المعرفة والسياسة

غلاف كتاب: النص والسلطة والحقيقة
نصر حامد أبو زيد

لقد أثبتت التجربة أن "التعليم" وإصدار "صحيفة" أو "مجلة"، أو المساهمة في نشاط حزبي محاصر – كما هو الحال الآن في العالم العربي – ليس كافيًا، رغم أهمية التعليم والصحيفة والمجلة والحزب. إنه ليس كافيًا في سياق الشروط الراهنة التي تجعل من السهل تغيير نظام التعليم، ومن السهل إغلاق الصحيفة وإلغاء تصريح إصدار المجلة، ومحاصرة نشاط الحزب. ومعنى ذلك أنه لا بد من تغيير الشروط الراهنة، وعلى رأسها الخروج من عنق الزجاجة المتمثل في حكم النخب العسكرية أو القبلية أو الطائفية المستندة إلى حقوق الوراثة المرتكزة على مبدأي "القوة" و"القهر"، لا البوليسية وحدها، بل وسائل القهر الثقافية المتمثلة في السيطرة التامة على التعليم – خاصة الجامعات- وفي السيطرة التامة على أجهزة الإعلام من إذاعة مسموعة ومرئية ومن صحافة إعلامية متخصصة.

لا بد من كسر احتكار السلطة، واحتكار ما يمثل أدوات صنع الوعي وصياغة الذاكرة على مستوى كل شعب من الشعوب العربية، وعلى مستوى الأمة كلها، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالنضال من أجل إقرار التعددية وممارستها على مستوى الفكر وعلى مستوى المجتمع وعلى مستوى السياسة. إنها الديموقراطية بمعناها الشامل، ديموقراطية العقل، وديموقراطية الحياة المتمثل في حق البشر المتساوي في المشاركة في جني ثمار الناتج القومي، وديموقراطية السياسة المتمثلة في حق تداول السلطة وحق المشاركة فيها عبر المؤسسات الاجتماعية والثقافية والسياسية. 

وعلينا أن نتفق جميعًا – دون تبرير – أن التعددية تعني حق "الجميع" دون استثناء. وهذا التأكيد ضروري في سياق التوترات السياسية الناشئة عن أن "الجميع" ينادي بالديموقراطية ويغني لها، لكن "البعض" سرعان ما يتنكر لها إذا ثبت أن الجماهير – طبقًا لمستوى وعيها الراهن- اختارت غيره. 

إن ممارسة الحياة ليست مشروطة دائمًا بشروط الذات على أي صعيد من الأصعدة، بل هي مشروطة بقدرة الذات على استثمار الشروط الموضوعية الراهنة من أجل إمكانية تغييرها -بالفهم العلمي- في المستقبل. الديموقراطية التي هلل الجميع لقتلها في الجزائر بدبابات الجيش ومصفحاته، خشية أن يقتلها الإسلاميون المنتصرون عبر صناديق الانتخابات -هذه الديموقراطية قتلت على أي حال. لن يجدي أن يكون قاتلها الإسلاميون أو العسكر، طالما أن "الخشية" -مجرد الخشية- من احتمال القضاء على الديموقراطية إن جاء الإسلاميون للحكم أفضى إلى تحويل "المحتمل" أو "الممكن" إلى فعلي واقع. إنه الانتحار السياسي، بل والعقلي استنادًا إلى المثل العربي -ولاحظ اتفاقه- "بيدي لا بيد عمر".

*** *** ***

إن التعليم والصحافة والأحزاب والإعلام مجرد أدوات لتشكيل الوعي الذي لا يتحقق كاملًا إلا من خلال انصهار الشعوب في التجربة التي حرمت منها على امتداد تاريخنا، بدعوى "الحماية" من الفتن والحروب إلخ. هل نجحت "الوصاية" حقًا في حماية شعوبنا العربية من كل ذلك؟! على المثقف قبل السياسي أن يقرّ أن "الفكر" ليس وظيفة تمنحه سلطة "الأب" و"الوصي" و"الحامي". وعليه من ثم أن يسعى -بآليات الفكر الحقيقية- لممارسة الفكر في الحياة خارج منطقة "التعالي" الذي ينظر للوظائف الأخرى في الحياة الاجتماعية نظرة دونية. من هنا يمكن للمفكر أن يسلم بحق الجماهير في اختياراتها. دون أن يوقفه ذلك عن العمل الحثيث للانتقال بالفكر من ساحة "الكهنوت" ومن داخل جدران "المعابد" -ولو اتخذت مسميات أخرى- إلى الساحات والتجمعات. 

لن يكون للفكر ولا للثقافة دور إلا بأن تشيع وتنتشر بكل الوسائل الممكنة و"المتاحة"، بالكلمة المكتوبة والمذاعة والمرئية، بالكتاب والمتحف والمعرض والأهم من ذلك إشاعة روح العلم، لا بين الجماهير فحسب، بل بين النخبة والصفوة أساسًا.

ويحتاج تحقيق ذلك إلى تغييير الشروط الراهنة للحياة السياسية والاجتماعية بالحرص على ترسيخ "التعددية" وممارستها. ويبقى الشرط الأولي لممارسة تعددية حقيقية، البدء وعلى الفور في قطع "الحبل السري" الذي يربط المثقف بالسياسي، والعمل على استقلال أدوات إنتاج المعرفة بكل فروعها من العلوم إلى الأغاني والأناشيد، مرورًا بالفلسفات والفنون والآداب، على سلطة السياسي. إن السياسة -فيما يقال- هي فن تحقيق الممكن، أما المعرفة فهي فن بناء المستقبل وتحقيق المستحيل. 

مقتطف من كتاب:
النص والسلطة والحقيقة: إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة
نصر حامد أبو زيد
المركز الثقافي العربي
2006

تعليقات

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

قصائد من لوركا

مختارات من شوقي بزيع

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

مقتطفات عن أينشتاين