ثقافة القرود (مقتطفات)



تعتمد أغلب الكائنات الحية على الأرض على معلومات زرعت في جهازها العصبي أكثر جدًا من المعلومات المكتسبة من خارج خواصها الوراثية. أما عند الإنسان، بل عند جميع الحيوانات الثديية، فالعكس هو الوارد. فبينما تتحكم العوامل الوراثية في العديد من خواصنا، فإن لدينا فرصة تتيحها عقولنا لنكتسب خواصًا سلوكية في فترة صغيرة، بل إن جنسنا قد تمكن في فترة صغيرة جدًا من حياته من اختراع طرق لتخزين المعلومات خارج الجسم، لعل أهمها الكتابة. 
  
إن مدة التطور (أو التغير الوراثي) طويلة جدًا، ففترة التغير من نوع إلى آخر قد تستغرق مئات الألوف من السنين، وكثيرًا ما ينتج بعد كل فترة اختلاف ضئيل بين الأنواع (النمور والأسود مثلا). وكمثال للتطور الحديث في جنسنا البشري، يمكننا أن نتذكر ما حدث للأصبع الكبير في القدم، فإن له أهمية في حفظ التوازن، أما الأصابع الأخرى فلا قيمة تذكر لها. ولكنها تتطورت من أصابع مخصصة للقبض على فروع الأشجار، كما تفعل القردة، وقد تطورت أصابع أقدام الغوريلا (التي لا تتسلق الأشجار) إلى ما يشبه أصابع الإنسان.  
   
ولكننا لا نحتاج الآن إلى ملايين السنين لنتطور، فنحن نعيش في عالم يتغير بسرعة بالغة. ورغم أننا نصنع هذه التغيرات بأنفسنا، فيجب علينا أن ننتبه إليها وأن نتحكم فيها وإلا اندثرنا، ولابد من استعمال أجهزة خارجية للتعامل مع التغيرات السريعة التي يواجهها جنسنا.
 
(المقدمة )

*** *** ***


والنوع هو مجموعة من الحيوانات تنتج بتزاوجها ذرية خصيبة. فتزاوج سلالات مختلفة من الكلاب – مع الاختلاف الشديد في أشكالها – ينتج عنه كلاب مخصبة. أما التزاوج بين الأنواع المختلفة – حتى لو تشابهت مثل الحصان والحمار – فإنه ينتج عنه نسل عقيم (بغل في هذه الحالة). والتزاوج بين بعض المجموعات المتباينة مثل الأسود والنمور يحدث أحيانًا وينتج عنه نادرًا نسل خصيب، وهذا ما يحدد من قيمة تعريفنا للنوع. على العموم فإن كل فرد من الجنس البشري عضو في نوع واحد من الأحياء، هو الإنسان العاقل (Homo Sapiens) وكان أجدادنا: الإنسان القادر على استعمال يديه (Homo Habilis) والإنسان الواقف (Homo erectus) (وهي أنواع قد انقرضت) يوصفون بأنهم من "الجنس" Homo  نفسه ولكنهم من أنواع مختلفة. ونحن لا نعرف عن تجربة تزاوج بين هذه الأنواع.

في العصور القديمة كان من المعتقد أنه من الممكن إنتاج نسل من التزاوج بين أحياء مختلفة جدًا: فالميناتور Minataur الخرافي الذي ذبحه ثيسيوس Theseus  كان مفترضًا أنه من نتاج تزاوج امرأة مع ثور. وزعم المؤرخ بليني Pliny أن النعامة هي نتاج تزاوج بين زرافة وبعوضة (رغم صعوبة تصور آلية تنفيذ مثل هذا الحدث). وعلى العموم فإنه من الممكن تفهم أن العديد من أنواع هذه التزاوجات لم تجرب لغياب الدافع الطبيعي. 

(الفصل الثاني: المخ والجينات)

*** *** ***
      
وُفق جاردنر وزوجته إلى فكرة رائعة وهي تعليم الشمبانزي لغة الإشارة الأمريكية المسماة "أمسلان" وتسمى أحيانا لغة الصم والبكم، وهي تتلاءم تمامًا مع مقدرات الشمبانزي التشريحية. ولها أيضًا كل الخواص المهمة للغة المنطوقة. 
   
….
لدينا الآن مكتبة ضخمة تضم وصف وتسجيلات المحادثات التي تتم بلغة الإشارة "أمسلان" وغيرها من لغات الإشارة مع لافا ولوسي وواشي وغيرها من حيوانات الشمبانزي التي درسها جاردنر وزوجته وغيرهما. وتستطيع حيوانات الشمبانزي بهذه اللغات تمييز مائتي كلمة والتفريق بين أشكال النحو وتركيب الجمل المختلفة. وعلاوة على ذلك فقد كانت قادرة على تكوين كلمات وجمل جديدة.
    

عندما رأت واشو لأول مرة بطة تعوم في بركة وصفتها بإشارة تقول "طائر الماء" وهو تعبير اخترعته واشو. لم تكن لافا قد رأت من قبل فاكهة مستيرة غير التفاح، ولكنها كانت تعلم الألوان الأساسية، وعندما رأت فني معمل يأكل برتقالة وصفتها بأنها التفاحة البرتقالية. وبعد أن أكلت بطيخًا، وصفته لوسي بأنها "الفاكهة التي تشرب" (وهي جملة تعادل Water melon) وعندما احترق فمها من أكل فجل حار وصفته بأنه "أكل البكاء المؤلم". وعندما رأت واشو عروسة (لعبة) في فنجانها، قالت: "طفلٌ في مشروبي"، وعندما كانت واشو تتبرز على ملابسها أو على فرش المنزل كان يقال لها "قذرة" واعتبرتها هي سبًا،  فعندما كان يضايقها قرد معين كانت تقول له "قرد قذر، قرد قذر، قرد قذر". وأحيانًا كانت تداعب المشرفين بقولها: "يا جاك يا قذر أعطني أشرب". وفي لحظة غضب وصفت لافا مدربها بقولها "يا براز أخضر you green shit". واستطاعت لوسي أن تميز بين "روجر يزغزغ لوسي" Roger tickle Lucy و "لوسي تزغزغ روجر" Lucy tickle Roger وهي تمارس أيًا من النشاطين بحماس. 

يشتهر بويس رينزبرجر، مراسل النيويورك تايمز بالحساسية والموهبة. كان والداه غير قادرين على الكلام أو السمع، ورغم ذلك فقد ولد طبيعيًا وظل كذلك. وبسبب حالة والديه، فإن لغته الأولى (لغته الأم) كانت لغة الإشارة. بعد عودته من مهمة لعدة سنوات بأوروبا، كانت أول أعماله زيارة لتجربة آل جاردنر مع واشو. يقول رينزبرجر: "بعد مضي بعض الوقت مع الشامبانزي، اكتشفت فجأة أنني أتحدث مع أحد أعضاء جنس آخر بلغتي الخاصة". وفي الحقيقة، فإن رينزبرجر كان يتحدث مع الشامبانزي بلغتهما المشتركة، وهي لغة الإشارات. 
  
...
في بدء تعليم واشو لغة الإشارات، كتب جاكوب برونوسكي Jacob Bronwki ورقة علمية ينكر قدرة واشو على استعمال لغة الإشارات لعدم وجود بيانات كافية لديه، فلم تكن واشو قادرة على التساؤل أو النفي. ولكن التجارب أثبتت بعد ذلك قدرة الشمبانزي على التساؤل وعلى نفي ما يقال لها. ومن الصعب رؤية أية فروق أساسية بين استعمال الشمبانزي للغة الإشارة واستعمال الأطفال للغة الكلام، وهو ما نعتبره علامة على الذكاء. ولا يسعني وأنا أقرأ بحث برونوسكي إلا الشعور ببعض الشوفونية الإنسانية كصدى لمقولة لوك: "الحيوانات لا تجرد". في عام 1946 قال عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي لسلي هوايت Leslie white: "إن سلوك الإنسان هو سلوك رمزي، والسلوك الرمزي هو سلوك الإنسان". فماذا كان سيقول هوايت عن واشو ولوسي ولافا؟ 

لهذه الاكتشافات عن ذكاء لغة الشمبانزي مغزى، وهو فكرة أن وزن المخ أو على الأقل نسبته إلى وزن الجسم هو دليل مفيد عن الذكاء. ويقال ضد هذه النقطة أن حجم المخ في الآدميين المصابين بضمور المخ microcephalic يتداخل مع وزن المخ الأكبر عند الشمبانزي والغوريلا. ومع ذلك فإن الإنسان المصاب بضمور المخ يمكنه الكلام (وإن كان مرتبكًا)، أما القردة فلا يمكنها ذلك. ولكن القدرة على الكلام موجودة فقط في عدد قليل من ضحايا ضمور المخ، ولعل أحد أجمل وصف لسلوك المصابين بهذا المرض هو وصف كورساكوف الطبيب الروسي الذي راقب مريضة تدعى ماشا. كانت ماشا تفهم الأوامر وبعض الأسئلة، وكانت أحيانًا تتذكر طفولتها، كما كانت أحيانًا تثرثر بما لا معنى له. وصف تصرفاتها شبه الآلية في الأكل: عندما يقدم لها الأكل على المائدة تأكل، وعندما يرفع الأكل فجأة عن المائدة تتصرف وكأن عملية الأكل قد انتهت فتشكر المسؤولين. فإذا أعيد الأكل أمامها، تأكل مرة أخرى. وكان من الممكن تكرار للعديد من المرات. ونحن نرى أن لوسي أو واشو كانتا ستتصرفان بطريقة أكثر منطقية نحو الأكل عن ماشا. 
  
...
عندما تكون الاتصالات مهمة للحياة، فإن لدينا أدلة على أن القردة تستطيع نقل هذه الخبرة عن طريق "المعلومات خارج الجسد" أو المعلومات الثقافية. لاحظت جين جودال قردة صغيرة في الغابة تتعلم من أمهاتها كيف تستعمل فروع شجرة في استخراج النمل من شقوقها لأكلها. 
  
لوحظت سلوكيات معينة، وهناك إغراء شديد بوصفها بأنها ثقافات مختلفة بين القبائل المتعددة من البابون والماكاك وغيرها من الحيوانات الرئيسية. لوحظ مثلا أن بعض القردة تأكل بعض الطيور بينما لا تفعل ذلك القبيلة المجاورة. ولدى كل قبيلة صيحة معينة قد تعني "اجر فهناك حيوان مفترس"، ولكن هذه الصيحات تختلف من قبيلة إلى أخرى، فهناك لهجات مختلفة. 
   
وقد وقعت تجربة أكثر إثارة بالصدفة على يد عالم ياباني للحيوانات الرئيسية. فعند محاولته لحل مشكلة الجوع بين قردة الماكاك في إحدى جزر جنوب اليابان لقلة مصادر الغذاء، ألقى العالم حبوبًا من القمح على رمال الشاطئ. كان من الصعب طبعًا استخلاص القمح حبة بحبة من الرمال، فهي عملية قد تستنفد من الطاقة أكثر مما يحصل. ولكن أحد قردة الماكاك الأذكياء - وأطلق عليه اسم "إيمو Imo" ألقى بحفنه من الحبوب المختلطة بالرمال في ماء المحيط، وبينما تطفو الحبوب على الماء فإن الرمل يسقط للقاع، وهكذا تمكنت القردة من أكل الحبوب، وقلدتها القردة الصغار فانتشرت العادة في الجيل الثاني وأصبحت كل قردة الماكاك على الجزيرة قادرة على استعمال الماء في فصل الحبوب. ولعل هذا يصلح مثالًا لتقليد ثقافي عند القردة. 

ترينا الدراسات على جبل تاكاساكياما في شمال كيوتر في اليابان التي يقطنها أيضًا  قرد الماكاك نموذجًا آخر للتطور الثقافي. فعندما يلقي زوار الجبل بالحلوى الملفوفة في ورق للقردة - وهي عادة منتشرة في حدائق الحيوانات في اليابان، ولكنها غير مألوفة للقردة الحرة - لاحظت إحدى القردة الصغيرة أنه من الممكن إزالة الغلاف الورقي من الحلوى قبل أكلها؛ فتعلم الزملاء والأمهات العادة سريعًا، واستغرقت فترة "انتقال الثقافة" حوالي ثلاث سنوات، والاتصالات الجسدية غير اللغوية بين الحيوانات الرئيسية الحرة كثيرة الثراء مما ينفي الحاجة إلى لغة الإشارات، ولكن إذا اشتدت الحاجة إلى لغة الإشارات عند الشمبانزي، فلا ينتابنا أي شك في أنها ستصبح موروثًا ثقافيًا بين الأجيال. 
    
...
إذا كانت للشمبانزي وعي وإذا كانت قادرة على التجريد، أليس لها الحق الآن فيما نطلق عليه اسم "حقوق الإنسان"؟ أي حد من الذكاء يجب أن تبلغه الشمبانزي قبل أن نعتبر قتلها جريمة؟ أية صفات يجب أن تظهرها قبل أن يعتبرها المبشرون مستحقة للإرشاد الديني؟ 

منذ فترة قريبة صحبني باحث كبير للحيوانات الرئيسية في زيارة لمعمله، دخلنا ممر طويل تمتد على جانبيه أقفاص الشمبانزي. كان بكل قفص حيوانان أو ثلاثة، وكانت الأقفاص مماثلة للموجودة في مثل هذه المؤسسات أو في حدائق الحيوانات التقليدية. عندما اقتربنا من أول قفص أبرز سكانه أنيابهم وقذفوا المدير ببصاقهم بدقة بالغة حتى أغرقوا بدلته الأنيقة، ثم بدأوا في إطلاق صيحات متقطعة امتدت وتضخمت في باقي الأقفاص مع صوت ارتجاج حديدها. قال لي المدير إن ما يقذفونه يكون أحيانًا غير البصاق! ونصحنا بالانسحاب. [رأي المترجم الشمبانزي في حديقة حيوان الجيزة يقذف المتفرجين ببوله بعد جمعه في يده]، وذكرني هذا بأفلام الثلاثينيات والأربعينيات حيث كان المساجين يدقون بأدوات الأكل على أقفاصهم الحديدية عند ظهور حارسهم المستبد. 

كانت الشمبانزي بحالة صحية جيدة وكانت تغذيتها ممتازة. فإذا كانت مجرد حيوانات والحيوانات لا تجرد، فإن المقارنة تصبح لا معنى لها . ولكن الشمبانزي تستطيع التجريد وهي -مثل غيرها من الحيوانات الثديية- قادرة على المشاعر العميقة. وهي لم ترتكب أية جرائم. ليس لدىَّ أية إجابة عن هذا السؤال ولكني أظن أنه من الواجب أن نسأل أنفسنا: لماذا توضع الشمبانزي في السجون في كل بلدان العالم؟     
   
...
ولكن أية ثقافة كانت ستملكها الشامبانزي بعد مائة أو ألف عام إذا استطاعت أن تجيد لغة إشارات متقدمة؟ وإذا وجد مثل هذا المجتمع من الشمبانزي فكيف ستفسر نشأة اللغة؟ هل ستذكر الشمبانزي آل جاردنر والعاملين في مركز يركس كأبطال الأساطير أو آلهة من جنس آخر؟ هل ستوجد أساطير مثل قصة برومثيوس أو ثوث عن كائنات سماوية أعطت منحة اللغة للشمبانزي؟ لعل لغة الإشارات للشمبانزي لها مغزى مثل فقرة من فيلم أوقصة "A Space Odysse-2001" وفيها يعلم زوار الحضارات الخارجية أجدادنا من الهوميند أسرار اللغة. 
   
(الفصل الخامس: التجريد عند الحيوانات)
      
مقاطع من كتاب:
تنينات عدن: تأملات عن تطور ذكاء الإنسان
تأليف: كارل ساجان
ترجمة: سمير حنا صادق
___________


اقرأ أيضًا: 

التقويم الكوني

المخ والأحلام (مقتطفات)

NY Judge to Consider Claims That Chimpanzees Are 'Legal Persons'

تعليقات

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

مقتطفات عن أينشتاين

قصائد من لوركا

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

ما هو الفن الطليعي؟ (Avant Garde)

قصائد من الشعر الأفريقي المعاصر