ليديا ديفيس عند نهاية العالم (ج1)

حول تعلم النرويجية، والكتابة عن جمال عالم يحتضر


بقلم: آن فارثيز (Ane Farsethas)
ترجمة: أحمد ع. الحضري 


ظهر هذا البروفايل أصلًا في أكبر مجلة نرويجية (Morgenbladet)، وتمت ترجمته [إلى الإنجليزية] لصالح ليترالي هاب  (المحور الأدبي) بواسطة المؤلف، الصور ليوهانس ورشي بيرج (Johannes Worsøe Berg)
   
  
"لا، أنا لا أستخدم قواميس قط. إن فعلت هذا لن يكون هناك أي تحدٍ. أي تحدٍ فكريٍ على الإطلاق.!"

ليديا ديفيس كانت قد أرتني لتوها ملاحظاتها المدونة بخطها في هوامش رواية تم وصفها من قبل نقاد البلد التي نشرت فيه، بأنها لا يمكن قراءتها "unreadable"، وبأنها "مملة مثل دليل الهاتف.

بخط ديفيس المنمق، انسكبت في أرجاء صفحات الرواية، وعلى حزمة من الورق توصيفات منهجية للمفردات، والأسلوب، وقواعد اللغة. الكتيب الملفق -مصنوع من أفراخ ورق مطوية من المنتصف- يضم شروحًا كثيفة مدونة على الوجهين، لقواعد اللغة، لا يقتصر المحتوى على قواعد اللغة في الرواية نفسها، ولكن للغة التي كتبت فيها الرواية بشكل عام، قواعد مكتوبة بالكامل بواسطة ديفيس ذاتها.

الفائزة بجائزة البوكر العالمية في عام 2013، التي تحظى بالتقدير على نطاق واسع بفضل ترجماتها من الفرنسية، وتتحدث بالفعل الألمانية والأسبانية، وعلمت نفسها الهولندية والقليل من البرتغالية، اعترفت أنها "تفحصت بعض اللغات الأخرى،" لكنها تضيف: "لن أدعي أني أنطق بها."
  
بعد زيارتها لمهرجان أدبي في النرويج عام 2013، شرعت في أكثر مشروعاتها اللغوية طموحًا حتى الآن. قررت أن تتعلم النرويجية، لغة غير معروفة بالنسبة لها، من خلال هذه الرواية، هذه الرواية فقط.



تعترف ديفيس: "لا أستطيع نطق العنوان، لهذا أدعوها رواية تليمارك (the Telemark novel)".
    

"رواية تليمارك" هو في الحقيقة الاسم الذي يطلق على الكتاب، حتى في بلده النرويج. العنوان الكامل، الذي يمكن ترجمته بالتقريب إلى: "العنصر الملحمي غير القابل للتفسير في تليمارك في الفترة من 1591-1896" يلمح إلى المستوى التي اختارت ديفيس أن تبدأ به تعليمها الذاتي.

   

هي رواية -نوعًا ما- ينقب فيها الكاتب المحتفى به داج سولستاد "Dag Solstad" في أنساب عائلته، حقيقة حقيقة، واسمًا بعد اسم. المنتج النهائي -ملحمة من 400 صفحة، تؤرخ ولادات، ووفايات، وزيجات، على مدى أربعة قرون- تم وصفه من قبل بعض النقاد بأنه يقع في نقطة ما بين سلاسل النسب اللانهائية في سفر التكوين (وولد إبراهيم إسحاق، وولد إسحق يعقوب) ورواية "بعث آل فينيغان (Finnegans Wake)[1] .

كتبت ديفيس عن التجربة في الملحق الأدبي لجريدة التايمز (The Times Literary Supplement) "لم أرغب في التوقف عن قراءة النرويجية، صرتُ متعلقة بالانغماس  اليومي في الحكايات، بعضها درامي بدرجة ما، وكلها خلابة بشكل غريب." وكانت النتيجة هي شغفٌ صادقٌ بالكتاب نفسه.
   
   
قرار المترجم

"لك أن تسألني سؤال بالنرويجية -إن كان بسيطًا،" هكذا كتبت لي ديفس في رسالة إلكترونية سابقة على المقابلة.

بينما ترحب بي في محطة القطار في مدينتها، هيودسن – تقع شمال مدينة نيويورك على بعد ساعتين- كانت ديفيس متحمسة لشرح كيفية نمو المشروع من فكرة تتعلق بمعنى أن تكون كاتبًا عالميًا:
    
"بدأ الأمر كله بقرار. بعد أن بدأت كتبي تصدر في بلدان مختلفة، اتخذت قرارًا: أي لغة أو ثقافة ستترجم عملًا من أعمالي، أرغب في أن أرد الجميل بترجمة شيء ما من هذه اللغة إلى الإنجليزية، مهما كان صغيرًا. قد ينتهي الأمر إلى قصيدة واحدة أو قصة واحدة، لكني دائمًا سأترجم شيئًا ما في المقابل."
  
اختيار ديفيس لداج سولستاد – الذي قد يجادل البعض أنه الأفضل في النرويج، وهو بالتأكيد الأكثر حظوًا بالاحتفاء النقدي- أقل اعتباطية مما قد يظهر. فسولستاد الكاتب ذو الثلاثة والثلاثين كتابًا، والمترجم لثلاثين لغة، والحائز على مختلف الجوائز الأدبية الكبرى في الدول النوردية (Nordic countries)، يتمتع كما يبدو بفورة متأخرة على الصعيد الدولي. وحين ترجم مؤخرًا فقط إلى الإنجليزية، وصلت كتبه الثلاثة المترجمة للقائمة الطويلة لجائزة جريدة الإندبندنت للأدب المترجم. معجبٌ آخر -هاروكي موراكامي- يترجم سولستاد إلى اليابانية (صرح موراكامي للجارديان: "هو كاتبٌ سريالي نوعًا ما، له روايات غريبة للغاية، أظن أن هذا أدبٌ جاد،")

داج سولستاد (Dag Solstad) البالغ من العمر 73 سنة، استمر على مدار السنوات الخمسين الماضية في التجريب في شكل الرواية. كل عنوان جديد لسولستاد لا يتم استقباله فقط كحدثٍ ثقافي ضخم، لكنه يشعل أيضًا جدلًا محتدًا. موقعه المركزي في الحياة الثقافية في النرويج، ربما يتضح بشكل أفضل من خلال حدث نشر رواية له في 2006 تماست مع دور البلد في أفغانستان- حفز الكتاب وزير الخارجية على كتابة عرضًا له يمتد لعدة صفحات، يجادل فيه أفكار الكتاب السياسية.
    
الآن تخيل لو أن فيليب روث (Philip Roth) نشر رواية تنحرف بشكل جوهري عن التوقعات، لدرجة تجعل النقاد في نيويورك تايمز، والنيويوركر يدعون أنها ليست حقًا رواية على الإطلاق، وستتكون لديك فكرة ما عن الجدل الذي أحاط بالكتاب الذي اختارت ليديا ديفيس أن تناضل معه.
   
  
فك شفرة الهيروغليفية 
   
بعد أن عرضت عليَّ أن تعرفني على مدينتها، شرحت لي ديفيس كيف تحولت عملية قراءة الكتاب من تجربة إلى إلهام.

"دونًا عن كل الكتب في العالم، لماذا اخترتِ هذا الكتاب تحديدًا لتتعلمي منه لغة جديدة؟"

 ردت: "أدركت أنه يجب عليَّ قراءته"، كانت قد سمعت عن الكتاب غير التقليدي من مترجمتها. "فكرتُ أنه يبدو جذابًا، أولًا كتجربة أدبية، وثانيًا لأني كنت أعمل على كتاب يتضمن تاريخ عائلي، وعلم أنساب أنا أيضًا. سولستاد قام بهذا، بطريقة راديكالية، مستخدمًا فقط الحقائق، ومتجنبًا استخدام الدراما بأي شكل، أي خيال على الإطلاق. بعد أن سمعت عنه، توقعت أن يتضمن الكتاب أشكالًا، وصورًا، وخرائط، ومناظر طبيعية، أشياء يمكن الفرجة عليها. لم أتخيل أنه لن يتضمن سوى النص المكتوب، كتل من الكلمات، في فقرات قليلة. "

"هل فقدت حماسك؟"

"حين اكتشفت الأمر، كنت قد قررت قراءته بالفعل. كنت متشوقة لأن أرى إن كنت سأفهم أي شيء على الإطلاق. حين تمكنت من قراءة أول خمس كلمات، تشجعت لكي أستمر."

"اقرأ ببطء، كلمة بعد كلمة."

"نعم، بالضبط."

"هل كانت هذه الكلمات الأولى من الرواية (اقرأ ببطء، كلمة بكلمة إن كنت ترغب في فهم ما أقوله) في ذاتها عاملًا مشجعًا لك؟"

"في هذه المرحلة لم أكن منشغلة حتى بما تعنيه، كنت مهتمة بفك شفرة الكلمات كلمة بكلمة، أكثر من اهتمامي بتفسير المحتوى. لكن على الأقل أستطيع أن أقول أنني اتبعت تعلميات المؤلف!"

"كيف يمكنك أن تبدأي في التوصل إلى معنى مع هذه المادة المعقدة؟"
  
"بعض المقاطع أغنى من البعض الآخر. انظر إلى هذا على سبيل المثال، حين وجدت هذا شعرت أنني وقعت على منجم ذهب ...." تتفحص الصفحات، وتشير إلى مقطع. "انظر، هذه الكلمات هي بوضوح موضوعة في أزواج، تعملُ كأضداد"

"جانج (Jung) هل تنطق هكذا؟ "

"صغير (Young)" ؟

"نعم هي، "صغير"، و "كبير"، علمت أن هذا ما تعنيه كلمتي "ung" و"Gamel". أستطعت أن أخمن أن ما تلا من كلمات، كان قائمة كاملة من المتضادات بترتيبٍ ما. لذا استطعت بسهولة تخمين معاني هذه الكلمات: "فقير"، و"غني"، "مرض"، و"صحة". أترى كيف تصير قادرًا فجأة على فك معاني عدد من الكلمات، فقط بدراسة النمط؟ خذ هذه الكلمات التي تبدأ ب "Hv"؛ خمنتُ أنها تستخدم في السؤال: "hva" تعني "ماذا"، "hvorfor" تعني "لماذا". لكن الأمر استغرق مني وقتًا طويلًا، لأخمن أن "hvis" تعني "لو". كان عليَ أن أخمن في البداية أنها كلمات من نفس الفئة، ثم أنتقل إلى اختبار كل الإمكانيات المختلفة. حرف "h" لا ينطق دائمًا، صح؟ "

"صح. لذا حين تكتشفين نمطًا، هل تراجعين مع مصادر أخرى للتأكد من أنك على صواب؟"

"لا، لا ، قط ! إذن لن يبقى الأمر كما هو. أريد أن أكتشفها بنفسي. أفكر في تعلم لغة كأحجية. التعلم بهذه الطريقة يشبه أن تكون عالم مصريات، تفك شفرة الهيروغليفية. هي عملية، اكتشاف المفتاح الذي يفتح عالم المعاني التي كانت من قبل مختبئة، وهو المحفز بالنسبة لي. تعلم قواعد اللغة بالطريقة التقليدية سيكون مملًا فحسب."


التقعيد اللغوي للحُفَر (The grammar of potholes)

تقول ديفيس بينما تتوجه نحو سيارتها: "هذا المكان يعد امتدادًا لنيويورك،". امرأةٌ تتقدم منا لتسأل إن كنا نعرف مكانًا مناسبًا للأكل مع أطفال. تنتقل ليديا ديفيس بسهولة من الحوار الأدبي إلى دور مرشد سياحي مفيد. لكن حين ندخل للسيارة، تبدو قلقة، حين تتذكر فجأة أن المطعم المذكور قد يكون مغلقًا. بينما تقود تبدي بشكل متكرر عدم ارتياحها من إمكانية أن تكون قد أرشدت الأسرة بشكل خاطئ.
   
تهتف بقوة بينما كنا على وشك ركن السيارة: "انظر للسيارة التي أمامنا، هذه هي المرأة!"
تثب ديفيس من السيارة، وتعدو خلف الغريبة، وتوضح لها خطأها، وتعود بنظرة ارتياح.

"انت حقًا مراعية للآخرين."
 
"لا، أنا فقط فضولية!"
 
"من قرأ منكم أعمالها، لن يفاجأ بحساسية ديفيس الشديدة
لأدق تفاصيل التفاعل الاجتماعي. قصصها عادة تعتمد على وصف أصغر المواقف – كتحية صديق أو الجلوس لتناول الطعام- محللةً التفاعل إلى أصغر الوحدات المممكنة. لو أخذنا في الاعتبار، القصص التي نشرتها ديفيس منذ ظهورها الأول عام 1976 يمكن حتى أن ندعي وجود ملامح عامة لشكل من أشكال النحو الاجتماعي (social grammar)
    
"في قصصك تحللين التفاعل الاجتماعي وصولًا لأدق تفصيلة، تفككين الأفعال كأنها قطع أحجية (بازل). هل تحاولين تحرير الطريقة التي نعرض بها الحياة الاجتماعية، أن تحرريها من الأعراف؟ "      
    
"لست واثقة أن لديَّ فكرة تخص تحرير أي شيء. لكني يمكن أن أقول على الأقل أنني لا آخذ الأمور على علاتها. أميل إلى النظر إلى الأشياء نظرة متفحصة. أرغب فقط في أن ألاحظ وأن أرى الأشياء كما هي، بدلا من وضعها في تصنيفات عامة، وإدخالها في النظام. لو أني سأصنفها، فأنا أريد أن أفعل هذا من خلال ملاحظاتي الشخصية. أمارس هذا مع العالم الطبيعي. لكني أمارسه كذلك مع الأشخاص.

"تفضلين لسيناريوهاتك أن تكون عادية ويومية على قدر الإمكان؟"
   
"أجد بالفعل أن اليومي -ما قد يراه آخرون عاديًا أو مملًا- مثيرًا للاهتمام. على سبيل المثال، أشارك في عدد من المجموعات المحلية المكرسة لمناقشة موضوعات في المجتمع، وفعليًا أستمتع حقًا بها جميعًا. قد يقول آخرون: "هل يجب علينا حقًا أن نستمع لمدة ساعة ونصف لكلام عن الحفر الموجودة في الطريق، يا إلهي هذا يبدو مملًا حقًا." لكني مهتمة بالنظر إلى الناس، رؤية تعابيرهم، التفاعل بينهم. لو أنني ذهبت إلى لمؤتمر أكاديمي عن نظرية الأدب، قد يصيبني الملل بالجنون! لكن اجتماع بخصوص الحفر، هذا يثير اهتمامي. لا ادري ما يقوله هذا عني، عدا أني أعرف أنه من المهم بالنسبة لي أن أنظر إلى كل شيء بنظرة جديدة، دون مفاهيم مسبقة."
       
"كيف يمكنك أن تحولي هذه الملاحظات اليومية إلى أدب؟"
   
"يبدأ الأمر دائمًا بما يثير اهتمامي، ما أراه مضحكًا أو مشوقًا. لو جذبت اهتمامي حركة دعسوقة (ladybug)، أو وجود لعاب قطة على جوربي –أمرٌ حدث معي لمرة واحدة ولهذا وجدته مثيرًا للاهتمام- أدونه دون أن أفكر إن كان هذا أدبًا عظيمًا أو لا. لو أني عدت بعد ذلك لهذا النص، ووجدت أن الجورب المغطى بلعاب القطة ما يزال يثير اهتمامي، أبدأ في تغيير الكلمات لجعل النص مثيرًا للاهتمام بشكل أكبر. ثم قد يصير أدبًا."



[1] قام الراحل طه محمد طه بترجمة الرواية تحت هذا العنوان وهي رواية لجيمس جويس مشهورة بأنها بلا بداية ولا نهاية، ويعدها البعض مثالًا للصعوبة.

* اقرأ: ليديا ديفيس عند نهاية العالم (ج2)

تعليقات

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

مقتطفات عن أينشتاين

قصائد من لوركا

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

ما هو الفن الطليعي؟ (Avant Garde)

قصائد من الشعر الأفريقي المعاصر