27 نوفمبر، 2014

مقاطع من كتاب: "المؤمن الصادق: أفكار حول طبيعة الحركات الجماهيرية"

غلاف الكتاب

"يود الإنسان أن يكون عظيمًا ويرى أنه صغير، ويود أن يكون سعيدًا ويرى أنه شقي، ويود أن يكون موضع الحب والتقدير من الناس، ويرى أن أخطاءه لا تجلب سوى كراهيتهم واحتقارهم.
إن الحرج الذي يقع فيه نتيجة هذا التناقض يولد لديه أسوأ النزعات الإجرامية التي يمكن تخيلها، ذلك أنه يبدأ في كره الحقيقة التي تدينه وتريه عيبه." 
باسكال

*** *** ***


تكمن فينا جميعًا نزعة إلى البحث، خارج أنفسنا، عن العوامل التي تصوغ حياتنا، يرتبط النجاح أو الفشل عادة في أذهاننا بما يدور حولنا. وهكذا ترى أن الأشخاص الراضين عن أنفسهم يعدون العالم طيبًا ويحاولون المحافظة عليه، بينما نجد المحبطين يفضلون التغيير الجذري. 
 
إن النزعة إلى البحث عن أسباب خارج أنفسنا تستمر، حتى عندما يكون من الواضح أن وضعنا هو نتيجة عوامل داخلية، كقدرتنا أو شخصيتنا أو مظهرنا أو صحتنا، وهلم جرا. يقول هنري ديفيد ثورو: عندما يشكو المرء شيئًا يحول بينه وبين القيام بواجباته، حتى عندما يجد ألما في أمعائه .. فإنه يبادر لإصلاح العالم. 
 
من المفهوم أن الفاشلين ينزعون إلى تحميل العالم جريرة فشلهم. إلا أنه من العجيب أن الناجحين، بدورهم، مهما كان اعتزازهم بحصافتهم وخبرتهم وتوفيرهم، وبقية هذه الخصال الحميدة، يؤمنون، في قرارة أنفسهم، أن نجاحهم جاء نتيجة المصادفات والحظ السعيد. إن ثقة أكثر الناس نجاحًا في أنفسهم ثقة ناقصة؛ لأنهم ليسوا متأكدين من أنهم يعرفون كل العوامل التي كانت وراء نجاحهم. 
  
يبدو العالم الخارجي، من وجهة نظر هؤلاء، آلة تدور على نحو يستحيل ضبطه أو توقعه، وما دامت هذه الآلة تدور في صالحهم فإنهم يتجنبون العبث بها. وهكذا نرى أن الرغبة في التغيير والرغبة في مقاومة التغيير تنبعان من المصدر نفسه: الإيمان بتأثير العوامل الخارجية. 
  
*** *** ***
 
إن عدم الرضا، في حد ذاته، لا يخلق بالضرورة رغبة في التغير: لا بد من وجود عوامل أخرى قبل أن يتحول عدم الرضا إلى تذمر، وأحد هذه العوامل هو الإحساس بالقوة. 
  
إن الذين يخافون محيطهم لا يفكرون في التغيير مهما كان وضعهم بائسًا. عندما يكون نمط حياتنا مضطربًا واهيًا إلى درجة تمنعنا من التحكم في ظروفنا المعيشية، فسبيلنا الاحتماء بما هو مألوف. إننا نقاوم شعورنا بالخوف بإخضاع وجودنا لروتين ثابت، ونوهم أنفسنا أننا نستطيع، بهذه الوسيلة تجنب أي مفاجآت. وهكذا نجد الصيادين والبدو الرحل والمزارعين الذين يعتمدون على تقلب الطقس، والفنانين الذين ينتظرون الإلهام، والرجل البدائي الذي يخشى محيطه، يخافون التغيير ويواجهون العالم كما يواجهون قضاة يتحكمون في مصيرهم. 
  
كما أن الفقراء فقرًا مدقعًا يرهبون محيطهم ولا تراودهم رغبة في التغيير. تبدو الحياة خطرة عندما يتهددنا الجوع والبرد. من هنا نجد عند الفقراء نزعة محافظة بعمق النزعة المحافظة عند الأغنياء، وهذه النزعة لدى الطرفين عامل مهم في إبقاء الأوضاع قائمة. 
  
إن الأشخاص الذين يندفعون لإحداث تغييرات واسعة يشعرون عادة، أنهم يمتلكون قوة لا تقهر، كان الجيل الذي صنع الثورة الفرنسية يؤمن إيمانًا قاطعًا بقوة العقل البشري الخارقة، وبالآفاق غير المحدودة المفتوحة أمام الذكاء البشري. يقول دي توكوفيل عن هذه الحقبة: إن الإنسانية لم تشعر قبلها قط بهذا الاعتزاز بنفسها وهذه الثقة بقوتها. وجنبًا إلى جنب مع هذه الثقة المفرطة بالنفس كان هناك ظمأ عالمي إلى التغيير سكن كل العقول بسهولة. ومن ناحية أخرى، كان لدى لينين والبلاشفة الذين انطلقوا بلا حذر يخلقون الفوضى التي تستهدف إيجاد عالم جديد إيمان أعمى بقوة المذهب الماركسي. أما النازيون فلم يكن لديهم مذهب يماثل المذهب الماركسي قوة، ولكنهم آمنوا بقائد معصوم يقودهم إلى حياة جديدة. من المشكوك فيه أن تحقق النازية ما حققته من نجاح لولا الاعتقاد بأن الخطط العسكرية المبتكرة التي اتبعتها ألمانيا والدعاية الفاعلة جعلت ألمانيا قوة لا تقهر.
  
حتى الرغبة الواعية في التطور لا بد أن تكون مدعومة بالإيمان، الإيمان بطيبة الطبيعة البشرية والإيمان بقوة العلم المطلقة. وهذا النوع من الإيمان فيه شيء من التحدي وشيء من الهرطقة، شأنه شأن إيمان الذين يقول عنهم العهد القديم: "بنوا مدينة وصرحًا يصل إلى السماء، وتصوروا أنه لا شيء مما حلموا به يمكن أن يستعصي عليهم."
  
*** *** ***
  
قد يبدو، للوهلة الأولى أن امتلاك القوة سيؤدي، في حد ذاته، إلى موقف يتحدى العالم ويتطلع إلى التغيير، إلا أن الأمور لا تسير بالضرورة على هذا النحو. قد يكون القوي وديعًا وداعة الضعيف. ما يهم ليس امتلاك القوة، ولكن الإيمان المطلق بالمستقبل. عندما يغيب هذا الإيمان تصبح القوة داعمة للأوضاع القائمة ومناهضة للتغيير. وعلى العكس، عندما يكون هناك أمل لا حدود له في المستقبل فإن الأمل حتى عندما يفتقر إلى القوة، يمكن أن يقود إلى مغامرات يائسة. سبب ذلك أن المشحونين بالأمل يستمدون القوة من أغرب المصادر. من شعار أو كلمة. إن الأمل الفاعل المحرك لا بد أن يكون أملا في المستقبل. وهكذا نجد أن المذهب الفاعل، بالإضافة إلى كونه مصدرًا للقوة لا بد أن يدعي أنه يملك مفاتيح المستقبل. 
    
إن الذي يحاولون تغيير أمة ما أو تغيير العالم لا يستطيعون تحقيق هدفهم بتوليد التذمر واستثماره. أو بإثبات أهمية التغييرات المنشودة وضرورتها، أو بإجبار الناس على تغيير أسلوب حياتهم. على الراغبين في التغيير أن يوقدوا الآمال الجامحة، وليس من المهم أن ترتبط هذه الآمال بجنة سماوية أو بجنة على الأرض، أو تنصب على نهب ثروات هائلة من دول أخرى، أو على السيطرة على العالم. إذا نجح الشيوعيون في الفوز بأوروبا وبجزء كبير من العالم، فلن يكون هذا لأنهم استطاعوا إشاعة التذمر والكراهية، ولكن لأنهم عرفوا كيف يشعلون في النفوس الآلام الجامحة.
    
*** *** ***
   
إن الفارق بين المحافظين والراديكاليين هو في الأساس فارق بين مواقفهم من المستقبل، يدفعنا الخوف من المستقبل إلى أن نتمسك بالحاضر، بينما يجعلنا الأمل في المستقبل متحمسين للتغيير. كل من الغني والفقير، والقوي والضعيف، والناجح والفاشل، قد يكون خائفًا من المستقبل. عندما يبدو الحاضر في أعيننا مثاليًا، بحيث إن أقصى ما يمكن أن نتوقعه هو استمراره في المستقبل، فإن التغيير بالنسبة لنا لا يعني سوى تدهور الوضع. ولهذا نجد رجالا حققوا الكثير من المنجزات، ورجالا يعيشون حياة مليئة نشطة يقفون عادة، ضد أي تغيير جذري. والمحافظة التي تميز المرضى المقعدين وكبار السن تنبع بدورها من الخوف من المستقبل. يخشى هؤلاء أن يأتي المستقبل ومعه المزيد من علامات الضعف والوهن ويشعرون أن أي تغيير سوف يكون إلى الأسوأ. كما أن الفقراء فقرًا مدقعًا لا يشعرون بأي أمل في المستقبل الذي يبدو كما لو كان فخًا منصوبًا أمامهم عليهم أن يتحاشوه. عند هؤلاء كلهم لا يعني التغيير سوى المتاعب. 
   
إلا أن الصورة تختلف تمامًا عندما يدخلها الأمل. لا تهم طبيعة الشخص الذي يحركه الأمل الجامح، قد يكون مثقفًا متحمسًا، أو مزارعًا يتوق إلى المزيد من الأرض، أو نبيلا أرستقراطيًا، أو تاجرًا أو صانعًا أو عاملا بسيطًا. كل هؤلاء يتحدون الحاضر، ويدمرونه عند الضرورة، ويخلقون العالم الجديد الذي يمكن أن يحقق آمالهم. وهكذا نجد أنه يمكن أن تكون هناك ثورات يقودها أغنياء، بالإضافة إلى ثورات يقودها فقراء. بدأت في بريطانيا في القرنين الساد والسابع عشر ثورة ملاك، وكانت تستهدف تعزيز الملكيات الفردية وقصرها على ملاكها بدلا من بقاء جزء منها مشاعًا كما كان عليه الوضع. نتيجة هذه الحركة أصبحت صناعة الصوف طريقًا إلى الرخاء، بينما أصبح الرعي أكثر جدوى من زرع المحاصيل. عندما قام  الملاك بطرد المزارعين العاملين لديهم، وأغلقوا أراضيهم في وجوه العامة، أحدثوا تغييرات عميقة في نسيج البلاد الاقتصادي والاجتماعي. "كان اللوردات والنبلاء يهدمون النظام الاجتماعي القائم، ويزيلون قوانين وأعرافًا قديمة بالعنف حينًا. وبالضغط أحيانًا". كما قامت في انجلترا ثورة أغنياء ثانية مع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وهي الثورة الصناعية. ألهبت الاحتمالات المثيرة الجديدة التي تكشفت عنها الميكنة عقول الصناع والتجار، فقادوا ثورة لا تختلف في مداها وعنفها عن أي ثورة دينية. استطاع هؤلاء المواطنين الأغنياء خلال مدة قصيرة نسبيًا تغيير وجه الحياة في بريطانيا تغييرًا كاملًا. 
    
عندما تصطرع الآمال والأحلام الصاخبة في الشوارع، فعلى المواطنين المسالمين أن يدخلوا بيوتهم ويغلقوا أبوابهم ونوافذهم، حتى تنتهي الفورة. هناك فرق شاسع بين الآمال التي تبدو رقيقة نبيلة وبين الأفعال الفظيعة التي تتبعها. تخطر الآمال كفتيات رائعات الجمال يرقصن ويغنين إلا أن سرعان ما يتبعهن جيش رهيب يحمل الموت والخراب.
    
*** *** ***
    
لا بد لكي يندفع الرجال في مغامرة تستهدف تغييرًا شاملا من توفر عدة شروط. لا بد أن يشعروا بالتذمر من غير أن يكونوا فقراء فقرًا مدقعًا. ويجب أن يكون لديهم الشعور بأنهم عبر اعتناق العقيدة الصحيحة أو اتباع الزعيم الملهم، أو اعتناق أساليب جديدة في العمل الثور، سيصبحون قوة لا تقهر. بالإضافة إلى ذلك كله، يجب أن تكون لديهم تطلعات جامحة إلى المنجزات التي ستجيء مع المستقبل. وفي النهاية يجب أن يكونوا جاهلين جهلا تامًا بالعقبات التي ستعترض طريقهم. لم يكن لدى الرجال الذين أشعلوا الثورة الفرنسية أي قدر من الخبرة السياسية. والشيء نفسه يصدق على البلاشفة والنازيين والثوار في آسيا. أما الرجال المجربون ذوو الخبرة فيأتي دورهم في مرحلة لاحقة: لا ينضم هؤلاء إلى الحركة إلا بعد التحقق من نجاحها. ولعل خبرة المواطنين الإنجليز بالسياسة هي التي تجعلهم بمنأى عن الحركات الثورية.
      
*** *** ***

هناك فارق أساسي بين جاذبية الحركات الجماهيرية وجاذبية المنظمات العملية (كالأحزاب السياسية التقليدية والنقابات وتجمعات المهن الحرة).

تقدم المنظمة العملية لأعضائها فرصًا لتطوير الذات، وتكمن جاذبيتها في تحقيق المصلحة الذاتية لأعضائها. وعلى النقيض من ذلك، نرى أن الحركة الجماهيرية، خاصة في مرحلتها الأولى النشطة لا تجذب أولئك الذين يحبون أنفسهم، ويحرصون على تطويرها،  بل تستميل أولئك الذين يودون أن يتخلصوا من أنفسهم نهائيًا. تستطيع الحركة الجماهيرية أن تجذب أتباعًا وتحتفظ بهم، لا لأنها تلبي الحاجة إلى تطوير الذات، ولكن لأنها تلبي الشوق إلى الخلاص من الذات. 
   
يصعب على الذين يعتقدون أن حياتهم فسدت تمامًا أن يستهويهم تطوير أنفسهم: مهما كان احتمال حصولهم على فرص أفضل، فإن هذا لا يحفزهم إلى بذل جهود خارقة، ولا يدفعهم إلى الولاء الأعمى. يعد هؤلاء المصلحة الفردية شيئًا مشبوهًا شريرًا، لا يتسم بالنزاهة، ولا يمكن أن يجلب الحظ. وكل ما يبذل لتطوير الذات يبدو في نظر هؤلاء عملا محكومًا عليه بالفشل: لا شيء ينطلق من النفس (التي يكرهونها) يمكن أن يكون جيدًا ونبيلًا. إن شوقهم العميق ينصب على حياة جديدة، وميلاد جديد، وثقة جديدة، أو على الأقل أمل جديد، ومعنى جديد لقيم الحياة، وهذا كله لا يتحقق إلا بالانتماء إلى قضية مقدسة. إذا انضم هؤلاء الأعضاء إلى الحركة مؤمنين بها فإنهم سيولدون ولادة جديدة في مجتمعنا الجديد المترابط. حتى عندما يكتفون بالتعاطف مع الحركة، فإن التماهي مع جهود الحركة ومنجزاتها ومستقبلها يمنحهم الشعور بالكرامة والثقة.

إن المحبطين يجدون في الحركة الجماهيرية بدائل: إما لأنفسهم بأكملها أو لبعض مكوناتها، الأمر الذي لا يستطيعون تحقيقه بإمكانياتهم الفردية.

قد نجد بين الأتباع الذين يبادرون إلى الانضمام إلى حركة جماهيرية عددًا من المغامرين الطامعين في تحسين أوضاعهم والحصول على الشهرة والقوة. وفي الوقت نفسه، قد نجد درجة من الإخلاص الذي ينكر الذات والولاء الأعم عند بعض الذين يلتحقون بالشركات والأحزاب السياسية التقليدية وبقية المنظمات العملية. إلا أن الحقيقة هي أن المنظمة العملية لا تستطيع البقاء ما لم تلبِّ المصالح الفردية لأتباعها، بينما تعتمد قوة الحركة الجماهيرية وحيويتها على قدرتها على تلبية رغبة أتباعها في محو الذات. وعندما تبدأ حركة جماهيرية في اجتذاب أناس لا تهمهم سوى مصالحهم الذاتية، فمعنى هذا أنها اجتازت مرحلتها الأولى النشطة، بمعنى أنها لم تعد معنية بإيجاد عالم جديد، بل بالحفاظ على الأوضاع الراهنة التي أوجدتها وحمايتها. يقول هتلر: "كلما زادت الوظائف والمناصب التي تقدمها الحركة كلما انخفض مستوى الأتباع الذين ينضمون إليها، وفي النهاية سيكون السياسيون الانتهازيون من الكثرة، بحيث لا يستطيع المجاهد القديم النزيه أن يتعرف على حركته القديمة ... وعندما يحدث هذا فإن رسالة هذه الحركة تكون قد انتهت". 
    
*** *** ***
   
إن الإيمان بقضية مقدسة هو – إلى درجة كبيرة- محاولة للتعويض عن الإيمان الذي فقدناه في أنفسنا. 
       
*** *** ***

كلما استحال على الإنسان أن يدعي التفوق لنفسه، كلما سهل عليه أن يدعي التفوق لأمته، أو لدينه أو لعرقه، أو لقضيته المقدسة. 
  
*** *** ***

ينزع الرجل إلى الاهتمام بشؤونه الخاصة، عندما تكون جديرة بالاهتمام. أما عندما لا تكون لديه شؤون خاصة حقيقية، فإنه ينزع إلى نسيان شؤونه التي فقدت معناها والاهتمام بشؤون الآخرين الخاصة. يعبر هذا الاهتمام عن نفسه بالغيبة والتجسس والفضول، كما أنه يتجه إلى اهتمام غير طبيعي بالشؤون المجتمعية والقومية والعرقية. إننا عندما نهرب من أنفسنا نلقي بثقلنا على عاتق جارنا، أو نطبق على عنقه. 
     
*** *** ***

إن اعتقادنا أن لدينا واجبًا مقدسًا إزاء الآخرين كثيرًا ما يكون طوق النجاه، الذي نحاول بواسطته إنقاذ أنفسنا من الغرق. وعندما نمد يدنا نحو الآخر فنحن في حقيقة الأمر، نبحث عن يد تنتشلنا. عندما تشغلنا واجباتنا المقدسة نهمل حياتنا ونتركها خاوية بلا معنى. ولا شك في أننا عندما نستبدل بأنفسنا المنكفئة على ذاتها حياة بعيدة عن الأنانية نكون قد حققنا قدرًا كبيرًا من احترام الذات. إن غرور منكري الذات، حتى عندما يظهرون بمظهر التواضع، لا حدود له. 

*** *** ***
  

من أهم ما يجذب الناس إلى الحركة الجماهيرية أنها تقدم بديلا للأمل الفردي الخائب. وهذه الجاذبية ذات فاعلية كبيرة في المجتمعات التي تؤمن بضرورة التطور، حيث يبدو الغد شيئًا مثيرًا، كما يصبح الإحباط أمرًا فظيعًا. يقول روشننج عن ألمانيا في المدة التي سبقت هتلر: إن الشعور بأننا وصلنا نقطة الصفر كان واحدًا من أصعب الأشياء التي قاسيناها بعد الحرب (العالمية الأولى) التي خسرناها. في المجتمعات الحديثة لا يمكن للناس أن يعيشوا بلا أمل، إلا إذا تم تخديرهم وإبقاؤهم مبهوري الأنفاس نتيجة الضغط المستمر. إن اليأس الذي تسببه البطاله لا ينبع من خوف الفقر فحسب، وإنما من مواجهة مستقبل من الفراغ. والعاطلون ينزعون إلى اتباع الذين يبيعونهم الأمل قبل اتباع الذين يقدمون لهم العون. كثيرًا ما تُنتقد الحركات الجماهيرية؛ لأنها تخدر أتباعها بأمل المستقبل، وتأخذ منهم متعة الحاضر. إلا أن الحاضر يبدو في نظر المحبط قاسيًا لا تمكن معالجته حتى بالمتع وأسباب الراحة. إن الأمل هو السبيل الوحيد لإدخال القناعة والرضا في أذهان المحبطين. 
*** *** ***

إن المتطرفين كما يقول رينان: يخافون الحرية أكثر من الاضطهاد.
  

*** **** ***


إن الأنانيين أنانية مفرطة معرضون، بصفة خاصة للإحباط.

كلما زادت أنانية الشخص كلما كانت خيبته أشد إيلامًا، ومن المفارقات هنا أن الأنانيين أنانية مفرطة هم الذين يحتمل أن يصبحوا أبطال الدعوة إلى إنكار الذات.

إن أشد المتطرفين عنفًا كثيرًا ما يكونون أشخاصًا أنانيين أجبروا، بسبب عيب شخصي أو ظروف خارجة، على فقدان الثقة في أنفسهم، الأمر الذي يدفعهم إلى أن يسخروا سلاح أنانيتهم الفردية لخدمة قضية مقدسة. برغم أن هؤلاء يدعون إلى الحب والتواضع فهم، في الحقيقة، أبعد ما يكونون عن الحب والتواضع. 
  
*** *** ***

إن فاعلية العقيدة لا تنبع من مضمونها، ولكن من عصمتها من الخطأ. لا يمكن لأي عقيدة، مهما كانت عميقة وسامية. أن تكون فاعلة مالم تدعي أنها وحدها تحتوي على الحقيقة الكاملة.
 
*** *** ***

ليس من الضرور لكي تصبح العقيدة فاعلة أن يفهمها المرء، ولكن من الضروري أن يؤمن بها. ونحن في الحقيقة لا نؤمن إيمانًا أعمى إلا بالأشياء التي لا نفهمها. عندما تصبح العقيدة مفهومة تفقد الكثير من قوتها.


___________________________

نقلا عن كتاب:
المؤمن الصادق: أفكار حول طبيعة الحركات الجماهيرية
لإيريك هوفر
ترجمة: غازي عبد الرحمن القصيبي

هناك تعليق واحد:

  1. يمكن تحميل الكتاب من هنا:
    http://www.4shared.com/office/I49OUgnC/_________.html
    أو من هنا:
    http://ia601203.us.archive.org/4/items/ketab0105/ketab0105.pdf

    ردحذف

أفيدوني بانتقاداتكم وإطراءاتكم، أسعد بجميع الآراء