موهبة السياسة .. 2


 ترجمة: مصطفى ماهر
لوحة  للفنان الأمريكي نورمان روكويل
Norman Rockwell

 اقرأ أولا: موهبة السياسة .. 1


هناك حقيقة كاملة ومبدأ أساسي لكل تاريخ - لا ندخل هنا تعليله وتسبيبه- يقول إن النتيجة النهائية للعمل السياسي في كثير من الأحيان - لا في جميع الأحيان وبصفة منتظمة- لا تتناسب مطلقًا، بل تتعارض تمامًا، مع الهدف الأصلي له، ولكن هذا لا يعني أنه ينبغي الانصراف عن هذا الهدف: "خدمة القضية" مهما انطوى العمل على مضمون مخالف. أما الشكل الذي ينبغي أن تتخذه القضية التي يخدمها السياسي ويسعى في خدمتها إلى السلطة، فأمر  يحكمه الإيمان؛ فمن الممكن أن يخدم السياسي أهدافًا قومية، أو إنسانية، أو اجتماعية، أو أخلاقية، أو ثقافية، أو عالمية، أو دينية، ومن الممكن أن يكون مدفوعًا بإيمان قوي بالتقدم - التقدم بأي معنى من معانيه - ومن الممكن أن يكون رافضًا لكل لون من ألوان الإيمان، ومن الممكن أن يكون ساعيًا إلى العمل على خدمة فكرة ما، أو أن يكون راغبًا في خدمة أهداف ظاهرية من أهداف الحياة اليومية عن رفضٍ مبدئيٍ لخدمة الأفكار والمثل - ولكنه ينبغي أن يكون آخذا نفسه بإيمانٍ ما. وإن لم يكن هذا الإيمان متوافرًا، فإن لعنة العدمية تحل -وهو أمرٌ صحيحٌ تمامًا- على النتائج السياسية، حتى تلك التي تبدو في ظاهرها فائقة القوة.

....
هذه هي النقطة الحاسمة. وينبغي علينا أن نفهم بوضوح أن كل أمر يتجه وجهة أخلاقية يمكن أن يخضع لمبدأين مختلفين متباينين، فإما أن يخضع لتوجيه أخلاقي قوامه العقيدة، وإما أن يخضع لتقويم أخلاقي قوامه المسؤولية. وليس معنى ذلك أن أخلاقية العقيدة تساوي اللامسؤولية، ولا أن أخلاقية المسؤولية تساوي اللاعقيدة. فهذا أمرٌ لم نقصده بحالٍ من الأحوال. إنما نريد أن نقول إن هناك اختلافًا بعيدًا بين نوعين من التصرف: التصرف حسب أخلاقيات العقيدة - بالمعنى الديني: حيث يصنع المسيحي المتدين الخير ويُرجع النجاح إلى الرب - والتصرف حسب أخلاقيات المسؤولية حيث يتحمل الإنسان مسؤولية النتائج التي يتوقع أنها ستنجم عن عمله. وقد يبذل الإنسان جهدًا جهيدًا مع أحد النقابيين المقتنعين بأخلاقيات العقيدة ليقنعه أن عمله سيؤدي إلى زيادة فرص الرجعية، وزيادة الظلم الواقع على طبقته، وعرقلة ازدهارها، فلا يصل إلى نتيجة، لأنه يعتقد أن النتائج التي تنجم عن عقيدة نقية إذا ساءت، فليس المسؤول عن سوئها هو المتسبب فيها، إنما الدنيا هي المسؤولة، أو غباء الآخرين، أو إرادة الرب الذي خلقهم. أما السياسي الآخذ بمبدأ المسؤولية فهو يعمل حساب عيوب أواسط الناس، وليس لديه الحق - كما قال فيخته Fichte صائبًا- في أن يفترض في أواسط الناس الخير والكمال، وهو لا يحس أنه في وضع يتيح له أن ينسب نتائج عمله - على قدر ما يستطيع أن يتنبأ بها - إلى الآخرين. إنه يقول: إن هذه النتائج هي نتيجة عملي. والآخذ بأخلاقيات العقيدة لا يحس بأنه مسؤول إلا عن شعلة العقيدة الخالصة، شعلة الاحتجاج على ظلم النظام الاجتماعي مثلا، ألا تنطفئ. إنه يرى أن إذكاء هذه الشعلة دائمًا هو هدف أعماله اللاعقلانية- اللاعقلانية من ناحية احتمال نجاحها وتوقعه- تلك الأعمال التي لا يمكن ولا ينبغي أن يكون لها سوى قيمة مثالية.
...

إن من يرجو النجاة لروحه والنجاة لأرواح الآخرين لا يلتمسها عن طريق السياسة؛ فالسياسة لها مهام أخرى مختلفة غاية الاختلاف، إنها مهامٌ يعتمد حلها على السلطة. إن رب - أو شيطان - السياسة يعيش مع الحب، ومع رب المسيحيين بهيئة الكنيسة عيشة قوامها التوتر الداخلي الذي يوشك في كل لحظة أن ينفجر ويستحيل إلى صدام شديد. وهذا الشيء كان الناس يعرفونه حتى في العصر الذي كانت الكنيسة فيه تتولى السلطة. وكثيرًا ما فرضت العقاب على فلورنسا ولكن المواطنين لم يأبهوا وحاربوا الدولة الكنسية. ...

والحق أن السياسة تخرج من الرأس، ولكنها لا تخرج من الرأس وحده، وأصحاب أخلاقيات العقيدة على حق في هذا. ولا يمكن أن نفرض على الناس أن يختاروا بين الطريقين، وأن نأمرهم بأن يتصرفوا على أساس أخلاقيات العقيدة أو على أساس أخلاقيات المسؤولية، ولكن هناك شيء واحد يمكن أن نقوله، إذا أتى اليوم المحتوم في هذا العصر، عصر الانفعال غير العقيم، كما يعتقد الكثيرون - وليس الانفعال دائمًا مطابقًا كل المطابقة للشغف الأصيل- وانتشر أصحاب سياسة العقيدة فجأة انتشارًا كبيرًا، وكأنما انشقت عنهم الأرض انشقاقًا، وقال قائلهم: "إن الدنيا غبية ودنيئة، ولست أنا الغبي الوضيع، وإن المسؤولية بالنسبة للنتائج لا تمسني، بل تمس الآخرين الذين أعمل في خدمتهم، والذين ينبغي عليَّ أن أقتلع ما فيهم من غباء ودناءة" فإنني أقول بصراحة: إنني أسأل بادئ ذي بدء عن مقدار الاتزان الباطني الذي يكمن وراء أخلاقيات العقيدة هذه، وإنني أحس أنني في تسعة أعشار الحالات أجابه جماعةً من الحمقى، لا يشعرون واقعيًا بما يتحملون به، بل ينتشون بالتهريج الرومانتيكي. وهذا ما لا يهمني من الناحية الإنسانية بحال من الأحوال، وما لا يهزني مطلقًا. أما ما يهزني هزًا لا حد له، فموقف إنسان ناضج - يستوي عندي أن يكون شابًا أو مسنًا- يحس بكل قلبه إحساسًا واقعيًا بالمسؤولية تجاه النتائج ويتصرف على أساس من أخلاقيات المسؤولية، ويقول في موضع ما: "أنا لا أستطيع أن أفعل خلاف هذا أنا مصمم". هذا شيء فيه أصالة إنسانية، شيء يملك عليك نفسك، لأن هذا الموضع عبارة عن موقف لا بد أن يصادف بطبيعة الحال، في أي وقت من الأوقات، كل واحدٍ منا لا يكون الموت قد أصاب فؤاده. وعلى هذا فليست أخلاقيات العقيدة وأخلاقيات المسؤولية متضادة تضادًا مطلقًا، بل إنها تتكامل، وتصنع الإنسان الخالص الذي يستطيع أن ينهض بمهمة السياسة.
....
السياسة هي ثَقْبٌ بطيءٌ لألواحٍ صلبة بمثقابٍ هو الشغف والتقدير، وهناك أمرٌ صائبٌ كلُ الصواب تؤكده كل الخبرات التاريخية وهو أن الإنسان ما كان ليبلغ الممكن، إن لم تمتد الأيدي في الدنيا المرة بعد المرة نحو المستحيل، ولكن الذي يستطيعُ أن يفعلَ شيئًا من هذا القبيل هو الزعيم، وليس الزعيم فحسب بل البطل، البطل بالمعنى البسيط.

أما هؤلاء الذين ليسوا زعماء وليسوا أبطالا، فعليهم أن يحصنوا أنفسهم - من الآن - بصلابة قلبٍ يمكنها أن تجابه فشل كل الآمال، وإلا فلن يكون في مقدورهم أن يحققوا ما يلوح اليوم ممكنًا. إن من يوقن أنه لن يتحطم، إذا وقفت الدنيا - من وجهة نظره - وقفة بالغة الغباء، بالغة الخسة، مما يريدُ أن يقدمه إليها؛ ويوقن أنه سيكون في مقدوره أن يجابه هذه الوقفة قائلا ومع ذلك فأنا مصمم، هو وحده الذي أوتيَ موهبة السياسة.

تعليقات

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

قصائد من لوركا

مختارات من شوقي بزيع

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

مقتطفات عن أينشتاين