اقتصاد الاحتيال البريء

غلاف كتاب اقتصاد الاحتيال البرئ لجون كنث جالبريث


     صدر منذ أيام عن مكتبة الأسرة كتاب اقتصاد الاحتيال البريء (The Economics of Innocent Fraud) للمؤلف جون كنث جالبريث، وترجمة د محمد رضا علي العدل، وتقديم محمود عبد الفضيل. 

     وقد كتب هذا الكتاب خلال عام 2003 ونشر في طبعته الإنجليزية في عام 2004، والإشارة في مقدمة الطبعة العربية إلى أن هذا الكتاب يعد تنبؤا بالأزمة الاقتصادية العالمية، هي إشارة في محلها تمامًا في رأيي.



     عند كتابة هذا الكتاب كان جون كنث جالبريث (John Kenneth Galbraith) يناهز الخامسة والتسعين من العمر، وهو يتعرض فيه بنقد جوهري لما يسمى باقتصاد السوق، نقد يحرص فيه على كشف منظومة فكرية كاملة للاحتيال على الغالبية العظمى من أفراد المجتمعات لصالح نخبة مسيطرة ومستفيدة توجه المجتمعات نحو كارثة حقيقية. 

      يركز المؤلف على دور الشركات المساهمة الكبيرة (corporation) كنواة ما يسمى باقتصاد السوق ويتعرض من خلال الفصول المتتابعة للكتاب لأبرز الاحتيالات (البريئة وغير البريئة) التي تتم بشكل مستمر في الحياة الاقتصادية، موضحًا وجود تباعد كبير بين الواقع والعقيدة المسلم بها، فقد تم إخفاء الواقع لمصلحة مجموعة محدودة من الأفراد أصحاب النفوذ والمصالح.


إعادة تسمية النظام

      يشير الكتاب إلى أن مصطلح الرأسمالية يستدعي تاريخًا بشعًا فقد أكدت الرأسمالية الأوروبية بحزم بالغ على سلطة الملكية، وارتبطت بقهر العمال واستغلالهم، أما في أمريكا فقد ارتبطت باستغلال الجمهور عن طريق الأسعار والتكلفة، ومن هنا كان رد الفعل تجاه الاحتكار والاحتكاريين. بعدئذٍ جاءت فضيحة المضارابات العقارية، ثم الأزمة الاقتصادية العالمية 1929، وصار جليًا أن الرأسمالية لا تعمل بنجاح، ومن هنا تراجع مسمى الرأسمالية مع الوقت، وظهرت محاولات إعادة صياغة مصطلح بديل غير سيء السمعة؛ فظهرت مسميات "المشروع الحر"، و"الرأسمالية الاجتماعية" و"الإصلاح الجديد"، وصولا إلى المسمى الذي استقر وانتشر وهو مسمى " السوق الحر".


     المؤلف يشير إلى أن مصطلح اقتصاد السوق فعليا لا يعني أي شيء فالأسواق هامة في الوجود البشري منذ القرن الثامن قبل الميلاد، وفي كل البلدان بما في ذلك الاتحاد السوفيتي السابق، والصين الشيوعبية كان للنقود دور رئيسي.


      الجميع الآن يتحدث عن اقتصاد السوق، لكن الإشارة إلى دور الكوربوريشن (الشركات المساهمة الكبرى) وما لإدارتها من نفوذ لا يتم إلا في أضيق الحدود، فالأفضل دائما هو الإشارة الخيرة إلى السوق، الجميع يتحدث عن سيادة المستهلك وعن الدور الذي يمارسه في تحديد ما يتعين انتاجه وشراؤه وبيعه، لكن ابتكار المنتج وتطويره مهارة اقتصادية أساسية، ولا يوجد صانع يدخل السوق إلا ويحاول تنمية الطلب عليه من خلال فنون الدعاية، وفن البيع ومناورات التأثير على المستهلك.



      "وقد خدمت إعادة تسمية الاقتصاد تأكيد الجزم بسيادة المستهلك ... فاختيار المستهلك يحدد شكل منحنى الطلب.  مثلما يعطي الاقتراع السلطة للمواطن وفي كلتا الحالتين ثمة قدر كبير من الاحتيال. في كل من حالة المقترع والمشتري توجد إدارة رهيبة وجيدة التمويل لاستجابة الجمهور "


التقدم الاقتصادي والاجتماعي

      يقاس التقدم الاقتصادي والاجتماعي بالزيادة في الانتاج الإجمالي لكل السلع والخدمات (مجمل الناتج المحلي GDP) ومع اعتراف المؤلف بأهمية زيادة الناتج المحلي لكنه يشير إلى أن زيادة الناتج المحلي لا يصلح كمؤشر حصري للتقدم في ظل السيطرة الكاملة للمنتجين على مقياس ومحتوى الناتج المحلي الإجمالي . 



"يقاس الأداء الجيد بإنتاج السلع المادية والخدمات لا مكان في هذا للتعليم أو الأدب أو الفنون بل إنتاج السيارات بما في ذلك سيارات المتعة الضخمة هذا هو المقياس الحديث للإنجاز الاقتصادي وبالتالي الاجتماعي ... يكمن أحسن ما في الماضي الإنساني في المنجزات الفنية والأدبية والدينية والعلمية "


عالم المال

      "ثمة قدر أكبر من عدم البراءة المشروعة قانونًا، هذا هو عالم المال: البنوك، والتمويل الكوربورتي، وأسواق السندات، وصناديق الاستثمار، والتمويل والإرشاد، والاستشارات المالية المنظمة ويبدأ الاحتيال بحقيقة حاكمة وبدليل جلي لا يمكن إغفاله إلا أنه متجاهل تمامًا بشكل عام، إنه الأداء الاقتصادي المستقبلي والانتقال من الأزمنة المزدهرة إلى الانكماش والكساد وعودة إلى العكس مما لا يمكن التكهن به" وهو يؤكد أن المتغيرات التي تؤثر على الاقتصاد من الكثرة والتعقيد ما يستحيل الوصول إلى معرفة جازمة بخصوص المستقبل، لكن مع ذلك "فإن التنبؤ بالمجهول والذي لا سبيل إلى معرفته وظيفة يعتز بها وتدر عائدًا كبيرًا غالبا"  و "أيا كانت درجة انعدام القيمة للاستشارة والإرشاد المالي فإنها أحيانا تكون مجزية ماليا" وهو يشير بعد ذلك إلى حالات كانت هذه التنبؤات وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية، أو لتوجيه السوق نحو اتجاه بعينه. 


      ويوضح في فصلٍ تالٍ أنه على العكس مما يقال في الساحات الأكاديمية فإن إجراءات البنك المركزية خفض الفائدة ورفعها هي إجراءات غير مؤثرة في التحكم في الأزمات، فخفض الفائدة لن يشجع المستثمرين على زيادة استثماراتهم في سلع لن يتمكنوا من تسويقها، وعلى العكس فإن رفع الفائدة لن يقلل من توجههم إلى إنتاج سلع بشكل كثيف لتحقيق أرباح سريعة، "ومع ذلك يُظن أنه لحسنٌ أن توجد مؤسسة محايدة سياسيًا مسلم بها يرأسها وكما في جميع الأزمنة الحديثة شخصية علمية وواثقة ومحترمة له موهبة مسرحية لا يستهان بها"


عالم العمل الخادع

      العمل تجربة مختلفة تمامًا بالنسبة للمجموعات المختفلة، فكثيرٌ من الناس مجبرٌ على العمل لتوفير الاحتياجات الرئيسة، هو مجبر على العمل الروتيني الممل، الذي لا يشكل له سوى وسيلة للعيش. بينما العمل بالنسبة لآخرين هو تجربة ممتعة، مبهجة محققة للذات تشعره بالأهمية والتفوق في امتلاك السلطة على الآخرين، وهم الأعلى دخلا .


      الأقل دخلا مجبرون على العمل، ساعات الفراغ بالنسبة لهم غير محتملة اقتصاديًا، أما إعانة البطالة فهي الأقل سمعة بين كل الإعانات الحكومية، فهي تجلب نظرة اجتماعية سيئة، حتى في حالة أم تعول أطفالها، بينما الأكثر دخلا قادرٌ على الهرب من العمل دون أي إحساس بالذنب.



الكوربوريشن كبيروقراطية 
  
     ومن أجزاء الكتاب المهمة إشارته إلى ما أصبح لإدارة الشركات المساهمة من سلطة تفوق سلطة الملاك "أصحاب الأسهم"، وحريتهم التامة في تقرير مكافآتهم الخاصة، ويشير إلى عدد من التغطيات الصحفية التي وصفت تخصيص مكافآت كبيرة للإدارة في ظل تراجع شديد للأرباح بأنها لصوصية.
 

     ويؤكد ما لهذه الإدارات من نفوذ متزايد، يؤثر على الإنفاق الحكومي نفسه، فالفاصل ما بين القطاعين العام والخاص هو فاصل وهمي، وهو يشير إلى تعيين عدد كبير من إداريي هذه المؤسسات في الحكومات المختلفة، وإلى زحف شركات الأسلحة إلى البنتاجون وظهور نفوذ كبير لها على الميزانية العسكرية، وهي مؤثرة كذلك مع الجيش في الترويج للتدخل العسكري وللحروب، وهو هنا يؤكد أن تحرك الكوربوريشن نحو الحكومة يكون لخدمة الكوربوريشن أولا .

 كلمة أخيرة للمؤلف

      اقتبسها هنا كاملة دون تدخل:

"نحن نعتز بتقدم الحضارة منذ الأزمان الإنجيلية وقبلها بكثير، بيد أن هناك تحفظًا مطلوبًا وبالفعل مقبولا. وفيما أكتب الآن تواجه الولايات المتحدة وبريطانيا عاقبة مريرة للحرب على العراق. ونحن الآن نقابل موتًا مبرمجًا للشباب ومجزرة عشوائية للرجال والنساء من كل الأعمار. وهكذا وبشكل ساحق كان الأمر في الحربين العالميتين الأولى والثانية. وهكذا لازال في العراق وبشكل أكثر انتقائية عند كتابة هذه السطور، فالحياة المتحضرة – كما يقال – هي برج عظيم أبيض يمجد المنجزات الإنسانية إلا أنه توجد على القمة بشكل مستمر سحابة سوداء كبيرة. فالتقدم الإنساني يهيمن عليه موت ووحشية غير متخيلة.
 
     أترك القارئ بحقيقة ذات صلة وتنطوي على حزن: قطعت الحضارة خطوات واسعة عبر القرون في العلم والرعاية الصحية والفنون، والأعظم – إن لم يكن بشكل كامل – الرفاه الاقتصادي، بيد أنها – أي الحضارة – أعطت وضعًا متميزًا لتطوير الأسلحة والحرب والتهديد بها. أصبحت المجازر الجماعية المنجز المتحضر النهائي الجوهري.
 

     وحقائق الحرب لا فكاك منها – موت ووحشية عشوائية والتخلي عن القيم المتحضرة، ثم عاقبة فوضوية. وهكذا هو الوضع والمشهد الإنساني كما يتجليان الأن بأقصى درجة. ويمكن مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي ذكرت هنا، وكذلك الفقر والجوع الجماعي بالفكر والعمل. وقد حدث هذا بالفعل. أما الحرب فتبقى الفشل الإنساني الحاسم."




أحمد الحضري

تعليقات

  1. صديقي أحمد إزيك . . .
    لم ألحظ في المقتطفات التي أوردتها من الكتاب ما يدين الإقتصاد الرأسمالي اللهم إلا الإشارة إلى الأزمات المالية الكبرى والتي تم تجاوزها . . ثم الهجوم على الحرب وألات الحرب والتي هي تستخدم غالبا خارج البلد القوي أمريكا . . هناك مسألة آلية السياسة المالية للبنك المركزي بتحكمه في معدلات الفائدة فهي ليس الهدف منها التحكم في إختيارات المنتجين بقدر ما هي تفعل لغرض التحكم في الانكماش والتضخم الإقتصادي بالإضافة إلى أنها غالبا لا تعمل وحدها بل يتوازا معها سياسات مالية وإقتصادية أخرى . . وسأترك التعليق هنا إلى هذه النقطة كي أكمل بقيته على صفحة حالتك في الفيسبوك التي أشرت فيها إلى رابط هذه التدوينة . . تحياتي

    ردحذف

إرسال تعليق

أفيدوني بانتقاداتكم وإطراءاتكم، أسعد بجميع الآراء

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

الغراب في التراث الشعبي: مقتبسات

قصائد من لوركا

مختارات من شوقي بزيع

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

ذكاء الغربان (مقتبسات)