الحوار وشبه الحوار

بقلم: أحمد ع. الحضري

(١)

في حلقة ما من برنامجٍ «حِواريٍّ» يجلس الضَّيفان أحدهما في مواجهة الآخر، وبينهما مقدِّم البرنامج، بعد دقائق من بداية الحلقة يعلو صوتاهما، ويبدأ الاحتداد. يمكننا أن ندرك دون صعوبة من المشهد الذي نراه ومن طريقة الحوار التي نسمعها أن الطرفين هنا لا يخاطب أحدهما الآخر، هما في الحقيقة يخاطبان جمهور المشاهدين في خطب قصيرة عصبية متبادَلة يقاطع فيها كلٌّ منهما خَصمه. في هذا السياق ستُعدُّ أي بادرة من أحدهما للاقتناع بمنطق الطرف المضاد -أو مجرد الميل نحوه- ضعفًا وانهزامًا غير مقبول. كلٌّ من الضيفين جاء وهو متأكد كل التأكُّد أنه على حق وأن الطرف الآخر لا شك مخطئ، أو على الأقل هما يُظهِران ذلك. قد لا يعترفان بهذا، وربما قد لا يدركانه حتى، لكنَّ كلًّا من الطرفين قرَّر مسبقًا في هذه الحالة أنه لا يحتاج للتمعُّن في أيِّ شيء يقوله الآخر، إلا بالقدر الذي يُمَكِّنُهُ من إثبات خطئه، وإحراجه إن استطاع أمام جمهور المتفرِّجين.

اللوحة لنورمان روكويل


(٢)


كان سقراط يقول: أنا أعرف أنني لا أعرف أيَّ شيء. لكنه كان يحب الجدل، ويحب اختبار الرجال بالحوار. وكان يحاور رجالًا فخورين بأنفسهم، واثقين من علمهم. وربما كان هذا اليقين المبالَغ فيه يغيظه قليلًا؛ لأنه عندما كان يخوض حواراته مع أمثال هؤلاء الرجال، كان يبدأ الحديث دائمًا بأسئلة بريئة في الظاهر، ثم ينقل الحوار من نقطة إلى نقطة؛ حتى يربك محاوريه إلى الدرجة التي تمكِّنهم من رؤية أنهم حقًّا لا يعرفون ما يعتقدون أنهم يعرفونه.

أفلاطون تلميذه خلَّد هذه الطريقة، من خلال كتاباته التي جاءت في معظمها على شكل محاورات بطلها سقراط. ومن خلال هذا الشكل، نجح في مناقشة عدد من الموضوعات المهمة. مكَّن هذا الشكلُ أفلاطون من عرض عدد من وجهات النظر المختلفة وهي تتجادل حول موضوع ما، وبفضل هذه المحاورات أصبح أفلاطون واحدًا من أهم الفلاسفة على مَرِّ التاريخ. ولم يتوقف استخدام شكل المحاورة في الفلسفة بعد أفلاطون، بل استُخدِم من قِبَل عدد من الفلاسفة في العصور الوسطى والحديثة.


(٣)


في القصة أو الرواية، يُستخدَم الحوار لأغراض متنوعة؛ منها نقل الحالة النفسية، أو تطوير الحدث، أو التعريف بالشخصيات وبدوافعها. الحوار الذي يُمتِعُني كقارئ يكونُ في الغالب حوارًا ثريًّا بين شخصيتين مرسومتين بشكل واقعيٍّ وحَيٍّ، ينتقل الحديث بينهما جيئةً وذهابًا بشكل حيويٍّ وفعَّال ومتطوِّر. أستمتع بالحوارات التي أشعر في ثناياها بجدل حقيقيٍّ بين حالتين مختلفتين، حوارات تَجِدُها في أعمال دوستويفسكي مثلًا. وفي المقابل، نقرأ أحيانًا حواراتٍ باهِتَةً كأنها مكتوبة بين شخصية وظل شخصية، يقتصر دور هذا الظل فيها على مجرد تسليم الحوار للطرف الآخر.


تخيَّلْ روايةً تعتمد بالكامل على هذا الشكل الباهت من الحوار، ستكون ضعيفة في الغالب؛ لأن جزءًا أساسيًّا من طبيعة الرواية ومُتعتها يتمثَّل في حالة التنوع والتمايز والجدل بين الأصوات المختلفة. ميزة من مزايا الرواية الأساسية هي قدرتها على احتواء هذا الخليط المتنوع من الأصوات: اللهجات، الخلفيات الاجتماعية، القناعات، الانتماءات السياسية، المستويات الثقافية، المهن …


(٤)


تتوقف قليلًا بعد قراءتك لفقرة من كتابٍ ما، لتسترجع ما قرأته، تتأكد من فهمك وإلمامك بما قيل، قد تتساءل عن مدى اتفاقك أو اختلافك مع ما هو مكتوب، قد تناقش رؤية المؤلف، وتستعرض آراءً بديلة لتقارن بينها وبين الفكرة المعروضة، قد تتفق فقط مع بعض ما يُقال، وتختلف مع البعض الآخر، قد تسجل هذه الأفكار التي راودتك لتعود لها بعد ذلك كي تختبرها. هذه الدقائق التي تتوقف فيها بين الفقرة والفقرة لتحاور نفسك، وتحاور الكتاب الذي تقرؤه، ليست ترفًا، إنها أهم ما في عملية القراءة، هي ما يمكِّنك من فَهم ما تقرؤه، ومن وضعه في سياق أوسع من قراءاتك المختلِفة في الموضوع نفسه أو موضوعات مختلفة. دون هذه الدقائق تتحول القراءة إلى عملية تَلَقٍّ سلبيٍّ، تحفظ فيه ما هو مكتوب ثم تعيد إرساله مرة أخرى دون فَهم أو مراجعة، أو حتى إعادة صياغة. تمامًا كالصورة التقليدية التي تنتجها بعض أنظمتنا التعليمية لطالب يَذرَع الغرفة لِمَرَّاتٍ مردِّدًا عباراتٍ مكتوبةً في كتاب أمامه، بغرض حفظها. 


(٥)


أيُّ حوار، سواءٌ أكان حوارًا في الشارع أم في العمل أم في برنامج رأي أم حوارًا أدبيًّا، هو حالة من التفاعل بين أطراف مختلفة، يؤثر كلٌّ منها في الآخر. الحوار الصحيُّ يُظهرُ أفضل وأرقى ما فينا، لكن إن بدأ المتحاورون — كلهم أو بعضهم — الحوارَ وهم محصَّنون بالخوف، أو الجمود ضدَّ التأثر بالآراء الأخرى، محصنون باليقين ضدَّ أي إمكانية للشك في صحة مواقفهم، يتحوَّل حينئذٍ الحوار إلى مسخ. 


الحوار ليس مجرد كلمات يتبادلها طرفان أو أكثر، إنه حالة تطرح فيها أفكار وخلفيات مختلفة نفسها، لتتفاعل معًا. المجتمع الذي يرفض الحوار بمفهومه الأوسع هو مجتمع يتحيز للثبات؛ لأن الحوار الحقيقي حركة مستمرة. لا يمكن التخلي عن هذا التنوع من الآراء لصالح رؤية واحدة أيًّا كانت. حتى وأنت جالسٌ في الغرفة منفردًا، تفكرُ أو تتأمل أو تقرأ، تحتاج هذا التنوع، هذا الجدل في داخلك، تحتاج إلى هذه الأسئلة، إلى تمثُّل الآراء المختلفة والتحاور معها؛ كي تكون هذه العزلة مبدعة.
_____________
* سبق نشر المقال على موقع هنداوي بتاريخ 31 أغسطس 2014.


تعليقات

إرسال تعليق

أفيدوني بانتقاداتكم وإطراءاتكم، أسعد بجميع الآراء

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

قصائد من الشعر الأفريقي المعاصر

هل العالم حقيقي، أم أنه مجرد وهم أو هلوسة؟

قصائد من لوركا

ألفريد آدلر (Alfred W. Adler)