بارتلبي وأصحابه (مقتبسات)





 

بقلم: أنريكه بيلا – ماتاس
ترجمة: عبد الهادي سعدون

كلنا نعرف ال"بارتلبيين"، هم أولئك البشر الذين يتقمصهم رفض عميق للعالم. يتسمون بهذا الاسم نسبة للمكتبي بارتلبي، شخصية الموظف في قصة هرمان ملفل الذي لم يقرأ ولا لمرة واحدة صحيفة ما، وفي توقفات طويلة، يظل محنطًا ناظرًا إلى الخارج من خلال النافذة الشاحبة التي تقع بالخلف من الستارة، .جهة حائط من الآجر في وول ستريت. لم يشرب بيرة قط، ولا شايًا ولا قهوة مثل الآخرين. لم يمض أبدًا إلى أي مكان، لأنه يعيش في المكتب، حتى أنه يمضي فيه أيام العطل، لم يقل أبدًا من هو، ولا من أين جاء، وإذا ما كان له أقارب في هذا العالم؛ وعندما سئل أين ولد أو أن يطلب منه عمل شيء أو أن يحكي شيئًا ما عن نفسه، يجيب دائمًا قائلًا:
  • أفضل ألا أفعل.
     
منذ زمن وأنا أتتبع القطاع الشاسع من الأدباء ممن يعانون من وعكة بارتلبي، منذ زمن أعكف على دراسة هذا المرض، العدوى التي تصيب الآداب المعاصرة، النبض السلبي أو الميل إلى اللاشيء الذي يغدو ديدن العديد من الكتاب، هذا مع العلم أنهم يمتلكون وعيًا أدبيًا متشددًا (أو ربما بسبب هذا حتمًا)، لم يستطيعوا الكتابة أبدًا. أو يكتبون كتابًا واحدًا أو اثنين، وفيما بعد يعرضون عنها. قد يكتبون دون أدنى معضلة عملا مهمًا، ثم يبقون، ذات يوم، عاجزين أدبيًا وإلى الأبد.


*** *** ***

لقد بنى أندريه جيد شخصية تمضي كل وقت الرواية بنية كتابة كتاب لا يُكتب أبدًا هو "بالوز". لقد انشغل روبرت موسيل بتعظيمها وتحويلها لأسطورة فكرة "الكاتب الناضب" في روايته: "رجل بلا ملامح". كما أن مونسيو تيست، صنو فاليري الأثير، لم يكن رافضًا للكتابة وحسب، بل رمى مكتبته من النافذة.


*** *** ***

وصلتنا شهادة "كارل سيلغ"، الصديق الوفي الذي استمر بزياراته للكاتب عندما استقر هذا في مصحي والدو وهريساو.
… : “إنني لن أنسى أبدًا صباح ذلك اليوم الخريفي عندما كنا نتجول "والسر" وأنا من تيوفن حتى سبيشن، عبر ضباب كثيف جدًا. قلت له ذلك اليوم بأنه ربما ستبقى أعماله وقتًا طويلا مثل أعمال غوتفريد كيلر. توقف كما لو كان ينوي ترسيخ جذوره في الأرض، نظر إليَّ نظرة ملأها بالخطر، وأخبرني، إنه إذا كنت أحرص على صداقتنا، يجب ألا أعود لذكر مجاملات كهذه. هو "روبرت والسر"، كان صفرًا على اليسار، وكان يرغب أن يطويه النسيان.”

كل أعمال والسر، من ضمنها صمته الممتد على مدى ثمانية وعشرين عامًا، شهادة على اعتباطية نتاجه، على اعتباطية حياته نفسها. لهذا حتمًا، كان يرغب أن يظل وحسب صفرًا على اليسار. أحدهم قال ذات مرة أن والسر شبيه بعدّاء مسافات طويلة، قبل أن يصل لشوط النهاية، يتوقف مندهشًا لينظر للأساتذة وتابعيهم ثم ينسحب، أي يبقى برفقة نفسه، بجوار جالية الحيرة. بالنسبة لي فإن والسر يذكرني ب "بيكيمال"، متسابق غريب الأطوار، سائق دراجة هوائية في عقد السبعينيات ممسوس، وكان أغلب الأحيان ينسى أن ينهي السباق.


*** *** ***

يقول بوبي بازلن كاتب مدينة تريستي: “أنا اعتقد أنه ليس بالاستطاعة كتابة كتب. لهذا فالأفضل ألا تكتب كتبًا بعد. كل الكتب تقريبًا ليست أكثر من ملاحظات على هامش الورقة، متضخمة حتى تصل لشكل مجلدات. لهذا لا أكتب سوى هوامش أسفل الصفحة.

كتاباته (ملاحظات بلا نص)، مدونة في دفاتر، تم نشرها من قبل دار نشر آديلفي عام 1970، خمسة أعوام بعد وفاته.

بوبي بازلن كان يهوديًا من مدينة تريستي، كان قد قرأ كل الكتب بكل اللغات، ولأن له وعيًا أدبيًا متشددًا جدًا (وربما بسبب هذا تحديدًا)، بدلا من الكتابة فضل التدخل المباشر في حياة الأشخاص. عدم إنتاج عمل أدبي شكَّل جزءًا من عمله. حالة غريبة هي حالة بازلن، نوع من شمس سوداء لأزمة الغرب، وجوده نفسه يبدو نهاية حقيقية للأدب، الافتقاد لعمل أدبي، موت الكاتب: كاتب بلا كتاب، وبالتالي كتب بلا كاتب.

لكن لماذا لم يكتب بازلن؟
هذا هو السؤال الذي تنبني عليه رواية ملعب ويمبلدون لدانيل دل جوديز. من مدينة تريستي حتى لندن، هذا السؤال يمهد تحريات الرواي بالشخص الأول، شاب يبحث عن غموض حالة بالزن، خمسة عشر عامًا بعد موته، يسافر لمدينة تريستي ولندن للبحث عن أصدقاء وصديقات الطفولة، عجزة اليوم. يستجوب الأصدقاء القدامى لأسطورة التململ هذه باحثًا عن البواعث التي جعلته يرفض كتابة أي كتاب (على الرغم من أنه كنان باستطاعته ذلك بصورة مدهشة). بازلن، وقد أصبح منسيًا اليوم، كان في عهده رجلا مشهورًا في عالم النشر الإيطالي، هذا الرجل، الذي قيل عنه أنه قد قرأ كل الكتب، عمل مستشارًا في دار نشر آيناودي وكذلك آدلفي منذ تأسيسها عام 1962، كان صديقًا لكتاب مثل سفيفو، سابا، مونتالي، وبروست، وبفضله دخلت إلى إيطاليا كتب فرويد، وموسيل، وكافكا، من بين آخرين.

كل أصدقائه اعتقدوا بيقين أن نهاية بازلن هي التوجه للكتابة، وسيكون حينئذٍ كاتبًا عظيمًا. لكن بوبي بازلن لم يترك سوى هذه الملاحظات في هامش الصفحة والمعنونة (ملاحظات بلا نص)، ورواية غير مكتملة اسمها القبطان الأعلى.


*** *** ***

كان عمر كادو خمسة عشر عامًا عندما دعى أبواه الكاتب البولندي غومبرويس للعشاء في بيتهم. كان الكاتب البولندي – نحن في نهاية أبريل من عام 1963- قد هجر بوينس آيرس للأبد عبر البحر، وأثناء نزوله وإقامته السريعة في برشلونة، قرر التوجه إلى باريس، وهناك من بين أشياء عديدة، قبل دعوة عائلة كودو للعشاء، وهم أصدقاء قدامى من قترة خمسينيات بوينس آيرس.

الشاب كودو كان يطمح أن يكون كاتبًا. بل خلال الأشهر الأخيرة كان يستعد لذلك. كان موضع سعادة أبوية، على العكس من آخرين، وضعوا بمتناول ابنهما كل التسهيلات كي يكون كاتبًا. كان يغبطهم جدًا أن يتمكن ابنهما من التحول لنجمة مشعة في سماء الأدب الفرنسي. لم يكن ينقص الابن أي شيء، كان قارئًا نهمًا لكل أصناف الكتب، وكان يستعد بوعي تام، لأقرب فرصة، ليكون كاتبًا معتبرًا.

بعمره الغض، كان الشاب كودو على دراية كبيرة بمعظم أعمال غومبرويش، أعمال كانت تشده جدًا وأغلب الأحيان كان يقرأ على أبويه فقرات كاملة من رواية البولندي.

هكذا كانت تجري الأمور، كانت غبطة الأبوين بدعوة غومبرويش مضاعفة. كانت تشدهما فكرة اللقاء المباشر لابنهما الشاب مع عبقرية الكاتب البولندي الكبير، دون أن يتزحزح من البيت.

لكنه حدث شيء غير متوقع. لقد تأثر الشاب كودو كثيرًا بلقائه ب غومبرويش بين جدران بيت والديه الأربعة إلى الدرجة أنه لم ينطق بكلمة واحدة طوال السهرة وانتهى ليشعر حرفيًا بكونه قطعة أثاث في صالون العشاء.

من لحظة ذلك التحول البيتي، أدرك الشاب كودو أن كل احتمالات وصوله ليكون كاتبًا قد أصبحت منتهية.

والحال عند كودو أنه لم يقتصر على رؤية نفسه كقطعة أثاث في حياته القصيرة (مات شابًا) فإنه على الأقل امتهن الرسم. تحديدًا رسم أثاثًا. كانت طريقته للمضي بنسيان أنه أراد أن يكون كاتبًا يومًا.

كل رسومه يتوسطها بطل مطلق هي قطعة الأثاث، وكلها تحمل العنوان الغامض والمكرر: “بورتريه شخصي".

ذلك أنني أشعر بكوني قطعة أثاث، والأثاث حسب علمي لا يكتب، اعتاد كودو الاعتذار عندما يذكره أحدهم أنه في صغره كان يرغب في أن يكون كاتبًا.

عن حالة كودو هناك دراسة مهمة لجورج بيرك بعنوان: “صورة الكاتب الذي كان يرى نفسه كقطعة أثاث إلى الأبد" المنشور في باريس عام 1973 ، وهي صورة ساخرة لما حدث عام 1972.

عندما مات المسكين كودو بعد معاناة طويلة ومرض مؤلم. أقرباؤه، دون أن يعوا دفنوه كما لو كان قطعة أثاث، تخلصوا منه كما لو كانوا يتخلصون من قطعة أثاث غير نافعة، ودفنوه في قبر بالقرب من مارش أوس بوس دي باريس، هذا السوق المخصص لبيع الأثاث القديمة.

على علم بموته القريب، ترك كودو جملة لتكتب كتأبين على قبره طالبًا من أقاربه أن يعتبروها "أعماله الكاملة". طلب تهكمي. هذه الجملة التأبينية تقول: “حاولت دون نجاح أن أكون كل الأثاث، لكنني حتى في هذا أخفقت. لأنني لم اكن طول حياتي سوى قطعة أثاث واحدة. على أية حال، بعد كل شيء ليس بالقليل ما جنيته، إذا فكرنا أن كل ما يتبقى ليس سوى صمت".


*** *** ***

نظرت لوجهي في المرآة ولم أتعرف على نفسي. بعد ذلك عدت للتفكير بما قاله بودلير بأن البطل الحقيقي هو الذي يتمتع وحيدًا. عدت للنظر في المرآة ورأيت في شكلي شبهًا ب وات، شخصية صاموئيل بيكيت الانعزالية. مثل وات يمكن وصفي على الطريقة التالية: تتوقف حافلة ركاب أمام ثلاثة شيوخ قميئين وكانوا يراقبونها من مقاعدهم. تمضي الحافلة. “انظر (يقول أحدهم) لقد تركوا حزمة ملابس بالية". كلا (يقول الثاني) إنه برميل قمامة منكفئ". "على الإطلاق (يقول الثالث) إنه صندوق جرائد عتيقة رماه أحدهم هناك". في هذه اللحظة، كومة الركام تتقدم باتجاههم وتطلب منهم بصلافة أن يفرغوا لها مجالا للجلوس بقربهم. هذا هو وات.

لا علم لي إن كان جيدًا الكتابة متحولا لكومة ركام. لا علم لي. كلي شك. ربما عليَّ الانتهاء من عزلتي المفرطة. على الأقل الحديث مع خوان،  


مقاطع مقتبسة من كتاب:
بارتلبي وأصحابه
أنريكه بيلا – ماتاس
ترجمة وتقديم: عبد الهادي سعدون

(اقتبست هنا من كتاب ليس من كتبي المفضلة، لكنه لا يخلو من مقاطع مضيئة أعجبتني)

تعليقات

  1. جميلة جدا بالاخص وصف شخصية وات .

    ردحذف
    الردود
    1. بالفعل الفكر وتجميع المادة مميز .. رغم إني بشكل شخصي غير قادر على التفاعل مع الكتاب كرواية كما وصفها المؤلف ... لكنه لا يخلو من مقاطع ممتعة

      حذف

إرسال تعليق

أفيدوني بانتقاداتكم وإطراءاتكم، أسعد بجميع الآراء

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

مقتطفات عن أينشتاين

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

ما هو الفن الطليعي؟ (Avant Garde)

قصائد من لوركا

قصائد من الشعر الأفريقي المعاصر