22 يوليو، 2013

القسوة: مقطع من كتاب اضمحلال العصور الوسطى


 
فقأ عين شمشون - لوحة لرمبران
The Blinding of Samson by Rembrandt

بقلم: إيفان هويزنجا
ترجمة: عبد العزيز توفيق جاويد

(مقاطع من الفصل الأول من كتاب: اضمحلال العصور الوسطى - إيفان هويزنجا)
  
     ثم كانت هناك بعد ذلك مواكب دخول الأمراء، وهي تنظم بكل ما تملكه موارد الفن والترف في ذلك العصر من وسيلة. وكانت هناك أخيرًا عمليات الإعدام وهي أكثر الأحداث وقوعًا بل يمكن القول أنها كانت تحدث بلا انقطاع وشكلت الإثارة القاسية والشفقة الغليظة التي يسببها تنفيذ حكم الإعدام، بندًا هامًا في الغذاء الروحي لعامة الناس. وكانت هذه بمثابة مسرحيات رائعة ذات مغزى خلقي. واخترع القانون للجرائم الرهيبة عقوبات فظيعة. وحدث في مدينة بروكسل أن شابًا قاتلا ومثيرًا للفتن، وضع وسط حلقة من حزم الحطب المتقدة والقش المشتعل وشد وثاقه إلى عمود بسلسلة تدور حول حلقة من الحديد. فيوجه إلى مشاهديه عبارات مؤثرة، "فألان أفئدتهم حتى انفجروا باكين وامتُدح موته بأنه أبدع ما شوهد على الأيام". وحدث في أثناء عهد الإرهاب البرجندي بباريس في سنة 1411 أن أحد الضحايا، وهو المسيو مانساردي بواه، وقد سأله الجلاد أن يغفر له حسبما جرى العرف، لم يظهر فحسب استعداده لفعل ذلك من كل قلبه، بل رجا الجلاد أن يعانقه. "وكان هناك جمهور غفير من الناس بكوا كلهم تقريبًا بدموع سخينة.

     وعندما كان المجرمون من كبار السادة، كان عامة الناس يسعدون بمشاهدة العدالة الصارمة تجري مجراها، ويلمسون في الحين نفسه ما عليه الحظ في هذه الدنيا من انعدام الثبات متمثلا أمامهم على نحو أخاذ لا تبلغه موعظة واعظ ولا ريشة مصور. وكان الحاكم يحرص الحرص كله ألا يخل نقص شيء بقوة تأثير المشهد: فكان المحكوم عليهم يساقون إلى المشنقة مرتدين ثيابهم الرفيعة.

 ****
   
     ولذا فإن "الخطيئة" عند ذوي الأرواح العنيفة والمندفعة، لم تكن إلا مرادفًا في أغلب الأحيان لما كان يفعله أعداؤهم. وزاد التعصب الديني من تعزيز قوة فكرة القصاص البربرية. وأدى انعدام الأمن على نحو مزمن إلى تحبيذ أشد أنواع النكال الممكنة من جانب السلطات العامة، فأصبحت الجريمة تعد تهديدًا للنظام والمجتمع، كما تعد كذلك إهانة للجلال الإلهي. وهكذا يتجلى أنه كان من الطبيعي أن يصبح الشطر المتأخر من العصور الوسطى هو بوجه خاص عهد القسوة القضائية. فإن استحقاق المجرم لعقوبته لم يكن موضع شك على الإطلاق. وكان الإحساس بالعدالة عند عامة الشعب يؤيد على الدوام أشد العقوبات نكالا. وكان الحاكم من هؤلاء يقوم بين فينة وأخرى بحملات منتظمة يطبق فيها عدالة قاسية، تكون آنا ضد قطع الطرق، وآنًا ضد السحر أو الشذوذ الجنسي.

      والذي يسترعي أنظارنا في هذه القسوة القضائية، وفي المتعة التي كان الناس يحسونها إزائها، هو الوحشية لا الشذوذ والانحراف. فكان التعذيب وتنفيذ أحكام الإعدام متعة للمشاهدين كأنما هي مشاهد للتسلية في سوق عام. واشترى سكان مونز أحد قطاع الطرق، بثمن باهظ إلى أقسى حد، من أجل الاستمتاع بمشاهدته يمزق إربًا، "وهو مشهد أمتع الناس وأبهجهم بدرجة أكبر مما لو حدث أن جسدًا مقدسًا جديدًا بعث حيًا من بين الموتى." وأن أهالي بروج في 1488 أثناء أسر ماكسمليان ملك الرومان (امبراطور الدولة الرومانية المقدسة) لا يمكن أن يشبعوا أبدًا من مشاهدة ألوان التعذيب التي تنزل، فوق منصة عالية أقيمت في وسط سوق المدينة على الحكام المتهمين بالخيانة وتأبى على هؤلاء التعساء الضربة القاضية التي يتوسلون إنزالها بهم حتى يتهيأ للناس الاستمتاع للمرة الثانية بإنزال التعذيب بهم.

      وجرت العادة بكل من فرنسا وانجلترا، بحرمان المحكوم عليه من الأعداء من الاعتراف والمسح بالزيت المقدس. إذ كان المقصود أن تتفاقم آلام المكابدة خشية الموت في صدورهم بحكم تيقنهم من نزول اللعنة الأبدية بهم. وعبثًا أصدر مجمع فيينا Vienne في 1311 أوامره بمنحهم القربان المقدس للتوبة على الأقل. وظلت تلك العادة نفسها موجودة إلى قرب نهاية القرن الرابع عشر. فقد صرح شارل الخامس، على ما جبل عليه من اعتدال، بأن تغييرًا لن يجري ما دام حيًا. وقد ظل المستشار بيير دورجمون، الذي كان تغيير مخه الصلب - فيما يقول فيليب دي ميزيبر - أصعب من تحويل حجر الطاحون، يصم أذنيه عن سماع احتجاجات فيليب الإنسانية. ولم يتم صدور مرسوم ملكي بتاريخ 12 فبراير سنة 1397 يقضي بأن يمنح حق الاعتراف للمحكوم عليهم بالإعدام، إلا بعد أن ضم جيرسن صوته إلى صوت فيليب ميزيبر. وأقيم صليب من الحجر بفضل رعاية بيبرده كراؤن، الذي امتلأ اهتمامًا بذلك المرسوم، لكي يحدد المكان الذي يستطيع فيه الرهبان الفرنسسكيون مساعدة التائبين المقدمين على الإعدام. ولكن هذه العادة البربرية لم تمح حتى عند ذلك. فإن اتنان بونشييه، أسقف باريس اضطر إلى تجديد مرسوم 1311 في عام 1500.

     وفي 1427 أُعدم قاطع طرق من الأشراف، شنقًا بباريس. وفي اللحظة التي أوشك فيها أن يلقى حتفه بتنفيذ الحكم فيه، يظهر في المشهد، الأمين الأكبر لخزانة الوصي على العرش ويصب جام كراهيته عليه، ويحول دون أدائه الاعتراف، رغم توسلاته، ويصعد السلم وراءه وهو يجاهر بالإهانات، ويضربه بعصا، وينهال على الجلاد بسوطه لأنه نصح الضحية بالتفكير في خلاص روحه؛ فيغضب الجلاد وتأخذه العصبية فلا يتقن عمله، فينقطع الحبل ويهوي المجرم التعس إلى الأرض، وتنكسر إحدى ساقيه وبعض ضلوعه، ويرغم على صعود السلم مرة ثانية وهو على تلك الحال.
      
     ولم تكن العصور الوسطى تدري شيئًا عن تلك الأفكار التي جعلت عاطفتنا حيال العدالة متخوفة مترددة: الشكوك حول مسؤولية المجرم، الاقتناع بأن المجتمع، يعد إلى حد ما شريكًا للفرد في جرمه، والرغبة في الإصلاح بدلا من إنزال الألم، بل ربما يمكننا أن نضيف إلى ذلك عامل الخوف من وقوع خطأ قضائي أو قل بعبارة أخرى أن هذه الفكرات كانت ضمنية، عن غير وعي شعوري، في ذلك الوجدان المباشر والبالغ القوة، وجدان الشفقة والمغفرة الذي كان يتناوب في القلوب مع القسوة المفرطة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أفيدوني بانتقاداتكم وإطراءاتكم، أسعد بجميع الآراء