاور، وقد أوضحا بغير خجل الفارق الخفي بين روحيهما الساميتين وبين الغرائز المتدنية التي يسعى وراءها العامة. وكتب لها أثناء معركته مع عائلته في أغسطس/ آب: "في حالة أبي وأمي – كما هو الحال مع معظم الناس- تتحكم الأحاسيس تحكمًا مباشرًا في العواطف، وبفضل الظروف السعيدة التي نحياها، فإن الاستمتاع بالحياة في حالتنا أصبحت له آفاقًا أوسع."

ويذكر لأينشتاين أن نبه ماريتش (ونفسه) قائلا: "يجب ألا ننسى أن حياة والدي وأمثالهما هي التي تجعل وجودنا ممكنًا"، فالفطرة البسيطة والصادقة لأناس مثل والديه هي التي ضمنت تقدم الحضارة ، "ولذا أحاول حماية والديَّ دون أن أضحي بشيء أراه مهمًا بالنسبة لي، وهذا يعني أنت يا حبيبة قلبي!"

*** *** ***

من بين الأشياء العديدة والمدهشة في حياة ألبرت أينشتاين تلك المصاعب التي واجهها في الحصول على وظيفة بالتدريس، بل إنه لن يمنح وظيفة مدرس بالجامعة قبل تسع سنوات من تخرجه من المعهد الفني بزيورخ عام 1900، وأربع سنوات بعد تحقيقه المعججزة وهي السنة التي لم يقلب فيها الفيزياء رأسًا على عقب فحسب، بل أجيزت فيها أخيرًا رسالته للدكتوراه. 

لم يكن التأخير نتيجة لعدم رغبة من جانبه، ففي منتصف أغسطس/ آب 1900 بين العطلة التي قضاها مع أسرته في ميلختال وزيارته لوالده في ميلانو، رجع أينشتاين إلى زيورخ للإعداد للحصول على وظيفة مساعد أستاذ في المعهد الفني، وكان من المعتاد أن يحصل كل خريج على وظيفة كهذه إذا رغب في ذلك، وكان أينشتاين واثقًا من حصوله عليها، وقد رفض في الوقت نفسه عرضًا من صديق لمساعدته في الحصول على وظيفة في شركة تأمين، ووصفها بأنها ثمان ساعات يوميًا من العمل الشاق دون استخدام العقل"، وكما قال لماريتش: "يجب أن يتجنب المرء الأمور التي توقف العقل عن التفكير."

كانت مشكلته أن أستاذي الفيزياء بالمعهد الفني كانا يدركان تمامًا وقاحته لكنهما لم يعرفا شيئًا عن عبقريته، فحصوله على وظيفة مع الأستاذ برنيه الذي وبخه من قبل لم يكن واردًا على الإطلاق، أما الأستاذ فيبر فقد أصيب بحساسية من أينشتاين لدرجة أنه عين طالبين من قسم الهندسة مساعدين له عندما لم يجد خريجين من قسم الفيزياء والرياضيات غير أينشتاين. 

ولم يتبق سوى أستاذ الرياضيات أدولف هورفيتس فعندما حصل أحد مساعدي هورفيتس على وظيفة تدريس في مدرسة ثانوية، زف أينشتاين هذا الخبر السعيد إلى ماريتش: "هذا يعني أنني سأصبح مساعدًا لهورفيتس، إن شاء الله." ولسوء حظه أنه تغيب عن معظم محاضرات هورفيتس، وهي إهانة يبدو أن هورفيتس لم ينسها."
...
قرر أينشتاين آخر الأمر أن يكتب لهورفيتس بدلا من زيارته، وربما كان هذا القرار خطأ منه، فلم يكن خطاباه مثالين لأجيال المستقبل التي تسعى للتعلم كيف تكتب طلب وظيفة، فقد أقر من تلقاء نفسه بأنه تغيب عن محاضرات التفاضل لهورفيتس، وأنه كان يولي اهتمامًا أكبر للفيزياء عن الرياضيات، وقال بصورة أقرب ما تكون للاعتذار الواهي: "لقد منعني ضيق الوقت من المشاركة في حلقة الرياضيات الدراسية، فلا يرجح كفتي إلا أنني حضرت معظم المحاضرات"، ثم أضاف بطريقة وقحة نوعًا ما أنه متلهف للرد لأن "منح الجنسية في زيورخ – الذي تقدم بطلب للحصول عليه- يشترط حصوله على وظيفة ثابتة."

كان أينشتاين واثقًا بنفسه بقدر ما كان متلهفًا للرد، وقال بعد ثلاثة أيام فقط من إرساله الخطاب: "لم يكتب لي هورفيتس بعد، لكنني لا أكاد أشك في أنني سأحصل على الوظيفة." ولم ينل الوظيفة، بل إنه أصبح الخريج الوحيد في قسمه بالمعهد الفني الذي لم تعرض عليه الوظيفة. قال بعد ذلك: "فجأة تخلى عني الجميع".

في نهاية أكتوبر / تشرين الأول 1900 عاد هو وماريتش إلى زيورخ حيث قضى معظم أيامه مقيمًا في شقتها يقرأ ويكتب، وفي طلبه للجنسية ذلك الشهر، كتب "لا يوجد" في خانة السؤال عن ديانته، وكتب عن وظيفته: "أنا أعطي دروسًا خصوصية مؤقتًا في الرياضيات حتى أحصل على وظيفة ثابتة."

لم يجد طوال ذلك الخريف إلا ثمانية وظائف متفرقة كمعلم خاص، وأوقف أقاربه دعمهم المالي له، لكن أينشتاين كان يظهر التفاؤل، وكتب لصديقته ماريتش: "إننا نعيش على ما نحصل عليه من الدروس الخصوصية، كلما واتتنا الفرصة لذلك، وهي لا تزال فرصة ضعيفة. أليست هذه حياة عامل بأجر يومي أو حياة غجري؟ غير أنني أعتقد أننا سوف نظل سعداء بها كما كنا دائمًا." وما جعله سعيدًا – بالإضافة إلى وجود ماريتش- هو الأبحاث النظرية التي كان يكتبها وحده.

*** *** ***

وفي زيورخ وبعد ذلك في ميلانو أرسل أينشتاين العديد من الرسائل بحثًا عن وظيفة، وزاد من توسلاته إلى الأساتذة في جميع أنحاء أوروبا، وكان يرفق معها بحثه عن الخاصية الشعرية الذي تبين أنه لا يحدث الأثر المطلوب تمامًا، ونادرًا ما كان أحد يأبه بالرد عليه، وكتب إلى ماريتش سرعان ما سأجد أنني قد شرفت بعرضي كل أساتذة الفيزياء من بحر الشمال حتى الطرف الجنوبي من إيطاليا."

في أبريل / نيسان عام 1901 وصلت الحال بأينشتاين إلى أن يشتري كومة من البطاقات البريدية مع مرفقات رد مدفوعة الأجر مقدمًا بالبريد في محاولة يائسة للحصول على رد، والمضحك أنه في الحالتين اللتين بقيت فيهما تلك الالتماسات البريدية، أصبحت بشكل مضحك مواد يسعى وراءها جامعو مقتنيات أينشتاين، وقد أرسلت إحدى هاتين البطاقتين إلى أستاذ هولندي، وهي موجودة حاليًا بمتحف ليدن لتاريخ العلوم. لم يتلق أينشتاين حتى رفضًا مجاملا، وكتب إلى صديقه مارسيل جروسمان: "لم أترك حجرًا إلا وقلبته، ولم أتخل عن روح المرح، فقد خلق الله الحمار وأعطاه قدرة على التحمل."

من بين العلماء العظام الذين كتب إليهم أينشتاين فيلهلم أوستفالد أستاذ الكيمياء في جامعة لايبتسيج الذي سينال جائزة نوبل بفضل إسهاماته في نظرية التخفيف، وقال أينشتاين: "إن عملكم في الكمياء العامة ألهمني كتابة المقالة المرفقة"، ثم تحول الإطراء إلى توسل عندما سأله: "هل تحتاج فيزيائيًا رياضيًا" ثم ختم خطابه بتوسل: "أنا بلا نقود ولن يساعدني على مواصلة دراستي إلا وظيفة من هذا النوع"، ولم يتلق ردًا، وكتب مرة أخرى بعد أسبوعين آخرين بحجة "أنا لست متأكدًا إن كنت قد كتبت عنواني" في الخطاب الأول، "إن حكمك على بحثي يهمني جدًا"، ولم يتلق ردًا أيضًا. 

كان والد أينشتاين الذي يقيم معه في ميلانو، يشارك ابنه معانته في صمت، وحاول مساعدته بطريقة رقيقة للغاية؛ فعندما لم يصل رد بعد الخطاب الثاني الذي أرسله إلى أوستفالد، أخذ هيرمان أينشتاين على عاتقه – ودون علم ابنه – القيام بخطوة غير عادية ومحرجة دفعته إليها عاطفته، فكتب محاولا إقناع أوستفالد بنفسه: 

"أرجو أن تصفح عن أب بلغت به الجرأة أن يستنجد بك أيها الأستاذ المحترم لمصلحة ابنه. ألبرت في الثانية والعشرين، وقد درس أربع سنوات بالمعهد الفني بزيورخ، … "

ولم يرد أوستفالد، غير أنه – في واحدة من مفارقات التاريخ الطريفة – سوف يصبح بعد تسع سنوات أول شخص يرشح أينشتاين للحصول على جائزة نوبل. 

كان أينشتاين مقتنعًا بأن خصمه اللدود في معهد زيورخ الفني – أستاذ الفيزياء هنريخ فيبر – وراء كل هذه المصاعب، فبعد استعانته باثنين من الهندسين بدلا من أينشتاين ليكونوا مساعدين له، كان الآن فيما يبدو يدلي بمعلومات سلبية عنه. وبعد تقدمه بطلب وظيفة مع الأستاذ إدوراد رايكي بجامعة جوتينجن قال أينشتاين لماريتش يائسًا: "لقد أصابني القنوط من الحصو على هذه الوظيفة، لا أعتقد أن فيبر سوف يدع هذه الفرصة تمر دون أن يفعل شيئًا يؤذيني".

*** *** ***

على أنه جعلها تعده بألا يحولهما هذا الزواج إلى زوجين يلهثنان وراء المادة، وقال: "سوف نعمل معًا بجد في مجال العلم حتى لا نصبح عجوزين جاهلين، ألا ترين ذلك؟" وحتى شقيقته شعر أنها سوف تصبح "بليدة جدًا" في نظرتها لأسباب الراحة المادية. وقال لماريتش: "حاذري أن تصيري مثل ذلك، فسوف يكون هذا فظيعًا، عليك أن تظلي دومًا ساحرتي وطفلتي الصغيرة، كل البشر ما عداك أغراب في نظري، كأنما يفصل بيني وبينهم جدار خفي" 

*** *** ***

أظهرت الطفلة الجانب الساخر في أينشتاين في خطابه إلى ماريتش بعد مولدها مباشرة، فقد قال فيه: "من المؤكد أنها تستطيع أن تصرخ بالفعل، لكنها لن تتعلم كيف تضحك قبل زمن طويل. هنا تكمن حقيقة عميقة."

*** *** ***

ولو قدر له -بدلا من ذلك – أن يعمل في وظيفة مساعد أستاذ، لشعر بأنه مجبر على أن ينشر كتابات آمنة، وأن يلتزم أقصى درجات الحذر في تحدي الأفكار السائدة، وقد ذكر فيما بعد أن الأصالة والإبداع لم يكونا من المؤهلات الأساسية لصعود السلم الأكاديمي خاصة في البلاد الناطقة بالألمانية، وكان أينشتاين سيواجه صعوبة كبيرة في التكيف مع النزعات والأفكار التي يعتنقها أساتذته، وقد قال: "إن العمل الجامعي الذي يضطر فيه الشخص إلى كتابة أعداد هائلة من الأبحاث العلمية قد يؤدي إلى خلق سطحية فكرية."

وهكذا فإن الصدفة التي منحته كرسي مكتب براءات الاختراع السويسري بدلا من العمل في الجامعة قد شحذت فيه – على الأرجح- بعض السمات التي قدر لها أن تجعله ناجحًا؛ تشككه فيما يرد أمامه من الأوراق، واستقلاليته في الحكم التي سمحت له بتحدي المسلمات الأساسية، فلم تكن هناك ضغوط أو محفزات تدفع فاحصي براءات الاختراع إلى التصرف خلافًا لذلك. 

*** *** ***

قال أينشتين ذات مرة: "تأتي أية فكرة جديدة فجأة وبصورة بدهية نوعًا ما"، ثم أسرع وأضاف: "وما المعرفة البدهية إلا نتاج تجربة فكرية مبكرة."

*** *** ***

كان تفجر إبداع أينشتاين عام 1905 مذهلا، فقد ابتكر نظرية كم ثورية عن الضوء، وساعد في إثبات وجود الذرات، وفسر الحركة البراونية، وأحدث انقلابًا في مفهوم المكان والزمان، وتوصل إلى ما سيصبح أشهر المعادلات في العلم، لكن لم يكن يبدو أن الأمر قد لفت انتباه الكثيرين في بادئ الأمر، وتقول شقيقة أينشتاين إنه كان يأمل أن ترفعه مقالاته المنشورة في مجلة بارزة من فاحص براءات اختراع مغمور بالدرجة الثالثة، وتمنحه بعض التقدير الأكاديمي، بل ربما تمنحه عملا أكاديميًا، وتضيف شقيقته: "لكنه لم يلق إلا خيبة أمل مريرة، فقد قوبلت مقالاته بصمت مطبق."

لم يكن ذلك صحيحًا تمامًا، فسرعان ما تنبه عدد قليل من الفيزيائين المحترمين إلى أبحاث أينشتاين، وتبين أن أحد هؤلاء سيكون لحسن الحظ أكثر المعجبين بأينشتاين أهمية؛ إنه ماكس بلانك الذي يتربع على عرش الفيزياء النظرية في أوروبا...

*** *** ***

عندما كان لاو يستعد للزيارة في صيف 1907، واندهش عندما اكتشف أن أينشتاين لا يعمل في جامعة برن، لكنه يعمل موظفًا بمكتب براءات الاختراع في الطابق الثالث بمنى البريد والتلغراف، ولم يقلل من دهشته لقاؤه بأينشتاين، وقال لاو: "الشاب الذي جاء ليقابلني أثار في نفسي انطباعًا غير متوقع لدرجة أنني لم أستطع أن أتخيل أن يكون هو صاحب النظرية النسبية، لذا تركته يمضي"، 

*** *** ***

لكن هذا الاهتمام لم يجعل أينشتاين مشهورًا، ولم يوفر له أي عروض عمل، وكتب فيزيائي شاب آخر كان يسعى لزيارته: "لقد اندهشت عندما قرأت أنك تضطر للمكوث في مكتب ثماني ساعات يوميًا، إن التاريخ مليء بالنكات السخيفة." لكن أينشتاين حصل في النهاية على درجة الدكتوراه، ونال ترقية من خبير فني بالدرجة الثالثة إلى خبير فني بالدرجة الثانية بمكتب براءة الاختراع، وحصل على علاوة مقدراها ألف فرانك فأصبح راتبه السنوي أربعة آلاف وخمسمئة فرنك.

كانت طاقته في العمل مذهلة، فبالإضافة إلى عمله ستة أيام في الأسبوع بمكتب براءات الاختراع، واصل سيل أبحاثه ومقالاته، فكتب ستة أبحاث في عام 1906 وعشرة أبحاث أخرى في عام 1907، وكان يعزف في رباعي وتري مرة على الأقل كل أسبوع. وكان أبا صالحًا لابنه البالغ من العمر ثلاث سنوات، وكان يصفه بفخر ب " الوقح"، وقد كتبت ماريتشا إلى صديقتها هيلين سافيتش "إن زوجي يقضي معظم أوقات فراغه مع الصبي."

*** *** ***

في تلك السنة تقدم لوظيفة محاضر خاص في جامعة برن، وهي الدرجة الأولى في السلم الأكاديمي، وكان العمل يتطلب إلقاء محاضرات وتحصيل أجر صغير ممن يرغبون في الحضور، ولكي تصبح أستاذًا في معظم الجامعات الأوروبية، من المفيد أن تقضي مدة تدريب كهذه. أرفق أينشتاين مع طلبه سبعة عشر بحثًا نشرها، ومن بينها أبحاثه عن النسبية وكمات الضوء، وكان مطلوبًا منه أيضًا بحثًا لم ينشر يعرف برسالة التأهل، لكنه قرر عدم إزعاج نفسه بكتابة البحث، حيث كانوا يتنازلون أحيانًا عن هذا المطلب في حالة من لديهم "إنجازات أخرى بارزة."

لم يوافق على تعيينه دون كتابة رسالة بحثية جديدة إلا أستاذ واحد فقط في لجنة الكلية، وذلك "نظرًا للإنجازات العلمية الهامة للسيد أينشتاين" على حد قوله، ورفض الآخرون، ولم يتنازلوا عن شرط تقديم بحث، ومما لا يثير الدهشة أن أينشتاين اعتبر المسألة" مضحكة" فلم يكتب بحث التأهل ولم يحصل على الوظيفة. 

*** *** ***

في نهاية العديد من محاضراته المسائية، كان أينشتين يسأل [طلبته]: "من منكم سيأتي معي إلى مقهى تيراس؟ وهناك في جو غير رسمي على المقهى المطل على نهر ليمات كانوا يتجاذبون أطراف الحديث حتى وقت إغلاق المقهى. 

*** *** ***

كانت إحدى قدراته كمفكر – إن لم يكن كأب- هي قدرته على تجاهل كل ما يشتت الذهن، وكانت تلك الفئة تشمل أحيانًا أطفاله وأسرته، ويقول هانز ألبرت: "حتى أشد صراخ الأطفال صخبًا لم يكن يبدو أنه يزعج أبي، وكان يستطيع مواصلة عمله دون أن يتأثر بأي ضوضاء."

ذات يوم جاء تانر تلميذ أينشتاين لزيارته، ووجده في مكتبه يتفحص كومة من الأبحاث بعناية شديدة، وكان يكتب بيده اليمنى ويحمل إدوارد بيده اليسى، وكان هانز ألبرت يلهو بلعبه ويحاول لفت انتباهه. قال أينشتاين وهو يسلم إدوارد لتانر: "انتظر لحظة، لقد أوشكت على الانتهاء"، واستمر يخط معادلاته، ويقول تانر : "أعطاني هذا لمحة عن مدى قدرته الهائلة على التركيز."

*** *** ***

بعد سنوات أخرى، عندما سأله ابنه الأصغر إدوارد، لماذا كان على درجة من الشهرة، رد أينشتاين باستخدام صورة بسيطة لوصف فكرته العظيمة بأن الجاذبية هي انحناء نسيج الزمكان. وقال: "عندما تزحف خنفساء عمياء فوق فرع شجرة منحن، فهي لا تلاحظ أن المسار الذي قطعته منحن بالفعل، لقد كنت محظوظًا بأن لاحظت ما لم تلاحظه الخنفساء."

*** *** ***

لكن عندما وقعوا على التماس يدافع عن السياسة العسكرية لألمانيا شعر بأنه مجبر على أن يخالفهم سياسيا.

كان الالتماس الذي نشر في أكتوبر 1914 بعنوان "نداء إلى العالم المتحضر" وأصبح يعرف ببيان ال93 نسبة لعدد من وقع عليه من المفكرين، وقد أنكر البيان أن الجيش الألماني ارتكب أي هجوم على المدنيين، ومضى يعلن أن الحرب كانت ضرورية، وأكد: "لولا السياسة العسكرية الألمانية لانمحت الثقافة الألمانية من على وجه الأرض، وسوف نشن هذه الحرب حتى النهاية كأمة متحضرة، أمة تقدس إرث جوتة وبيتهوفن وكانط، كما تقدس البيت والوطن."
 ...
اشترك نيكولاي مع أينشتاين في كتابة رد مناهض للعنف، وكان بيانهما الذي أصدراه تحت عنوان: "بيان للأوربيين" يدعو إلى ثقافة تسمو على القومية وتهاجم من كتبوا البيان الأصلي، ومما جاء فيه: "لقد تحدثوا بروح عدائية، فالعواطف الوطنية لا يمكن أن تبرر هذا الموقف الذي لا يستحق أن يندرج حتى الآن ضمن ما يسميه العالم حضارة."

*** *** ***

كان من أبرز الداعين للسلام خلال الحرب الكاتب الفرنسي رومان رولاند الذي حاول تعزيز العلاقة بين بلده وألمانيا، وزاره أينشتاين في سبتمبر 1915. بالقرب من بحيرة جينيف، وكتب رولاندو في مذكراته اليومية أن أينشتاين يتحدث الفرنسية بصعوبة أعطى طابعًا مضحكًا لمعظم الموضوعات الجادة."

وأثناء جلوسهما في شرفة أحد الفنادق بين أسراب النحل التي تهب الأزهار الكرم، تهكم أينشتاين على اجتماعات هيئة التدريس في برلين التي يتحدث فيها كل واحد من الأساتذة في موضوع: "لماذا يكرهنا العالم، نحن الألمان؟" "وبعد ذلك يبتعد عن الحقيقة بحذر"

*** *** *** 

وفكرة أن الحرب لها أساس بيولوجي في العدائية الذكورية كان موضوعًا تعرض له أينشتاين أيضًا في خطاب إلى صديق في زيورخ هو هنريخ زانجر، تساءل أينشتاين: "ما الذي يدفع الناس إلى قتل وتشويه بعضهم بعضًا بهذه الوحشية؟ أعتقد أنها الطبيعة الجنسية في الذكر التي تؤدي إلى تلك الثورات الشرسة."

*** *** ***

قال أينشتاين لزانجر: "مع الشهرة أزداد غباء وهي بطبيعة الحال ظاهرة شائعة جدًا"

*** *** ***

والآن جاءت نظرة للكون، تعرف بالنسبية يعتمد فيها الزمان والمكان على الراصد، وهذا الرفض الظاهري للحقائق، ورفض الإيمان المطلق، بدا نوعًا من الهرطقة لبعض الناس، وربما نوعًا من الإلحاد. وكتب المؤرخ بول جونسون في كتابه الذي يعرض تاريخًا شاملا للقرن العشرين: "وكانت النظرية سكينًا ساعد على فصل المجتمع عن قيود التقليديه."

وبدا أن فظائع الحرب العالمية، وانهيار الأنظمة الاجتماعية، وظهور النسبية وتقويضها الظاهري للفيزياء الكلاسيكية؛ تتحد جميعًا لتبذر بذور الشك. قال تشارلز بور الفلكي بجامعة كولومبيا لصحيفة نيويورك تايمز بعد توكيد نظرية أينشتاين: "يعاني العالم منذ بضع سنوات حالة من الاضطراب، مثل الحرب والاضطرابات والثورات البلشفية؛ هي في الحقيقة أعراض لاضطراب أعمق يعم العالم كله. وروح الاضطراب هذه قد غزت العلم."

وبصورة غير مباشرة، وبسبب أخطاء شائعة في فهم أينشتاين بدلا من الإخلاص له ارتبطت النسبية بنسبوية جديدة في الأخلاق والفن والسياسة، فقد قل الإيمان بالمطلقات، ليس فقط بالزمان والمكان بل بالحقيقة والأخلاق أيضًا. وفي ديسمبر عام 1919، في مقالة افتتاحية عن نظرية أينشتاين للنسبية بعنوان: "الهجوم على المطلق" ذكرت صحيفة نيويورك تايمز بصورة تنم على القلق: "لقد هدمت جميع أسس الفكر الإنساني."

لقد كان أينشتاين سيرتاع، وقد ارتاع فيما بعد، من الربط بين النسبية والنسبوية، وكما أشرنا فقد فكر في تسمية نظريته "عدم التغايير" لأن القوانين الفيزيائية للزمكان المتحد وفقًا لنظريته كانت بالفعل عديمة التغاير وليست نسبية. 

علاوة على ذلك لم يكن أينشتاين نسبويًا في أخلاقه الخاصة أو حتى في ذوقه، وقد قال الفيلسوف أيزيا برلين فيما بعد معبرًا عن حزنه: "لقد أسيء تفسير النسبية كثيرًا على أنها تعني النسبوية؛ أي إنكار موضوعية الحقيقة والقيم الأخلاقية أو الشك فيها. كان ذلك عكس ما اعتقده أينشتاين، فقد كان رجلا ذا عقائد أخلاقية مطلقة وبسيطة، وهو ما كان واضحًا في شخصيته وأفعاله."

*** *** ***

أجلس هالدين الأسقف بجوار أينشتاين حتى يتمكن من طرح سؤاله الملح مباشرة من المصدر، فسأله الأسقف عن آثار النظرية النسبية على الدين.

ربما جاءت الإجابة محبطة للأسقف ومضيفه، إذ أجاب أينشتاين: "لاشيء، النسبية مسألة علمية بحتة وليس لها علاقة بالدين."

كان هذا بلا شك حقيقيًا ومع ذلك فقد كانت هناك علاقة أكثر تعقيدًا بين نظريات أينشتاين، وبين المزيج المخيف من الأفكار والعواطف في بداية القرن العشرين التي خرجت من مرجل الحداصة المشحون، وفي روايته Balthazar أعلن لورنس داريل على لسان بطل روايته: "أن مبدأ النسبية مسؤول مسؤولية مباشرة عن التصوير التجريدي، والموسيقى اللامقامية، والأدب العبثي."

لم تكن نظرية النسبية بطبيعة الحال مسؤولة مسؤولية مباشرة عن أي من هذا، بل كانت علاقتها بالحداثة علاقة متشابكة على نحو غامض، وهناك لحظات تاريخية يسبب فيها اجتماع عدد من العوامل تغييرًا في وجهة النظر الإنسانية، وحدث هذا في الفن والفلسفة والعلم في مطلع عصر النهضة، ومرة أخرى مع بداية عصر التنوير. والآن في بداية القرن العشرين ولدت الحداثة من تحطم القيود والثوابت القديمة، وحدثت ثورة تضمنت أعمال أينشتاين وبيكاسو وماتيس وسترافينسكي وشوينبرج وجويس وإليوت وبروست وديجيليف وفرويد وعشرات غيرهم ممن حولوا مسار التاريخ، وحطموا قيود الفكر التقليدي.

وفي كتاب Einstein, Picasso: Space, Time And The Beauty That Causes Havoc بحث مؤرخ العلم والفلسفة آرثر ميلر الينابيع المشتركة التي أنتجت على سبيل المثال النظرية الخاصة للنسبية عام 1905، ورائعة الحداثة لبيكاسو عام 1907 les demoiselles d'avignonK ولاحظ ميلر أن كليهما رجل ذو سحر خاص، "يفضل مع ذلك العزلة العاطفية"، وقد أحس كل منهما بطريقته أن هناك خطأ ما في القيود التي تحد مجاله، وكلاهما كان مفتونًا بمناقشة التزامن والمكان والزمان، وبالتحديد كتابات بوانكاريه. 

كان أينشتاين مصدر إلهام للعديد من الفنانين والمفكرين المحدثين، حتى من لم يفهمه منهم، وكان هذا حقيقيًا على وجه الخصوص عندما وصف الفنانون هذه المفاهيم بأنها لا "تخضع لسلطة الزمن"، كما قال بروست في ختام كتابه Remembrance of Things Past. وكتب مارسيل بروست إلى صديق فيزيائي عام 1921: "كم أحب أن أحدثك عن أينشتاين؛ أنا لا أفهم كلمة واحدة من نظرياته، ولا أعرف الجبر، وعلى الرغم من ذلك يبدو أن لدينا طرقًا متشابهة في تشويه الزمن."

وجاءت ذروة الحداثة عام 1922، وهي السنة التي أعلن فيها عن جائزة نوبل لأينشتاين، فقد نشرت رواية Ulysses لجيمس جويس في تلك السنة ، وكذلك قصيدة الأرض الخراب The Waste Land لتي إس إليوت، وكانت هناك حفلة عشاء في منتصف الليل في شهر مايو في فندق ماجستيك بباريس لافتتاحية رينارد التي ألفها سترافينسكي وعزفها الباليه الروسي لديجيليف، وحضر الحفل سترافينسكي ودياجيليف وبيكاسو، وكان بين الحضور جويس وبروست اللذين كانا "يحطمان الثوابت الأدبية في القرن التاسع عشر مثلما كان أينشتاين يحدث ثورة في الفيزياء. والنظام الميكانيكي وقوانين نيوتن التي رسمت حدود الفيزياء الكلاسيكية والموسيقى والفن لم يعد لها وجود.

وأيًا كانت أسباب النسبوية والحداثة الجديدة، فإن تحرير العالم من أغلال التقليدية سرعان ما سيؤدي إلى بعض الانعكاسات وردود الأفعال المخيفة، ولم يكن هذا المناخ مزعجًا في أي مكان بقدر ما كان مزعجًا في ألمانيا في عشرينيات القرن العشرين.

*** *** ***

وكانت له [أينشتاين] علاقة أيضًا بإحدى السيدات البارزات في برلين اسمها إيثيل ميكانوفيسكي وقد ذهبت معه ذات مرة في إحدى سفراته إلى أكسفورد في مايو 1931، وقد أقامت على ما يبدو في أحد الفنادق المحلية …

وعندما اكتشفت إلسا [زوجة أينشتاين وقتها] أن ميكانوفيسكي زارت أينشتاين في أكسفورد غضبت بشدة وصبت جام غضبها على ميكانوفيسكي خاصة لأنها لم تخبرها بالمكان الحقيقي التي كانت ستسافر إليه. وكتب أينشتاين إلى إلسا يطالبها بالتزام الهدوء، وقال لها: "إن جزعك من السيدة ميكانوفيسكي لا مبرر له البتة لأن تصرفاتها جاءت متفقة مع الفضائل الأخلاقية اليهودية المسيحية، وإليك الأدلة: (1) ما يستمتع به المرء ولا يؤذي الآخرين ينبغي أن يفعله. (2) ما لا يستمتع به المرء ولا يسهم إلا في إغضاب الآخرين يجب ألا يفعله. وهي قد جاءت معي في إطار رقم 1، وبسبب رقم 2 لم تخبرك أي شيء عن أمرنا. أليس هذا سلوكًا قويمًا"

*** *** ***
أينشتاين وشارلي شابلن



أينشتاين وشابلن يصلان معًا يرتديان رابطة عنق سوداء، وإلسا باسمة الوجهة، لحضور العرض السينيمائي الأول لفيلم City lights . وعندما استقبلتهم الجماهير بالهتاف وهم في طريقهم للمسرح، قال شابلن لأينشتاين قولته الدقيقة التي لا تنسى: "إنهم يهتفون لي لأنهم جميعًا يفهمونني، ويهتفون لك لأنه لا أحد فيهم يفهمك."

*** *** ***

حاول أينشتاين التعبير عن هذه المشاعر بوضوح سواء لنفسه أو لمن يرغبون في إجابة بسيطة منه عن طبيعة إيمانه، لذا وفي صيف عام 1930 ووسط رحلات إبحاره بقاربه الشراعي وتأملاته في كابوث، كتب عن العقيدة التي يعتنقها وأطلق على ما كتبه اسم "ما أؤمن به" الذي أنهاه بتقديم تفسير لما قصده عندما وصف نفسه بالشخص المتدين، فقال: 

 "إن الغموض هو أجمل عاطفة يمكن أن تشعر بها، وأي إنسان يستغرب هذه العاطفة أو لم يعد يتعجب ويقف منتشيًا في رهبة هو كالميت أو كالشمعة التي انطفأ لهيبها. والتدين هو الشعور بأنه يوجد شيء يمكن الشعور به شيء لا تستطيع عقولنا استيعابه ولا يصلنا جماله وسناؤه ورفعته إلا بشكل غير مباشر. وبهذا المعنى، وبهذا المعنى فقط فأنا رجل متدين ورع."

*** *** ***

أرسل له أحد المصرفيين في كلورادو خطابًا إلى أينشتاين يخبره فيها أن أربعة وعشرين ممن فازوا بجائزة نوبل قد أرسلوا له إجابتهم عن هذا السؤال: [هل يؤمن بالله؟] وطلب من أينشتاين أن يحذو حذوهم ويجيبه هو الآخر عن سؤاله، رد أينشتاين عليه برسالة قال فيها: "لا أتصور إلهًا شخصيًا يؤثر بصورة مباشرة على تصرفات الأفراد، أو يصدر أحكامًا على مخلوقات من صنعه، إن تديني ينبع من إعجاب متواضع بالروح الهائلة في عظمتها التي تكشف عن نفسها في الأمور القليلة التي يمكن فهمها عن العالم المادي، وتتشكل فكرتي عن الله من هذا الاقتناع العاطفي العميق بوجود قوة مدبرة عظمى تظهر في العالم اللانهائي."

*** *** ***

يقول وليام هنري أوكونيل رئيس أساقفة مطرانية بوسطن: "يساورني شعور هائل بالشك في أن أينشتاين نفسه يعرف بشكل حقيقي ما يقصده بكلامه." ويضيف إن هناك شيئًا واحدًا لا لبس فيه وهو أنه ملحد. ثم يستطرد قائلا: "يؤدي هذا الشك والتأمل المشوش حول الزمان والمكان إلى خلق عباءة يختفي تحتها شبح الإلحاد المفزع."

وهذا الانتقاد العلني اللاذع لأينشتاين من جانب رئيس الأساقفة شجع الحاخام هربرت إس جولدشتاين- الزعيم اليهودي الأرثوذكسي الشهير في نيويورك – لأن يرسل إليه برقية على الفور قال فيها: "هل تؤمن بالله؟ توقف. الإجابة المسموح بها 50 كلمة." رد أينشتاين مستخدمًا نحو نصف عدد الكلمات المسموح به، وأصبحت إجابته هذه هي أشهر إجاباته التي كان كثيرًا ما يستخدمها في الإجابة عن السؤال، قال أينشتاين: "أنا أؤمن بإله اسبينوزا الذي يعبر عن نفسه من خلال التآلف المنظم لكل الموجودات، على أنني لا أؤمن بإله يهتم بمصائر وأفعال البشر."

لم ترض إجابة أينشتاين الجميع؛ فبعض اليهود المتدينين - على سبيل المثال – ذكروا أن اسبينوزا كان مرفوضًا وملعونًا من المجتمع اليهودي في أمستردام لاعتناقه مثل هذه المعتقدات، وأدانته الكنيسة الكاثوليكية. وقال أحد حاخامات حي برونكس في نيويورك: "كان من الأفضل لأوكونيل رئيس الأساقفة ألا يهاجم نظرية أينشتاين، وكان من الأمثل لأينشتاين ألا يجاهر بالإعلان عن عدم إيمانه بإله يهتم بمصائر وأفعال البشر؛ فكلاهما تفوه بأقوال تخرج عن اختصاصهما."

على أن معظم الناس قد اقتنعوا بإجابة أينشتاين سواء اتفقوا معه في الرأي اتفاقًا تامًا أم لا، ويرجع ذلك إلى أنهم قدروا ما قاله حق قدره؛ إذ إن فكرة وجود إله مجرد يظهر صنع يديه في عظمة الخلق لكنه لا يتدخل في الشؤون الحياتية اليومية للمخلوقات هي جزء من العقائد والأفكار التي تحظى بالاحترام في أوروبا وأمريكا، وتوجد هذه الفكرة واضحة في أعمال بعض فلاسفة أينشتاين المفضلين، وهي فكرة تتفق بصفة عامة مع المعتقدات الدينية للعديد من الآباء المؤسسين لأمريكا مثل جيفرسون وفرانكلين.

*** *** ***

وقال عنه أينشتاين: "الكلب في غاية الذكاء، وهو يشعر بالشفقة تجاهي لأنني أتلقى الكثير من رسائل البريد، وهذا هو السبب في أنه يحاول عض ساعي البريد."

*** *** *** 

ذات يوم اتصل شخص بالمعهد وطلب التحدث إلى أحد العمداء بالذات، ولما قال له السكرتير إن العميد مشغول، سأله المتحدث مترددًا عن عنوان منزل أينشتاين، أجابه السكرتير أنه من المستحيل أن يقول له العنوان. وهنا انخفض صوت المتحدث وتحول إلى همس وقال: "إنني أنا أينشتاين، وأنا أريد الذهاب إلى المنزل لكنني نسيت العنوان."

*** *** ***

وفي نهاية أربيعينيات القرن العشرين عندما اتضح له أن جهد التحكم في صنع الأسلحة الذرية سوف يكون مصيره الفشل، سُئل أينشتاين كيف سيكون شكل الحرب القادمة؟ فأجاب بقوله: "لا أعلم نوع الأسلحة التي سوف تستخدم في الحرب العالمية الثالثة، لكنني أستطيع أن أخبرك عن نوع السلاح الذي سوف يستخدم في الحرب العالمية الرابعة: إنه الصخور."

*** *** *** 

كان أينشتاين يستمتع بالحديث مع مجموعة صغيرة من طلاب ويلر، وعندما يتحول الحديث إلى ميكانيكا الكم يحاول مرة أخرى إيجاد ثغرة في فكرة أن ملاحظتنا يمكن أن تؤثر في الحقائق، وسألهم ذات مرة: "ترى هل ستتغير حالة الكون إذا كان الراصد فأرًا؟"

 

مقاطع من كتاب:

أينشتين حياته وعالمه
تأليف: والتر إيزاكسون
ترجمة: هاشم أحمد محمد
مراجعة: مجدي عبد الواحد عنبة، سامح رفعت مهران
______________

اقرأ أيضًا: ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

تعليقات

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

النسبية الثقافية ؟

قصائد من لوركا

Mr. Nobody