28 أبريل، 2017

هل العالم حقيقي، أم أنه مجرد وهم أو هلوسة؟

  • تجاهلت في هذه الترجمة بعض الهوامش التي أحسست أنها تكرر معلومات موجودة داخل المتن، تجاهلت كذلك مداخلة ريتش أوجلسبي لأني أحسست أن حديثه لم يتضمن فعليًا إجابة على السؤال المطروح. 
  • سيشير المقال في أكثر من مقطع إلى الفارق بين الهلوسة والوهم. الفارق الأساسي هو أن الهلوسة بحكم التعريف تعني أن الإنسان الواقع تحت تأثير الهلوسة لا يعلم أن ما يراه غير حقيقي. وهو المعنى الذي يذكره كارل فيرستون في بداية حديثه. 
  • تحرير المادة الأصلية لم يخلُ من مشاكل في الصياغة في بعض المقاطع. 
  • المادة الأصلية نشرت في أكتوبر 2015 في موقع: hopes & fears. 

(المترجم)


مارينا غالبيرينا 
ترجمة: أحمد ع. الحضري 

هل العالم حقيقي؟ كيف نتأكد أننا لسنا فقط نلهوس كل هذا؟ ماذا لو أننا موصولون داخل آلة تخلق محاكاة افتراضية للواقع مثل تلك الموجودة في فيلم ماتركس؟ أليس العالم هو هولوجرام ضخم على أي حال؟ هل الواقع حقيقي بالفعل؟ ما هو الواقع؟ 

سألنا نخبة من علماء الأعصاب، والفيزيائيين، وعلماء النفس، والمنظرين التقنيين، والباحثين في العقاقير المهلوسة لو أننا نستطيع أن نعرف إن كان "الواقع" الذي نعايشه هو "حقيقي" أم لا. لا تقلق، ستكون بخير. 

جيسيكا ل. نيلسون، دكتوراة (Jessica L. Nielson, Ph.D.)
(قسم علم الأعصاب، باحثة ما بعد الدكتوراه، جامعة كاليفورنيا - سان فرانسيسكو (UCSF)، مركز إصابات المخ والعمود الفقري.)
ما هو مقياسنا لتحديد ما الحقيقي؟ ربما يختلف هذا بالنسبة لكل شخص. قد يحاول المرء اللجوء إلى حالة الإجماع التي يتفق فيها أغلب الناس على ما هو حقيقي وما هو هلوسة؛ لكن بالنظر إلى الأدبيات العلمية مؤخرًا فإنه عند عمل مسح باستخدام تقنيات التصوير[الإشعاعيٍ] على أفراد في حالة هلوسة ناتجة عن تناول منشطات، يبدو أن العقل يكون في حالة توصيلية فائقة، وربما تسمح هذه الحالة فقط باستقبال قدر أكبر من الطيف المدرك للواقع.

فيما يتعلق بحالات الذهان، أمور مثل الهلاوس السمعية يمكن أن تبدو حقيقية للغاية. بشكلٍ أساسي، خبراتنا هي تأويل لمجموعة من الإشارات الكهربائية في عقولنا. نفعل أفضل ما بوسعنا من أجل تكثيف كل هذه الإشارات لتصبح ما ندركه باعتباره العالم من حولنا (وداخلنا)، لكن من يستطيع أن يجزم أن الهلاوس السمعية التي يختبرها المصابون بالفصام، أو المناظر البصرية المبهرة التي تتم رؤيتها عند تعاطي المنشطات ليست نوعًا ما من التسريب بين أشكال الواقع المختلفة؟ لا أعتقد أنه يوجد بيانات كافية تؤكد أو تنفي إن كان ما يختبره هؤلاء الأشخاص "حقيقي" أم لا.


شون كارول (Sean Carroll)
(أستاذ الفلك والفيزياء، متخصص في المادة المظلمة والنسبية العامة، أستاذ باحث في قسم الفيزياء في معهد كاليفورنيا للتقنية.)
كيف نعرف إن كانت هذه حياة حقيقية؟ باختصار: نحن لا نعرف. لا يمكننا على الإطلاق إثبات أننا جميعًا لسنا نهلوس، أو ببساطة نعيش في نظام محاكاة حاسوبي. لكن هذا لا يعني أننا نعتقد أننا كذلك بالفعل. 

هناك وجهين لهذا السؤال. الأول هو: "كيف نعرف أن الأشياء التي نراها من حولنا هي الأشياء الحقيقية التي تكوِّن العالم؟" هذا هو ما يقلق بخصوص مبدأ الهولوجرام، على سبيل المثال ربما يكون الفضاء ثلاثي الأبعاد الذي يبدو أننا نعيش فيه هو فعليًا إسقاط من حقيقة أكثر أساسية (underlying) ثنائية الأبعاد. 
  

الإجابة على هذا السؤال هو أن العالم الذي نراه بحواسنا ليس هو بكل تأكيد هو العالم "الجوهري" (fundamental) أيا كان معنى هذا. في ميكانيكا الكم، على سبيل المثال، نصف العالم مستخدمين خواص الموجة، لا الأجسام والقوى والزمكان. العالم الذي نراه ينبثق عن شكل أكثر أساسية قد يبدو مختلفًا بشكل تام. 

الأخبار الجيدة هي: هذا حسن. لا يعني هذا أن العالم الذي نراه هو "وهم"، ليس أكثر من الطريقة التي يصير بها الهواء وهمًا حين ندرك لأول مرة أنه مصنوع من ذرات وجزيئيات. فقط لأن هناك واقع أكثر أساسية لا يمنع هذا الواقع الحاضر من أن يكون حقيقيًا. بهذا المفهوم، لا يهم إن كان العالم، على سبيل المثال، هو هولوجرام؛ عالمنا الواضح ما زال حقيقيًا بنفس الدرجة. 

الوجه الآخر هو: " كيف نعلم أننا لسنا مخدوعين بالكامل؟" بكلمات أخرى، متناسين إن كان هناك مستوى أعمق من الواقع، كيف نعلم إن كان العالم الذي نراه يمثل الحقيقة أصلًا؟ كيف نعلم على سبيل المثال، أن ذكرياتنا لما حدث في الماضي دقيقة؟ ربما نحن عقول تعيش في أوعية ضخمة، أو أن العالم كله تم خلقه يوم الثلاثاء الماضي.

لا يمكننا أن نستبعد مثل هذه السيناريوهات معتمدين على العلم التجريبي. هذه الأمور ممكن تصور أنها صحيحة! لكن ماذا بعد؟ تصديقها لن يساعدنا على فهم أي خصائص لكوننا، ويضعنا في موقف لا نملك فيه حق الاستناد إلى أي شيء اعتقدنا أنه صحيح. ليس هناك -باختصار- أي دليل فعلي على أي من هذه السيناريوهات المفرطة في الشك. في هذه الحالة، ليس هناك منطق كاف في القلق بشأنها. 

الفعل الذكي هنا هو أن نأخذ الواقع باعتباره حقيقيًا بشكلٍ أساسي، وأن نعمل جاهدين على تطوير أفضل النظريات التي نستطيع جمعها لوصفه.

فريدريك باريت (Fredrick Barrett)
(أستاذ الطب النفسي والعلوم السلوكية، وحدة أبحاث العقاقير السلوكية، كلية الطب بجامعة جون هوبكنز.)
مع المنشطات أو مهلوسات (serotonergic) الكلاسيكية، يستطيع الأفراد عادة التفريق بين الاضطرابات الإدراكية، والخبرات البصرية (شعرت كما لو كنت في مكانٍ آخر، أو لقد سافرت إلى زمنٍ آخر، لكني أدركت أن جسدي المادي كان ما زال "هنا") وما  يحدث في "الخارج" في العالم "الواقعي". مع هذا، في حالات الذهان (على سبيل المثال: خلال نوبة ذهان يمر بها شخص مصاب بالفصام)، يتم تحديد الهلوسات بشكلٍ واضح باعتبارها أمرًا يصدق الفرد أنها حقيقية، ومستمرة، ومستقلة في العالم. 

يتم قبول "الهلاوس" في حالة الفصام أو الذهان باعتبارها حقيقة، والأفراد المصابون بالفصام لا يدركون عادة حقيقة أن هلاوسهم "غير حقيقية" لبقيتنا. يبرز هذا شكلًا من أشكال التسمية الخاطئة فيما يخص "المهلوسات" ( "hallucinogens")، من حيث أن الخبرة الناتجة عن هذه المكونات لا يتم التعامل معها باعتبارها واقعًا مجمعًا عليه بنفس الطريقة التي يتم التعامل بها مع الهلاوس الذهانية باعتبارها "حقيقة". 

كيف ولماذا نستطيع التعرُّف على الفارق بين الحقيقة والخبرة المدركة خلال الآثار الشديدة للمنشطات؟ لستُ متأكدًا أن العلم قد أجاب هذا السؤال بشكلٍ حاسم ... لكني أظن أن الأمر قد يتعلق بالقدرة على إدراك أننا قد تعاطينا مادة يمكن أن يكون لها هذه التأثيرات. وقد يتعلق كذلك بالأثر سريع الزوال لعديد من الاضرابات الإدراكية، والتصورات التي تحدث مع المهلوسات (hallucinogens). ربما لو أن الأثر الذاتي للمهلوسات عمل بطريقة أكثر شبهًا بالإدراكات اليومية المعتادة (أي: لو لم تكن بهذا القدر من الغرائبية) أو لو أنها كانت أكثر ثباتًا أو استمرارًا (أي: لو أنها لم تتغير، وتلتوي، وتتحول بهذا القدر) كانت ستبدو حقيقية بدرجة أكبر بالنسبة للفرد الذي يعاينها. 

جورج موسر (الأصغر) George Musser Jr
(محرر مشارك في مجلة Scientific American، حاصل على منحة نايت للصحافة العلمية ( Knight Science Journalism Fellow) من معهد MIT في عام 2014-2015، مؤلف كتاب "دليل الحمقى إلى نظرية الأوتار، وكتاب: تأثيرٌ شبحيٌ عن بعد: الظاهرة التي تعيد تخيل المكان والزمان، وما الذي يعنيه هذا بخصوص الثقوب السوداء، ونظرية الانفجار العظيم، ونظريات كل شيء)
المبدأ الهولوغرامي لا يعني أن الكون غير حقيقي. هو يعني فقط أن الكون من حولنا، الموجود في حدود الزمكان، مبني من مواد بناء أكثر أساسية. يتم التعامل مع كلمة "حقيقي" أحيانًا بمعنى "أساسي" ( "fundamental")، لكن هذا فهم ضيق للغاية للمصطلح. الحياة ليست أساسية، بما أن الكائنات الحية مصنوعة من جزيئات، لكن هذا لا يجعلها حقيقية بدرجة أقل. إنها ظاهرة تحدث في مستوى أعلى. كذلك الزمكان، لو أن المبدأ الهولوغرافي صحيح. أتحدث عن المبدأ الهولوغرافي بشكلٍ مفصل في كتابي، وأناقش التمييز بين الظواهر الأساسية، وظواهر المستوى الأعلى في تدوينة حديثة

أقرب ما نكون في العلم إلى "الحقيقي" أو "الموضوعي" هو الاتفاق ما بين الذاتي (intersubjective). في حال اتفق عدد كبير من الناس على أن شيئًا ما هو حقيقي، يمكن أن نفترض أنه كذلك. في الفيزياء، نقول أن أمرًا ما هو سمة موضوعية للطبيعة لو أن كل الملاحظين اتفقوا عليه، بكلمات أخرى: لو أن هذا الأمر لا يعتمد على تسمياتنا التعسفية أو على أهوائنا المرتبطة بنقطة تفضيل ما ("متحررًا من الأطرِ" أو "ذا قياسٍ ثابت"، في اللغة الاصطلاحية). على سبيل المثال، ليس لي أن أقول أن لمطبخي جهة يمنى وجهة يسرى، بما أن التسميات "يسرى" و "يمنى" تعتمد على نقطة مراقبة؛ هي كلمات تصفني أكثر مما تصف مطبخي. هذا الشكل من الاستدلال هو قلب النظرية النسبية لأينشتاين، والنظريات التي ألهمتها. 

هل يمكن أن ننخدع؟ بالطبع. لكن هناك حجة عملية لصالح الاستناد إلى الاتفاق ما بين الذاتي كأساس للحقيقة. حتى لو أن الجميع مخدوعون، سنظل في حاجة إلى شرح انطباعاتنا. الوهم، في النهاية، هو حقيقي بالكامل؛ تأويل الوهم هو الذي يمكن أن يضللنا. لو أنني رأيت رقعة زرقاء ملساء في الصحراء، قد أسيء تأويل البقعة الزرقاء باعتبارها واحة، لكن هذا لا يعني أن انطباعي ليس حقيقيًا. أنا أرى أمرًا حقيقيًا: ليس واحة، لكن صورة منكسرة للسماء. لذا، حتى لو كنا كلنا مجرد إسقاطات لمحاكاة حاسوبية، مثل الماتركس، المحاكاة في حد ذاتها ذات بنية تعطيها شكلًا من أشكال الحقيقة، وهي واقعنا، الواقع الذي نحتاج إلى أن نغدو قادرين على الإبحار فيه. (الفيلسوف روبرت نوزيك كان له حجة مشهورة تنحو نحو هذا)

كارل فيرستون (Karl Friston)
(معهد علم الأعصاب، كلية لندن الجامعية، باحث رئيسي والمدير العلمي لمركز ويلكم، وزميل الجمعية الملكية.)
أولًا أنتِ تطرحين سؤالًا مثيرًا للغاية يتعلق بالكيفية التي سنعلم بها إذا ما كنا نهلوس. بالمعنى الدقيق للكلمة، لا يملك الشخص أبدًا استبصارًا داخل هلوسة حقيقية، لو حدث هذا، سيتم الإحالة لها باعتبارها هلوسة كاذبة (pseudo-hallucinations)، وهي ليست منفصلة عن الأوهام (illusions). الطريقة التي نفرق بها أساسًا بين الأوهام والهلاوس هي آسرة في حد ذاتها. هذا لأنها تفترض أننا نستطيعُ أن نبين مدى مصداقية تمثلاتنا ( representations). ترتبط هذه الفكرة بقضايا فلسفية عميقة متنوعة؛ على سبيل المثال الإغلاق المعرفي الذاتي (auto epistemic closure) (بالمعنى الذي صاغه توماس ميتزينجر (Thomas Metzinger)، ما وراء المعرفة (metacognition)، الوعي الذاتي (self-awareness)، الحلم الصافي (lucid dreaming) وغيرها. 

حقيقة أننا قادرون على استنتاج أن إدراكات حسية ما خاطئة تبين وجود بنية هرمية للعقل وللإدراك؛ حيث لا نملك فقط إدراكات حسية بل استنتاجات تتعلق بهذه الاستنتاجات (قارن مع مصطلح: ما وراء المعرفة (metacognition)). المعاني المتضمنة في فكرة الوعي الذاتي واضحة. لهذا فُتن أناس مثل ألان هوبسون ( Allan Hobson) بالأحلام الصافية. فهي تمدنا بحالة بديعة تصلح للاختبار السريري تمكننا من مقارنة المواقف التي يتم فيها تمثل حقيقة الحلم باعتبارها حقيقة، مع تلك المواقف التي يدرك فيها الشخص حقيقة أنه حلم. من وجه نظر علم الأعصاب، يبدو أن هذا يعتمد على نشاط الفص الجبهي، وهو ما يشير -مرة أخرى- إلى طبيعة شجرية لهذا العضو الرائع. (أي: العقل الذي ينتج خيالات تتم مقارنتها مع الواقع). 

الفكرة التي تطرح عادة بخصوص كون الإدراك هو فقط هلاوس تعتمد على الأحاسيس، يتم إضعافها بشكلٍ ما بحقيقة أننا نستطيع، في حالات معينة، أن ندرك أن إدراكاتنا الحسية خاطئة. 

براد بيرج (Brad Burge)
مدير الاتصالات والتسويق بمنظمة MAPS، (الجمعية متعددة التخصصات لدراسات المنشطات (Multidisciplinary Association for Psychedelic Studies)
ليست هذه أسئلة علمية في حد ذاتها، مع أن التفكير فيها آسر وقيم. أظن أن الأمر سيتوقف في النهاية على تعريفاتنا لكلٍ من الهلوسة" و"الحقيقة": لأي مدى تكون أي تجربة نعايشها حقيقية فعلًا؟ قد يكون هذا واحدًا من الأمور الأساسية التي تعلمنا إياها الهلاوس، سواء كانت ناتجة عن تعاطي عقاقير، أو عن حالات عصبية، أو عن التأمل المكثف: أن تثق في خبرتك الخاصة، بينما تتذكر أن تجربتنا هي دائمًا خاصة بنا نحن. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أفيدوني بانتقاداتكم وإطراءاتكم، أسعد بجميع الآراء