ليديا ديفيس عند نهاية العالم (ج2)

حول تعلم النرويجية، والكتابة عن جمال عالم يحتضر


بقلم: آن فارثيز          .
ترجمة: أحمد ع. الحضري
   
اقرأ أولًا: ليديا ديفيس عند نهاية العالم (ج1) 

   
الهرطقة والتاريخ
   
تقودنا ديفيس إلى مكان يقدم طعامًا منزليًا، مع تصميم داخلي يلائم هذا الغرض: مناديلُ المائدة مصطفة فوق الطاولات الخشبية المتينة، بعض الأقوال المأثورة المطرزة تزين الحوائط. طاقم العاملين المرحب المكون بالكامل من نساء في الستينيات، يقدمن فطائر محلاه (بانكيك)، وهاش براونز (hash browns)، وبيض مع شرائح لحم الخنزير المقدد (bacon) على الخبز المحمص (toast)، وإمدادات لا نهائية من القهوة السوداء القوية. أمر يكاد يكون مؤسفًا أننا لسنا هنا لنتحدث عن الحُفَر الموجودة في الطرق المحلية.

"ما الذي وجدته مثيرًا للاهتمام في رواية تليمارك؟ "
   
"أنا مهتمة للغاية بالتاريخ، والمادة جذبتني. أيضًا تعاطفت بالكامل مع الإصرار الذي وجدته في مشروع سولستاد، كونه لا يكتب ليمتع أناسًا آخرين. افعل بالضبط ما تريد، هذه هي فكرتي. بعضهم سيحبها وبعضهم سيكرهها، ولا مشكلة في هذا. لقد شاهدتُ كتابًا يفعلون العكس، يحاولون الإرضاء، والنتائج عادة تظهر أن هذه فكرة سيئة. "

أيضًا، أستطيع بشكل ما أن أعرف أنه كتب بشكل جيد، نعم، إعادة سرد الحقائق قد يبدو أمرًا سطحيًا. لكني لاحظت أنه يغير نبرته أحيانًا، تصبح اللغة منمقة بشكلٍ أكبر، ويصبح هو أكثر بلاغة. هو دائمًا ما يكتب بشكلٍ جيد، لكن بشكلٍ خاص، استمتعت بالانتقالات بين الحقائق، والصوت الأكثر بلاغة الذي يعلق عليها. أنا متعايشة مع وجود قليل من الدراما."
    
"الكتاب يشتبك في جدلٍ ضد نوعين من الكتابة: الروايات التاريخة التي تضفي صبغةً أدبيةً على أناس الماضي بمنظور سيكولوجيا القرن العشرين. والكتابة التاريخية الحقيقية التي توظف إجراءات أدبية، مثل صياغة حوارات داخلية بشكل درامي لشخصيات نعرف القليل جدًا عنها."

"لا أحب هذا النوع من الكتابة التاريخيًا أنا أيضًا. وبالتأكيد لا أحب هذا النوع من الروايات التاريخية. لكني أجد التاريخ مثيرًا للاهتمام. مثلًا رغبتُ لوقتٍ طويل في الكتابة عن طائفة الكاثار (Cathars) في فرنسا. لقد كانوا جماعة دينية تم اضطهادها في جنوب فرنسا في القرن الثالث عشر، بسبب الشكل "الهرطقي" الذي تبنوه للمسيحية. اقترح عليَّ البعض أن أكتب رواية تاريخية عن الكاتار، لكن يجب أن أقول أنني أجدها فكرةً كريهة. "
   
"لماذا؟"
      
"لن أحاول أن أخمن ما فكر فيه راعي كنسي (shepherd) منذ 700 سنة. أكثر فأكثر يتجه اهتمامي ككاتبة إلى أخذ مادة حقيقية وخلق شيئًا ما منها. أستطيعُ أن أحرف الحقيقة بعض الشيء، ليس واجبًا عليَّ أن أكون مخلصة لها بالكامل، لكن ما يهمني أكثر فأكثر، هو ما حدث بالفعل. كانت تلك الفكرة بخصوص الكاثار في رأسي منذ 20 عامًا، لكني لم أقرر ما أفعله بها، وهذا كان سببًا آخر لسولستاد."


"هل تعلمتِ أيَّ شيءٍ تستطيعن استخدامه؟"
  
"نعم، بالتأكيد الجسارة في الاكتفاء بنقل ما حدث. لكن بالتأكيد عليك من ثم أن تكتب بشكلٍ جيد للغاية. لم تكن لتقوم بدورها لو لم يكتب بشكلٍ جيد، ولم تشعر بالعقل الذي يقف وراء الكتابة، الذكاء النشط الذي يقودك خلال كل هذه الحقائق.
  
"هل ساعد الوعي بتاريخ سولستاد الحافل -عمله نصف قرن ككاتب- على جعل الأمر أسهل في استشعار هذا الذكاء؟"
   
"ليست لديَّ أفكار مسبقة بخصوص هذا: لو كان هذا هو الكتاب الثاني لكاتب ماهر في السابعة والعشرين من عمره، أعتقد أنني كنت سأقبله، لو أنه تمت كتابته بنفس الثقة. انظر إلى الطريقة التي يبدأ بها، النغمة التأكيدية، التي يؤسس بها الكتاب القواعد التي تحكم قراءته – كان هذا ليكون مثيرًا للإعجاب بنفس القدر من كاتب أقل تحققًا."
   
    
ضد التخييل
    
يقول سولستاد: "بالنسبة لي جوهر الكتابة هو عدم تلفيق أشياء غير حقيقية". في "Can’t and Won’t" (لا أقدر ولن أفعل) لك قصتين، "غير مهتمة" (Not Interested)، و"كتابة" (Writing)؛ تعبر عن مشاعر ذات صلة: "الكتابة في العادة ليست عن الأشياء الحقيقية، وحتى حين تكون حول أشياء حقيقية، هي في العادة في ذات الوقت تحتل مكان بعض الأشياء الحقيقية" كما تقول الراوية في قصة "كتابة".
     
"من الصعب الحديث في هذا الموضوع دون أن أبدو سلبية للغاية –وأيضًا متناقضة. أحيانًا ما أقرأ رواية معاصرة ممتعة وجذابة. لكن معظم الوقت، أجد أن الوضع ليس كذلك، ومن ثم أغدو ساخطة على النوع كله، ولسانُ حالي يقول: ليس هكذا، نحن نقوم بالشيء نفسه لعقود، لم يعد هذا مثيرًا للاهتمام. بالطبع لو أنك تستطيع أن تقوم بذلك بطريقة مدهشة، من فضلك قم بذلك. لكني لا أجد الكثير من هذا. يبدو هذا سلبيًا للغاية وربما ساذجًا حتى، ويجب أن أعترف أني أضع استثناءات، مثلًا للأدباء الأكبر، الذين صمدوا في اختبار الزمن. لكن حين تدخل رواية معاصرة بعد الأخرى إلى البيت مصحوبة بتهليل صاخب، أجد في العادة أنها تختلف عما يقال عنها."
      
في "غير مهتمة" (Not Interested)، تقول الراوية "تعبت من الروايات والقصص، حتى الجيدة منها، أو ما يفترض أن تكون جيدة." أشعر هنا أن جيدة تعني متوسطة (mediocre)."
    
"النقطة هنا، هي أن مثل هذه الكتب لا تثير اهتمامي ككاتبة، رغم أنها مصنوعة بشكل معقول. لا أعتقد أني مهتمة فقط بالكتابة التجريبية، لكن المؤلفين الذين أحبهم يميلون إلى استخدام الواقع بشكلٍ ما أو على الأقل لا يكتبون خيال تقليدي. أحب بشدة و. ج. سيبالد (W.G. Sebald). وكذلك بيتر هاندكه (Peter Handke)، هو يمزج الخيال بالواقع، لكن ذلك لا يبدو لي مصطنعًا. رغم أنه بحكم طبيعته أي شيء تخلقه يكون مصطنعًا، هذا هو الفن. حتى كتاب سولستاد مصطنع، أو على الأقل تم التخطيط له، على مستوى ما. لهذا لا يوجد حقًا حكم وحيد يمكن أن ينطبق بسلاسة على كل هذه التناقضات."
   
"تقول الراوية في "غير مهتمة" (Not Interested) أنه مثل الروايات ينطبق الشي نفسه على الأصدقاء، هي لم تعد تحصل على الكثير من كونها بالقرب منهم كما كانت في السابق. ربما هذا ليس حكمًا يخص الأدب بشكلٍ عام، بل يخص العادات؟
   
يخص حالتها الذهنية.
   
"نعم. يمكن للواحد منا هذه الأيام أن يستشهد ب كارل أوف كناوزجورد (Karl Ove Knausgård)، أو جيف داير (Geoff Dyer)، أو ويل سيلف (Will Self) وآخرين فيما يخص أحكامًا مماثلة: الإحساس بزيف ما في الأدب التقليدي. لكن ربما بدلا من مناقشتها كأحكام عامة عن حال الرواية، يجب أن نعتبرها أحكامًا تخص التعامل مع منطق الإبداع؟ فكرة اجتناب التخييل تبدو أنها تقوم مقام عقبة يضعها الكتاب لأنفسهم، مجموعة محددات من أجل تسهيل الإبداع؟" 
   
"بالتأكيد لم أشعر قط بالحاجة إلى فكرة مثل هذه لتساعدني. بالنسبة لي كان الأمر تطورًا طبيعيًا. شعرت ببعض التردد حتى وأنا أكتب هذه القصة: "غير مهتمة" (Not Interested). هي قصة من نوع القصص الذي لا يحكي عني، لكنها تنمو من أشياء أفكر بها، رغم أني بمجرد أن أضعها على الورق، تتحول الذات لتغدو الشخصية التي تكتبها. هي أيضًا من نوع القصص التي تبدأ بشعور معين –وهو أن تكون غير مهتمٍ بأنواع بعينها من الكتابة- ووضع هذا الشعور في مقابل فكرة أخرى، وهي هذه التفاصيل التي تخص جمع العصي في الحديقة. يبدو الأمر وكأن القراءة أو الكتابة، هي نشاط بطيء مواظب. أستطيع أن أتحمل المهام المملة، لكن فجأة أستسلم. هذا الشعور بأنني " لا أستطيعُ أن أفعل هذا بعد الآن"، هو ما أثار اهتمامي. فجأة يمكن أن أشعر بالتعب من الأدب، والتعب من الصداقة، والتعب من الأحلام. يأتي هذا مع التقدم في السن: حين تكون في الخامسة والعشرين يبدو كل شيء مثيرًا للاهتمام.
   
تضحك ديفيس: " لكني لا أتعب من أشياء أخرى، كقراءة سولستاد! رغم أن آخرين قد يقولون أنهم لا يستطيعون تخيل شيئًا أكثر إملالًا. أجد الأمر مسليًا أن الناس يعتقدون أن محاولة قراءة كتاب بلغة لا تفهمها، هو أكثر الأشياء إثارة للملل في العالم. لو أنك مهتم بالكيفية التي يعمل بها الأدب، هذه الأشياء مثيرة للاهتمام."
    
   
أغنية لسلف بحار

تشرح ديفيس: "هيودسون هي مدينة لها تاريخ في صيد الحيتان" مشيرةً إلى العلامات العديدة للمجد البحري التالد. اتضح أيضًا أن التاريخ العائلي الذي تعمل عليه يتضمن أيضًا موضوعًا بحريًا.

"متى تدخل عائلتك إلى الصورة؟ "
    
أحدُ أسلافي كان قبطانًا بحريًا، ولوقت طويل أردت أن أكتب عنه. كان عم جد جدي، ولديَّ المذكرات التي كتبها في البحر، والتي يخاطب فيها زوجته."
     
"متى كان هذا؟"
     
في ستينيات القرن الثامن عشر. لقد نسخت مذكراته، ما أثار اهتمامي كان حقيقة أن أوصافه كانت في الغالب تتعارض مع معتقداتي فيما يخص حياة القبطان البحري. مثلًا كان يقرأ المجلات النسائية في قمرته بأسفل السفينة، وبكى تأثرًا بالقصص الموجودة بها! بمجرد أن تبدأ بقراءة هذه القصص الحقيقية، تجدها دائمًا مثيرة للانتباه بشكلٍ أكبر من القصص المتخيلة ذات الطابع الرومانسي عن البحر.
      
"وكيف ستعملين على تحويل هذا إلى قصة؟"
  
"حسنًا، هناك كتاب آخر أرغب في استخدامه كذلك، "عامان قبالة الصاري" (Two Years Before the Mast) للكاتب ريتشارد هنري دانا الأصغر (Richard Henry Dana Jr)، وهو كتاب مبهج كان يعد من الكلاسيكيات. كان دانا تلميذًا في هارفارد، ترك الدراسة لمدة عام ليصبح بحارًا. كتب ملاحظات تفصيلية، ربما قاصدًا أن يكتب كتابًا. دانا أراد أن يكتب ما حدث بالضبط، في محاولة للتعريف بحقيقة حياة البحر.
   
"كيف ستدمجين هذه المادة؟ "
   
"فكرتي كانت أن أستخدم مذكرات سلفي بطريقة مباشرة للغاية. أن أشرح التعبيرات والعادات التي لم تعد مفهومة، أن أستعين بنص دانا في الحواشي. على سبيل المثال، لو أن سلفي ذكر أن البحارة يغنون أغنية بعينها ... [تدندن ديفيس بنغمة قصيرة: ho ye ho hum] سأضع حاشية أو شيئًا من هذا القبيل، كي يتمكن دانا من شرح هذه الأغنية المغناة أثناء العمل. سيكون هذا النص متعدد الطبقات هو موقع تداخل دانا وإياي على فترات. صنعت كشافًا لكتاب دانا، لكن ظهر حينها خيط جديد. اتضح أن زوجته أيضًا عاشت حياة مثيرة للاهتمام، كتبت نصوصًا أدبية، وكانت كاتبة مستقلة (freelance writer). لذا تخيلت أنه من الأفضل أن أصنع سيرة مزدوجة لكليهما هو وزوجته... حينها تعقدت الأمور حقًا، لأنني بدأت أهتم بأجداد القبطان نفسه ... 
     
"ومن ثم جاء التفكير في علم الأنساب؟" 
  
نعم، ثم تبعت هذا الخيط حتى النهاية إلى خطابات عائلية من أيرلندا ترجع إلى ثلاثينيات القرن السابع عشر. هنا صارت الأمور صعبة. أين يتوقف المرء؟ 

"كيف ستتعاملين مع مشاكل الكتابة عن هؤلاء الأشخاص المشاهَدين من منظور عصرنا؟"
    
"لن أدعي قط أني أستطيع أن أعيد بناء حيواتهم. سأجعل من الجلي أنها محاولتي لرتق أحد الروايات. مع خلال هذه المادة، أظن أنه من المقبول أن أتحدث بصوتي الخاص، هذا يؤدي إلى أن سلفي، وأنا، ودانا نتحدث. سولستاد يفعل ذات الشيء، الدراما توجد في صوته، في تعليقاته ورؤاه، وهذا ينجح، يساعد في توصيل القارئ بالقصة، وهذا يختلف عن استخدام التخييل (fiction). يمكن أن يكون لك تعليقاتك كؤلف في سياق الكتابة التاريخية، ويمكن أن يوجد شكل من أشكال الدراما، دون أن تمس مملكة التخييل."
   
    
جمال الحقائق
        
"هناك كاتبٌ نرويجي غير أدبي اسمه إسبن سوبيي (Espen Søbye) –أشار إليه سولستاد كمصدر للإلهام- يعمل وفق ما أسماه "الطريقة الأرشيفية"، طريقة لا تسمح بأي استنتاجات، فقط حقائق." 
    
"فكرة السماح للبيانات بأن تتحدث، تفتح مشاكل حقيقية وتقريبًا غير قابلة للحل تخص الشكل. لقد قمت بكثير من البحث لصالح صديقة تبحث عن مصير عائلتها خلال الهولوكوست. كان متاحًا لي الوصول إلى كل سنوات دليل الهاتف في فيينا. وفي كل سنة بدءًا من أواخر الثلاثينيات وصعودًا إلى حوالي عام 42، كان هناك عددًا أقل فأقل من أعضاء عائلتها في الدليل. عامًا بعد عام، انخفض الرقم، اثنا عشر، سبعة، خمسة، أربعة، ثلاثة. وفي النهاية لا أحد. هذه الحقائق العارية على الصفحة تؤثر في المشاعر بدرجة كبيرة، ورد الفعل ينتج مباشرة عن المواد الأولية. لو أنك قمت بكل البحث، ثم عملت كثيرًا على تحرير كل شيء بالطريقة الصحيحة، لا أظن أن النتيجة ستكون مؤثرة كالاستجابات المباشرة للمادة الخام. هي مشكلة حقيقية." 
  
"هل تجدين جمالًا في الحقائق؟"
   
"نعم، أجد جمالًا عظيمًا في القصاصات الصغيرة المكتوبة بلغة واقعية قد تبدو معتادة بالنسبة للآخرين. جملة بسيطة من عينة: "مشوا محاذين للنهر" يمكن أن تبدو جميلة للغاية بالنسبة لي. لنفس السبب، أظن أنه من الأفضل أن آكل هنا عن أن آكل في مكان معتنى به بشكل أكبر، وأكثر أناقة – أستمتع بجمال شخصية هذا المكان المتفردة. لن يختار أي مصمم ديكور محترف هذا التصميم الداخلي، هم فقط علقوا الصور التي يحبونها، والستار التي أعجبتهم. كونك متفردًا يحمل قيمة كبيرة بالنسبة لي."
     
"قصصك تهتم حقًا بالتفاصيل الصغيرة للتجربة الفردية. في قصة "مرتاحة للغاية، لكن يمكن أن أرتاح أكثر قليلًا"(I’m Pretty Comfortable, But I Could Be a Little More Comfortable) تصف الراوية كيف أن " كم سترتي رطبٌ، وبرتقالتي أم سرة جافة قليلًا." كيف تحولين مثل هذه التفاصيل الصغيرة المأخوذة من الانشغالات الفردية إلى أدب؟"
    
"حسنًا، بعض هذه الإزعاجات تكون مضحكة بطبيعتها. تفاهتها مثيرةُ للضحك. أظن أن الأمر يتعلق بوصف ما لا يصفه الآخرون. كلنا يلاحظ صغائر من قبيل "إبهامي يؤلمني"، أو "قصبة أنفي جافة قليلًا"، لكننا لا نعتقد أنها تستحق الكلام عنها. لكن نقطتي هنا تعود إلى ما قاله بريمو ليفي (Primo Levi) عن أننا نستمع إلى الأخبار، ونسمع أن كذا وكذا قنبلة قتلت عدد كذا وكذا من الناس، لكننا نظل متضايقين بسبب إبهامنا الذي يؤلمنا، أو لأن الدش ليس قويًا كفاية. عدم وجود تناسب بين هذه المشاعر، لا يعني أن خطأً ما بنا. باستثناء حالات قليلة، نحن غير قادرين على تجاوز أحاسيسنا الحاضرة، والتفكير: أنا على الأقل سعيد أنني حي، فهناك الكثيرون غيري يعانون. يصف بريمو ليفي هذا في واحدٍ من كتبه: نغدو معتادين على كون الأشياء على ما هي عليه. حين نعاني نعلم الفارق، لكن حالما نعود مرة أخرى إلى وضعنا المريح ستضايقنا كل الامور الصغيرة مرة أخرى. 
    
حين تكتبين عن هذه الأمور يبدو أنك توازنين التعاطف مع جرعة صغيرة من السخرية؟"
    
"تم تنبيهي إلى موقع إلكتروني مكرس لما نسميه "مشاكل العالم الأول" (First World problems)، مشاكل من نوعية: "العربة التي أجرتها كان من المفروض أن يكون لونها كريمي (cream-colored) لكنها في الحقيقة بيج (beige). عنوان قصة "مرتاحة للغاية، لكن يمكن أن أرتاح أكثر قليلًا" مبالغٌ فيه لكشف هذا بالذات. هذا العنوان، الزائد عن الحد قليلًا، يظهر هذا التفاوت عن طريق المبالغة فيه. لكن القصة تدور أيضًا حول كون الأشياء الصغيرة مهمة للشخص الذي يحكيها، وكيف أننا لا نستطيع الهروب منها." 

وهي تستعد للرحيل، تستغل دافيس الفرصة لاختبار لغتها النرويجية: "Kvitto"، هل هذا ما تدعونه الفاتورة. Kan jeg få، هل يمكنني أن آخذ ... the kvitto؟ هل تقولونها هكذا؟ 
   
   
أبقار التغيير
    
بينما نمشي في اتجاه سيارة ديفيس نقابلُ رجلًا. تُعَرِّف أحدنا بالآخر. يتبادلان بعض الكلمات. بعدها تعود إليَّ.

"هل تعرفت على اسمه؟" 

   
"لا"
      
"كان هذا هيلتون آلس، هو يكتب للنيويوركر."

لاحقًا تلك الليلة، أقلب في المجلة. هيلتون ألس، له مقال عن إنجمار بريجمان. هيودسون حقًا هي امتداد لنيويورك.

بينما نعود للسيارة تتحول دافييس إلى مزاج استفهامي: 

"إذن، لقد كنت تسألني الكثير من الأسئلة. الآن أريد أن أسألك سؤالًا. أعتقد حقًا أننا نقترب من نهاية العالم. ماذا تشعر بخصوص هذا؟"
  
"ضحكة منفعلة. ماذا تقصدين؟" 
     
"أعني حرفيًا. أفكر في التغير المناخي، وأننا لا نفعل أي شيء بخصوص ذلك. أن الحياة كما نعرفها ستكون في الغالب قد انتهت خلال 50 عامًا أو شيئًا من هذا القبيل. نعم، يمكنك أن تضحك، لكن ألا تتفق معي؟"

   
"ربما ليس خلال 50 عامًا ..."
    
"خلال 20 سنة إذن! أفكر أن هذه المسألة ستبدأ في صبغ الطريقة التي أعيش بها، ومن ثم الطريقة التي أفكر بها. وكنتيجة لهذا ستخلق فارقًا في الطريقة التي اكتب بها." 
    
"هل ستصبحين سياسية بطريقة أكثر مباشرةً؟"
   
تقول ديفيس: "قد يحدث هذا، لكني لا أظن ذلك. الأكثر احتمالًا أنني سأصير أكثر وعيًا بمدى قيمة هذا كله. أظن أن العالم لن يظل هكذا في مستقبل ليس بعيدًا، وسيجعلني هذا أقدر ما هو هنا أكثر. أحاولُ ألا أغدو متشائمة بدرجة مبالغ بها – الواحد منا لن يعلم أبدًا أي تقنيات قد يتم صنعها لحل هذه المشاكل. على الرغم من هذا أظن أننا آخر من يرى هذا،" تشير إلى البرتقالي الناصع، والأحمر، والأصفر في الأشجار الواقفة قبالة سماء الخريف، فيما يبدو لتؤكد على فكرتها. 
   
"هل تعتقدين أن شيئًا ما يمكن أو سيتم عمله؟" 
    
"لا، في الواقع"
   
"كلانا يفترض أننا لا نستطيع فعل شيء. أليس هذا حزيناً بعض الشيء."
  
"نعم. كانت هناك مسيرة اعتراضية كبيرة بخصوص هذا في الأسبوع الماضي. ظننت أني قد أذهب، لكني لم أفعل ذلك. من جهة أخرى، نحن نعلم في أي اتجاه يسير أصحاب النفوذ. الوسيلة التي يمكن من خلالها تغيير الأمور، حسب رأيي، لن تكون هي تلك الاعتراضات الرمزية الصغيرة، لكن من خلال تصرفات عنيفة، هذا ما يستلزمه جذب الانتباه، أن يصير الناس غاضبين. لكننا حذرين بشكل مبالغ فيه. ما يستلزمه الأمر هو إضرابات ضخمة، لكن لن يقدر الكثير من الناس على المخاطرة بفقدان وظائفهم."
    
"هل سيؤثر هذا في كتابتك؟" 
    
"لابد. لا أعلم كيف. لن تتغير الطريقة التي أكتب بها عن أسلافي وعن الكاثار. في هذا الجانب ستظل كتابتي كما هي. لكن ربما سأرى بشكل أوضح ماذا أستطيع أن أفعل. أن أصر على تقدير ما نملكه هنا، ليس فقط الجمال الطبيعي، لكن أيضًا جمال التاريخ البشري، جمال الأرشيفات، وهكذا. لم لا نستمتع فحسب بالغنى الذي نملكه بالفعل، بدلًا من محاولة خلق المزيد من الثروات."
    
"تبنين عملك على ملاحظات للبشرة الجافة أو حالة جواربك، وتنتهين بقصص تنتفح لتغدو اندهاشًةً متسعة العينين في مواجهة الخبرات اليومية. يمكن أن أسأل: لم تهتمين ببشرة جافة في كوعك بينما يتجه العالم نحو الجحيم؟ على الرغم من الموضوع الضمني الذي يتمثل في "مشاكل العالم الأول"، يبدو أنك قادرة على جعل هذه الملاحظات اليومية ذات مغزى مرة أخرى. هل هذا هو مشروعك؟ "
   
" ترد ديفيس بسرعة: "لا"، لا يوجد شك في صوتها. "ليس لدي مشروع، أي مشروع على الإطلاق. أو لو أن لديَّ مشروع فهو منفصل عما أفعله بالفعل. قد أتمنى أن أغير العالم، لكني لا أكتب أبدًا محاولةً أن أفعل هذا. أكتب فقط ما أرغب في كتابته، وهذا ينبع من الشخص الذي أنا عليها. فلنأخذ على سبيل المثال القصة عن الأبقار في مجموعتي الجديدة. لدي مشاعر قوية حول المزارع الصناعية للحيوانات (factory farming) و حقوق الحيوان (animal welfare). مع هذا، لا أضع هذا بشكل مباشر في قصة من هذا النوع. لو كانت هذه هي الفكرة، سأفضل أن أكتب خطابًا للمحرر، أو تعليقًا، أو بيانًا (مانفستو). قصة "الأبقار" نبتت من حقيقة أني أهتم بالحيوانات، لكن لن أستنهض الهمم لصالحها في هذه القطعة الأدبية. 
   
"رغم عدم وجود نية مباشرة لديكِ لتغيير آراء الناس، ربما سيحدث هذا على أي حال من خلال قراءة قصصك؟ " 
   
"نعم، هذه هي الفكرة! رغم أني لا أكتب أبدًا بهذه النية، لو بدأ الناس في النظر حقًا للأبقار، قد يرونها بشكل جديد، وقد يبدأون في التفكير بشكل مختلف حول هذه المسألة. دائمًا ما أرغب في كتابة نص فعال، نص مؤثر، حتى لو أثر عليَّ أنا فقط. لا أكتب عن الحيوانات لأغير آراء الناس. رغم هذا، أعتقد أن القدرة على رؤية الأشياء، رؤيتها بشكل جيد، يمكن أن تغيرك، وتغير الطريقة التي تفكر بها. لا أتحرك بحثًا عن الموضوعات، ككاتبة أرغب أن أكون منفتحة، ومتقبلة لما يوجد في العالم." 
   
"إذن لن تفتقري أبدًا إلى موضوعات يمكن أن تكتبي فيها؟ " 
        
"من المفترض لا. إن لم ينتشر هذا الشعور بأني "غير مهتمة"، من حسن الحظ العالم مليء بأشياء يمكنني أن اهتم بها. ربما هذا هو الشيء الوحيد الذي نستطيع فعله، الكتابة حول الجمال الكائن في العالم. ربما نكون آخر من يختبر هذا الشعور. 
   
(نشرت المقابلة الأصلية في ترجمتها الإنجليزية في المحور الأدبي (Literary Hub) في 9 أبريل 2015)

تعليقات

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

قصائد من الشعر الأفريقي المعاصر

مقتطفات عن أينشتاين

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

Mr. Nobody

النسبية الثقافية ؟