مقاطع من رواية "المثقفون" لسيمون دو بوفوار (2)


سيمون دو بوفوار
 Simone de Beauvoir


كان يخال نفسه ذكوريًا  حين يملي على الآخرين نزواته. لكن الآخرين يطيعونه كمن يتجنب إثارة امرأة عصبية المزاج. كان يفترض به أن يرتاب في أمر هذه الطاعة أو ربما كان ارتاب بأمرها...

*** *** *** 

على التمادي بدأت تزعجه حفلة الإطراءات هذه التي تظهر قشور الكتاب وتغفل لبه. انتهى الأمر بهنري إلى الاعتقاد أنه يدين بنجاحه إلى سوء فهم متكرر. ذلك أن لامبير اعتبر أن هنري أراد  عبر العمل الجماعي أن يمجد الفردية. وخلافًا له، اعتقد لاشوم أنه يدعو للتضحية بالفرد من أجل الجماعة. وأظهر الجميع الطابع التعليمي للرواية. ومع ذلك كانت كتابة هذه القصة في فترة انطلاق المقاومة مجرد صدفة. هدفه كان أن يصور بطلا في لحظة تاريخية محددة ويتطرق إلى العلاقة بين ماضيه والأزمة التي يجتازها. كذلك عني بأمور كثيرة لم يشر إليها أي من النقاد. هل كانت تلك غلطته أم غلطة القراء؟ أعجب الجمهور بكتاب مختلف تمامًا عن الرواية التي كان يعتقد هنري أنه وضعها في متناوله.
 

*** **** *** 

قال هنري:

-      لا تتلفظ بالحماقات. هذه القصص التي تكتبها ليست مقياسًا لإثبات الموهبة، ثم إنه طبيعي أن نخطئ الهدف في أول الطريق.

هز لامبير رأسه وقال:

-      أعرف نفسي، لن أستطيع أن أفعل شيئًا يتسم بأهمية ما. لكم هو بائس المثقف الذي لا يستطيع فعل شيء يذكر.

-      بل ستفعل شيئًا مهمًا إذا كنت تؤمن بما تفعله، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أن تكون مثقفًا، هذا ليس عيبًا.

-      ولا هو نعمة كذلك.

-      لكن أنا مثقف وتوليني تقديرك.

-      أنت مختلف، قال لامبير.

-      لكن لا، أنا مثقف. يغيظني أن نجعل من الثقافة شتيمة. لا تظن أن الرجل إذا فرغ رأسه قويت خصيتاه.

*** *** ***


-      إذا كنت مستاءً فهذا يعني أنك لا تزال مؤمنًا بتغيير بعض الأمور.

-      لا بصراحة. عندما نبدأ بطرح الأسئلة فلا شيء يصمد في وجهنا، ثمة جملة من القيم اعتبرناها بدهية، باسم ماذا؟ لماذا الحرية؟ لماذا المساواة، أي عدالة لها معنى؟ لماذا إيثار الآخرين على أنفسنا؟  لقد سعى والدي طيلة حياته للتمتع بالحياة، فهل كان فعلا على خطأ؟ نظر لامبير إلى هنري بقلق: "هل أصدمك بأسئلتي؟".

-      لا إطلاقًا، يجب طرح الأسئلة على أنفسنا.

قال لامبير بحماس:

-      لكن يفترض أن يجيب أحد عليها. يرهقون كاهلنا بالسياسة، لكن لماذا اعتماد هذه السياسة بدلا من أخرى؟ نحتاج، قبل كل شيء إلى أخلاقية، إلى فن للعيشنظر لامبير إلى هنري بشيء من التحدي: "هذا ما يفترض بك مدنا به. هذا أهم من أن تساعد دوبري في كتابة البيانات".

-      لكن الأخلاقية تنطوي حكمًا على موقف سياسي. ومن ثم فإن السياسة أمر حيوي بالنسبة لنا جميعًا.

قال لامبير:

-      أوافقك الرأي. لكن في السياسة لا نهتم إلا بالقضايا المجردة: المستقبل، الجماعات، فيما الواقعي هو اللحظة الحاضرة، والأفراد، فردًا فردًا.

قال هنري:

-      لكن الأفراد معنيون بالتاريخ الجماعي.

-      المصيبة هي أنه في السياسة لا ننطلق أبدًا من التاريخ لنعود إلى الفرد. نضيع في العموميات وفي الخصوصيات، ولا أحد يبالي.

تحدث لامبير بلهجة فيها من المطلبية بحيث إن هنري نظر إليه بفضول وسأله:

-      مثلا؟

-      مثلا، خذ مسألة ارتكاب الذنب، من الناحية السياسية، ومن وجهة نظر مجردة، كل من تعامل مع الألمان نذل ويجب البصق بوجهة، ما من مشكلة. ولكن الآن، إذا رأيت متعاونًا عن كثب وإذا كان من المقربين تشعر أن الأمر مختلف.

قال هنري:

-      أتفكر في أبيك؟

-      نعم، منذ بعض الوقت وأنا أرغب في استشارتك: هل عليَّ الاستمرار في معاداته؟

فأجابه هنري مندهشًا:

-      لو ترى بأية نبرة تحدثت عنه العام الفائت!

-      لأنني في ذلك الحين كنت أعتقد أنه هو الذي وشى بروزالكنه أقنعني أن لا علاقة له بهذا الموضوع لأن الجميع  يعلم أنها كانت يهودية. أبي كان متعاونًا على الصعيد الاقتصادي، وهذا الأمر يعتبر بنظري إدانة له. لكنه سيحاكم في النهاية، وسيصدر حكم بحقه، إنه عجوز ...

-      هل رأيته؟

-      مرة واحدة، ومنذ ذلك الوقت، أرسل لي عدة رسائل. رسائل أثرت في عميقًا، صدقني.

-      إذا كنت راغبًا في التصالح معه فأنت حر. لكن تبادر إلىَّ الاعتقاد أنكما على علاقة سيئة.

-      حين تعرفت إليك، نعم، كانت علاقتنا سيئة. تردد لامبير ثم قال: "هو الذي رباني وأعتقد أنه يحبني كثيرًا على طريقته. فقط كان يرفض أن أعصي أوامره".

سأل هنري:

-      قبل أن تتعرف إلى روزا، لم تعص أوامره إطلاقًا، صحيح؟

-      صحيح. هذا ما جعله يجن غضبًا مني. كانت المرة الأولى التي وقفت فيها في وجهه. ربما كان يلائمني آنذاك الاعتقاد أنه وشى بها. لأنه عندئذٍ لا تعود لديَّ مشكلة وكان  بإمكاني قتله بيديَّ الاثنين.

[...]
مع سارتر

...

قال هنري:

-      لكن لا، ليس جبنًا أن تعيش وفيًا لمشاعرك وأحاسيك.

-      نعم أنت على صواب. سأراسله. ثم أضاف. بصوت ممتن: "أحسنت صنيعًا بالتحدث إليك".

-      غمس ملعقته في الهلام الزهري المرتعش في صحنه ثم تمتم قائلا: "بإمكانك مساعدتنا كثيرًا، ليس فقط فيما يخصني. فهناك شبان كثر يعانون من المشكلة نفسها".

-      مساعدتكم في أي أمر؟

-      عليك أن تعلمنا كيف نواجه الواقع وكل يوم بيومه بحس سليم.

ابتسم هنري:

-      الأخلاقية، فن العيش، هذا لا يندرج في قائمة مشاريعي.

نظر إليه لامبير بعينين براقتين وقال:

-      يبدو أنني عبرت عن نفسي بشكل سيء: لم أقصد الاستفاضة بدراسات نظرية. لكن هناك أمورًا وقيمًا تتشبث بها. إذًا يجدر بك أن تظهر لنا ما هي الأشياء القابلة لأن تُحب على هذه الأرض والتي تستحق منًا أنحيا لأجلها. أرجو أن تتحدث عنها في تآليفك التي تنوي أن تنشرها. يبدو لي هذا هو الدور الذي يضطلع به الأدب.

تلفظ لامبير بهذه الخطبة الصغيرة دون أن يتردد في كلامهشعر هنري أنه حضرها مسبقًا وقد تحين الفرصة منذ أيام لإلقائها.

قال هنري:

-      ليس الأدب مفرحًا بالضرورة.

قال لامبير:

-      بل هو مفرح بالضرورة. حتى المحزن يصبح مفرحًا حين نجعله فنًا. تردد ثم قال: " كلمة مفرح ربما ليست هي الكلمة المناسبة، لكن لها ما يبررها". توقف قليلا عن الكلام وقد احمر وجهه: "لا أريد أن أملي عليك كيفية كتابة الكتب. لكن كل ما أردت قوله هو ببساطة أنه لا يجدر بك أن تنسى أنك كاتب قبل كل شيء، وفنان".

-      لا أنسى.

-      أعرف، ولكن ... من جديد تلعثم لامبير: "مثلا، التحقيق الذي أجريته عن البرتغال جيد جدًا، لكني أتذكر صفحات كتبتها في السابق عن صقلية وأشعر بالأسف قليلا إذ لم نجد ما يحاكيها في مقالتك".

-      لو ذهبت إلى البرتغال لما شعرت برغبة في أن تصف أشجار الرمان المزهرة.

قال لامبير بلهجة لجوجة:

-      آه. أود لو أن هذه الرغبة تعاودك، ولم لا؟ لدينا الحق في أن نعبر عن مشاعرنا عند شاطئ البحر دون أن ننشغل لارتفاع ثمن السردين أو تدنيه.

-      الواقع هو أنني لم أقدر.

قال لامبير باحتداد:

-      على أية حال، خضنا المقاومة للدفاع عن الفرد وعن حقه بأن يكون نفسه وأن يكون سعيدًا. آن الأوان لنجني ثمار ما زرعناه.

-      المشكلة الكبرى هي أن هنالك بضعة مليارات من البشر الذين يبقى هذا الحق بالنسبة إليهم حبرًا على ورق. وأعتقد أننا من اللحظة التي بدأنا فيها نهتم لأمرهم، لم يعد بإمكاننا التراجع أبدًا.

-      ولكن هل على كل واحد منا أن ينتظر حتى تعم السعادة جميع البشر، وعندها يسعى ليكون هو نفسه سعيدًا؟ هل ولى زمن الفن والأدب بتولي العصر الذهبي؟ لكننا نحن الآن بأمس الحاجة إليهما؟

قال هنري:

-      لا أقول إنه يجب الإقلاع عن الكتابة.

تردد قليلا، كان يشعر بأنه معني بما يقوله لامبير وبمأخذه على مقالته. أجل، كانت هناك أشياء أخرى كثيرة يجب قولها عن البرتغال وقد تفادى التطرق لها بحسرة. أراد على الدوام أن يكون فنانًا وكاتبًا. يجب ألا ينسى ذلك. فيما مضى أطلق وعودًا كثيرة، وآن الأوان ليفي بها. الكتب الناجحة التي نشرها في شبابه والكتاب الذي صدر له حديثًا وجاء صدوره في اللحظة المناسبة وامتدحه الجميع كيفما اتفق، هذا جيد لكنه أراد القيام بشيء مختلف تمامًا.

*** *** *** 
 
ضحك هنري ضحكة خفيفة وفكر: “لا هذه المرة لن أدعها تهينني في صراحتي. تطالب بالحقيقة، ستحصل عليها".

قال بصوت عالٍ:

            -         هل تقبلين أن أكلمك بصراحة؟

            -         لا تحتاج لقول ذلك مرتين.

أخذت حقيبتها عن الطاولة وأقفلتها بعصبية قائلة:

            -         لست عَلَقًا. لا أتشبث بأحد. وعلى أي حال، كن مطمئنًا لأنني لا أحبك. ثم أجالت فيه نظرها للحظة بصمت: “كيف يعقل أن نحب مثقفًا؟ لديك ميزان مكان القلب، وعقل صغير في طرف قضيبك". ثم اختتمت بقولها: “أنتم جميعًا فاشيون".

            -         لم أطاردك.

            -         لا تعاملون الناس بالتساوي، بل تستغلونهم وفقًا لمدارككم الصغيرة. سخاؤكم إمبريالية وحيادكم ادعاء.

كانت تتكلم دون غضب، بلهجة حالمة. نهضت ثم أطلقت ضحكة صغيرة:

            -         بالله عليك لماذا تبدو بهذا المزاج السيء؟ يزعجك أن تراني وعلاقتنا لم تعد تسليني. فلننس كل القصة! ولنتحدث من وقت لآخر ونتقابل دون ضغينة.

ثم توارت تحت جنح الظلام عبر الشارع. طلب هنري الحساب. لم يكن راضيًا عن نفسه: “لماذا كنت بهذه القسوة معها؟ "

*** *** ***

"أية مهنة هذه!”. هكذا قالت نادين وكانت على صواب. كان الروس منصرفين إلى تدمير برلين. كانت الحرب تنتهي منذرة باندلاع حرب أخرى أم ماذا؟ كيف بإمكاننا التمتع بسرد حكايا لم تحدث قط؟ هز كتفية هازئًا: هذه أيضًاا حجة نتذرع بها عندما نتعثر في عملنا. كانت الحرب وشيكة الإندلاع ثم وقعت حرب، وهو كان يتسلى بسرد القصص. لماذا لا يتسلى الآن أيضًا؟ خرج من المقهى. تذكر ليلة مكتنفة بالضباب تنبأ فيها لنفسه أن السياسة ستلتهم كل وقته ذات يوم. وهذا ما حصل. التهمته السياسة. لماذا لم يدافع عن نفسه بشكل أفضل؟ كيف وقع فريسة هذا الجفاف الداخلي الذي يشل كل قدرة فيه؟ كيف لهذا الفتى الذي يحمل مخطوطته أن يقول ما لديه فيما هو عاجز عن قول أي شيء. عندما كان في الثانية والعشرين من العمر، كانت لديه أشياء يقولها، ويمشي في الشوارع حالمًا بكتابه: الكتاب أبطأ الخطى. لم تعد الشوارع على حالها. فيما مضى كانت باهرة بضوئها وكانت تخترق عاصمة العالم. اليوم، بالكاد يخترق الضوء الخافت لأحد الفوانيس ظلمة الليل البعيدة. أصبحت الطرقات ضيقة والمنازل دون طلاء . مدينة النور انطفأت. حتى لو عادت للمعان من جديد ستكون روعة باريس شبيهة بروعة العواصم التي اندثر ألقها: البندقية، براغ، بروج لا مورت. لا الشوارع ستعود كما كانت ولا المدينة ولا الناس. أخذ هنري على نفسه عهدًا ليلة الميلاد بأن يعبر بالكلمات عن عذوبة السلم وحلاوته. لكن هذا السلم كان دون عذوبة ولا حلاوة. الشوارع حزينة. جسد نادين كئيب. وهذا الربيع ليس لديه ما يمن به عليه. السماء زرقاء والبراعم تنصاع لرتابة الفصول، لكن لا رجاء فيها. “أين طعم الحياة الذي تذوقه من قبل؟ ". لم يعد للحياة طعم لأن الأشياء فقدت معناها. لذا لم يعد للكتابة معنى. في هذذا المنظار، كانت نادين محقة أيضًا: لا يمكننا أن نتلذذ بوصف الأنوار الخافتة على طول نهر تاجو، لأننا نعرف أنها تنير مدينة ترزح تحت وطأة الموت جوعًا. والناس الذين يموتون جوعًا ليسوا ذريعة للكتابة. لم يكن الماضي إلا سرابًا وإذا تبدد السراب فماذا يتبقى؟ الشقاء والمخاطر والمهام المبهمة والفوضى. فقد هنري عالمه القديم ولم يحصل على شيء في المقابل. لم يكن في أي مكان ولا يملك شيئًا، ولم يكن شيئًا ولا يستطيع الكلام في أي شيء. فكر: “لم يتبق لي إلا الصمت. لو استطعت أن أتخذ فعلا قرارًا حاسمًا لكففت عن الشعور بهذا التمزق، ولكان بمقدوري ربما القيام طوعًا بأعمال السخرة التي أقوم بها مرغمًا". توقف أمام "البار روج". لمح عبر الزجاج جوليان جالسًا وحده على المقعد. دفع الباب وسمعهم يهمسون باسمه. البارحة ليس إلا، لو سمع هذا الهمس لتأثر به، ولكنه اليوم وفيما يشق طريقه عبر الجماعة المألوفة، تأسف على أنه سمح لنفسه بأن ينخدع بهذا السراب الوضيع. أن يكون الإنسان كاتبًا كبيرًا في الغواتيمالا أو الهندوراس، أي انتصار سخيف! فيما مضى كان يحسب أنه يقيم في مكان مميز من العالم حيث كل كلمة تنشر تتناهي إلى أسماع الناس في الأرض جمعاء. أما الآن فقد بات يدرك أن كل الكلمات تتهافت صريعة عند قدمية.

*** *** ***


قالت نادين بصوت حانق:

            -         التقطوا لك صورة مع هذا الشخص القذر. فعلوا ذلك عمدًا.

قال روبير:

            -         سكرياسين ليس شخصًا قذرًا.

            -         الجميع يعرف أنه عميل أمريكي. إنه قذر. ماذا ستفعل؟

رفع روبير كتفيه:

            -         ماذا تريدين أن أفعل؟

            -         ارفع دعوى عليهم. لا يحق لهم التقاط صور الناس رغمًا عنهم!

كانت شفتا نادين ترتجفان. تمقت فكرة أن أباها رجل معروف. كانت إذا سألها أستاذ جديد أو ممتحن: “هل أنت ابنة روبير دوبري"، لا تجيب بل تبقى متصلبة مشاكسة في صمتها. صحيح أنها فخورة به لكنها ترغب في أن يكون مشهورًا دون أن يُعرف ذلك.

قال روبير:

            -         لن أرفع دعوى، فهذا سيثير ضجة كبيرة. لا، لا يمكن أن نخوض مواجهات نكون فيها الطرف الأضعف. رمى المجلة جانبًا: “في ذلك اليوم، كنت على صواب حين قلتِ إن العري، بالنسبة لنا، يبدأ من الوجه".

كنت أتفاجأ دومًا من قدرته المدهشة على تذكر كلمات قلتها ونسيتها تمامًا ثم يضمنها معنى أعمق مما قصدته. كان يفعل ذلك مع الجميع.

ثم أضاف:

            -         العري يبدأ من الوجه والفجور من الكلمات. يظنون أننا تماثيل أو أشباح، وحين يتأكدون من أننا أناس من لحم ودم، يتهموننا بالنفاق. لذا تتخذ أقل حركة نقوم بها شكل الفضيحة، وبسهولة تامة: يصبح الضحك أو الكلام أو الأكل جرمًا مشهودًا!

قالت نادين غاضبة:

            -         تدبروا أمركم إذا كي لا يباغتوكم!

            -         اسمعي لا تجعلي من ذلك قصة!

            -         آه! أنت لو دسنا على قدمك لفكرت أننا دسنا على قدم كانت قدمك بالصدفة.

*** *** ***


نظرت إلى روبير. هل هي فعلا الحقيقة التي توصل إلى اكتشافها هي التي تنعكس في هذه الأعين كلها؟ لا شك أنهم ينظرون إليه أيضًا من الأمكنة البعيدة الأخرى. من أمريكا وروسيا ومن عمق العصور. فماذا يرون؟ ربما لم يكونوا يرون إلا حالمًا عجوزًا وليس في حلمه ما يجعله قادرًا على التحقق. ربما كان سيرى نفسه على هذا النحو غدًا. وسيفكر أن عمله السياسي لم يسفر عن أية نتيجة أو أسوأ من ذلك، لم يسفر إلا عن خداع الناس. فقط لو أستطيع أن أبت المسألة وأقول: ما من حقيقة على وجه الأرض! لكن الحقيقة موجودة لا مناص

حياتنا هنا، ثقيلة كحجر ووجهها الآخر نجهله: إنه مرعب، كنت واثقة هذه المرة أنني لا أهذي، لم أشرب شيئًا. لم يكن الليل قد حل ومع ذلك كان الخوف يضغط على قلبي.

سألتهم عند انتهاء المؤتمر بتجرد:

            -         هل أنتم راضون؟
كان هنري مسرورًا وقال لي بفرح: “أحرز المؤتمر نجاحًا ملفتًا". وقال سامازيل: “إنه نجاح باهر". لكن روبير همهم قائلا: “لن يتمخض هذا المؤتمر عن الشيء الكثير".
 ______________
مقاطع من : 
 
المثقفون
سيمون دو بوفوار

تعليقات

  1. كل دي مقاطع، والله إنتا برنس :)

    ردحذف
    الردود
    1. الرواية حدود 1300 صفحة على جزئين :) وأنا مؤخرا بسجل المقاطع اللي بتعجبني من أي كتاب بشكل منتظم .. لسة فيه بوست تاني كمان :)

      حذف
  2. اختيارات تنم عن عمق وجمال مختارها،، اتمنى تن اعرف ماهي الروايات من الأدب العالمي التي ترى وجوب قرائتها،،، اشكرك

    ردحذف
    الردود
    1. أشكرك للغاية .. سعيد بوصولك للمدونة وإعاجبك بها ... وممتن للتعليق الجميل... بخصوص الروايات فهي كثيرة وسجلت مقتطفات لبعضها في المدونة وكتبت عروضًا لبعضها ، يمكن الاطلاع عليها من هنا:
      http://ahmed-elhadary.blogspot.com/search/label/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9
      وأتمنى أن أواصل الكتابة عن روايات مختلفة والاقتباس منها هنا .. ممتن مرة أخرى وشكرًا للغاية

      حذف

إرسال تعليق

أفيدوني بانتقاداتكم وإطراءاتكم، أسعد بجميع الآراء

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

قصائد من الشعر الأفريقي المعاصر

هل العالم حقيقي، أم أنه مجرد وهم أو هلوسة؟

قصائد من لوركا

ألفريد آدلر (Alfred W. Adler)