11 يونيو، 2016

عن حياة لدفيغ فتجنشتين (مقتطفات)


ويروي رسل عنه هذه الرواية التي تعبر عن عدم استقراره في إحدى فترات حياته فيقول إن فتجنشتين جاءه بعد نهاية الفترة الدراسية الأولى التي قضاها في كمبردج وسأله "أرجو ان تخبرني إن كنت غبيًا" فأجبته: "إنني لا أعرف لماذا تسألني"، فقال: "لأنني إذا كنت غبيًا فسأصبح ملاحًا جويًا، وإذا لم أكن غبيًا فسأصبح فيلسوفًا" حينئذ طلبت إليه أن يكتب لي شيئًا أثناء العطلة حول أي موضوع فلسفي وسوف أخبره عندئذ ما إذا كان غبيًا أم لا، ومع بداية الفترة الدراسية التالية أحضر لي ما طلبته منه، وبعد أن قرأت جملة واحدة منه قلت له: "لا، يجب عليك ألا تصبح ملاحًا جويًا".

*** *** ***

ويعبر فون رايت عن هذا المعنى أيضًا بقوله: "إن فتجنشتين كان رجلًا غير عادي، فهو بلا شك كان يقف متميزًا عن كل من حوله. وقد يكون قولنا بأنه كان يعيش على حافة المرض العقلي، أقرب إلي الصدق – ولقد ظل الخوف من الوصول إلى حافة المرض ملازمًا له طوال حياته". وهو في هذا قريب الشبه بالفيلسوف الألماني نيتشه الذي ظل خوفه من الجنون ملازمًا له حتى أصيب به بالفعل في أواخر سني حياته. إلا أن فتجنشتين ظل محتفظًا بقواه العقلية كاملة وبذكائه متوقدًا إلى آخر لحظة عاشها -ويستطرد فون رايت قائلًا: "إلا أنه من الخطأ أن نقول إن أعماله ومؤلفاته كانت تشوبها أي شائبة تدل على المرض والانحراف- فأعماله وأفكاره كلها أصيلة تمامًا، تتسم بأنه طبيعية صريحة، خالية من كل تصنع وتكلف ... وهذه هي الصفات التي كان هو نفسه يتحلى بها .." ومن المرجح أن السبب في ذهاب بعضهم إلى القول بأنه كان يعيش على حافة الجنون، هو عزلته عن الناس في كثير من الأحايين للتفرغ للفلسفة والتفكير والتأمل، الأمر الذي دفعه إلى أن يلتجئ إلى النرويج وإلى أيرلنده عدة مرات لكي يخلو فيها إلى نفسه ويتفرغ للتفكير في مشكلات الفلسفة. وفي هذا الصدد يقول رايت: "إن فتجنشتين كان يتجنب الشهرة، كما كان يبتعد عن أي علاقة يمكن أن تربطه بمن يعتقد أن علاقته بهم ليست شيئًا مرغوبًا فيها. ولم يكن أحد خارج الدائرة المحدودة المكونة من أسرته وأصدقائه الشخصيين، يعرف أي شيء عن حياته وعن أخلاقه وسلوكه. وكانت عزلته هذه سببًا في كثير من الروايات الخاطئة عن شخصيته، وكانت بالتالي سببًا في سوء فهم أفكاره وفلسفته، وهذا واضح مما كتب عنه بعد وفاته في كثير من المجلات العلمية".

*** *** ***   

كان فتجنشتين واعيًا بالجهد الكبير الذي يبذله في محاضراته، الأمر الذي جعله يعتزل كرسي الفلسفة في كمبردج عام 1947، فضلًا عن نصيحته المستمرة لتلاميذه المقربين بالتخلي عن فكرة العمل بتدريس الفلسفة، فقد حاول فتجنشتين عام 1939 أن يقنع نورمان مالكوم بالتخلي عن فكرة أن يصبح مدرسًا للفلسفة، وسأله عم إذا كان يعتقد أن الإنسان الطبيعي السوي لا يستطيع أن يكون أستاذًا للفلسفة بالجامعة، ويكون في نفس الوقت شخصًا جادًا أمينًا. وقد جدد فتجنشتين محاولته معه أكثر من مرة لإقناعه بالتخلي عن مهنة تدريس الفلسفة، كما قام بمثل هذه المحاولات مع طلبة آخرين أيضًا. 

ولم يكن فتجنشتين بصفة عامة مهتمًا بالجانب المادي في الحياة، كما لم يكن حريصًا كل الحرص على جمع الثروة، بل كان على العكس تمامًا – وخير ما يشهد بذلك الحادثتان التاليتان: 

1 – بعد وفاة أبيه عام 1912 أصبح فتجنشتين يمتلك ثروة كبيرة تنازل عنها كلها بعد عودته من الحرب العالمية الأولى مباشرة، ويعزو البعض سبب تخليه عن الثروة إلى: 
  • شعوره بالإثم لحصوله على ثروة لم يكتسبها بجهده بل عن طريق الميراث.
  • رغبته في الابتعاد عن كل التعقيدات المتعلقة بالميراث وبالثروة نفسها، وخاصة من الناحية الإدارية والحكومية. 
  • رغبته في ألا تكون ثروته وأمواله هي أساس التفات الناس حوله، أو أساسًا لصداقة زائفة لا تقوم على رغبة في الاستفادة منه ماليًا. 
ويؤيد فتجنشتين بنفسه التفسير الثالث، كما يذهب رسل إلى أن أساس تنازل فتجنشتين عن ثروته هو أن الثروة لا تعدو ان تكون عبئًا ومضايقة للفيلسوف. 

إلا أنني أميل إلى الاعتقاد -حتى مع صحة هذا التفسير- إلى أن السبب الأساسي الذي جعله يتنازل عن ثروته هو تأثره البالغ بتولستوي، فأثناء الحرب العالمية الأولى، وقع صدفة على كتابات تولستوي عن الأناجيل التي يذكر فتجنشتين أنها تركت في نفسه أثرًا كبيرًا ويتضح ذلك التأثير الكبير إذا ذكرنا أن تولستوي كان قد فعل نفس الشيء وتنازل عن جميع أمواله وثروته الطائلة. بل حتى عن ألقابه ومات فقيرًا معدمًا. 

2- أنه لم يكن يتخلى عن أصدقائه بمساعدتهم بالمال الذي قد يحتاجون إليه -بدون أن ينتظر إعادة هذا المال إليه مرة ثانية- وفي هذا الصدد يروي مالكوم الرواية التالية قائلًا: "على الرغم من كل المحاولات التي كان يبذلها فتجنشتين لكي يجعلني أتخلى عن مهنة التدريس، إلا أنه ساعدني بالفعل على الاستمرار في دراستي للفلسفة في كمبردج لمدة ستة أشهر 

مقاطع من كتاب: 
لدفيغ فتجنشتين
بقلم: عزمي إسلام
نوابغ الفكر الغربي، 19
دار المعارف، القاهرة 
[196?]

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أفيدوني بانتقاداتكم وإطراءاتكم، أسعد بجميع الآراء