الفيلموسوفي - مقتبسات

غلاف الكتاب


تأليف دانييل فرامبتون
ترجمة: أحمد يوسف

في صيف عام 1896 حضر ماكسيم جوركي عرضًا لسينماتوغراف لوميير في مدينة نيجي نوفجورود في روسيا، وسجل ملاحظته الشهيرة عن تجربته في مشاهدة العرض الصامت بالأبيض والأسود، ونشرت هذه الملاحظة في صحيفة محلية:
“في الليلة الماضية كنت في مملكة الظلال، آه لو كنت تعلم كم كان غريبًا أن تكون هناك. إنه عالم بلا صوت، بلا لون، كل شيء هناك – الأرض، والأشجار، والناس، والماء، والهواء – مصبوغ بلون واحد هو اللون الرمادي. إن الأشعة الرمادية تسقط من الشمس عبر السماء الرمادية، لتصبح العيون رمادية والوجوه رمادية، والأوراق والأشجار بلون رمادي شاحب. إنها ليست الحياة وإنما ظلها، إنها ليست الحركة وإنما طيفها الذي لا صوت له. “

وبعد مائة عام، وعلى قرص دي في دي لفيلم "اتصال"، عبَّرت جودي فوستر عن تعليقها الخاص على صنع الفيلم وتحدثت في إحدى النقاط عن مشهد محادثة بسيطة بين الشخصية التي قامت بأدائها وحبيبها الذي لعب دوره ماتيو ماكوني، لقد أشارت جودي فوستر، بقدر غير قليل من الصدمة، إلى حقيقة أن المخرج روبرت زيميكس قد أعاد عن طريق التقنية الرقمية ضبط انفعالات وجهها في هذا المشهد، فقد أزال زيميكس حركةحاجبها بطريقة تجعل الشخصية تبدي رد فعل مختلفًا تجاه ماكوني. لقد بدت جودي فوستر وقد أصيبت بالضيق على نحو واضح، ليس فقط لأن أدائها الأصلي اعتبره المخرج غير ملائم، ولكن لأنها كشخص قد انتهكت بمؤثرات رقمية، وقال: “كفى عبثًا بوجهي!”

إن كلا من جوركي وجودي فوستر يمثلان حقيقة بسيطة عن السينما، أنها لم تكن أبدًا، وأنها لن تكون، مجرد نسخ مباشر للواقع.
 
*** **** ***

أحد الأهداف الرئيسية لهذا الكتاب هو جعل إمكانات السينما أكثر شيوعًا (إمكانات كل الصور والأصوات)، وذلك من خلال اختراع لغة لوصفها. إن هناك القليل من الكتابات حول قوة وتأثير الصور، والكتابات عن السينما التي تصل إلى الجمهور تكاد أن تدور فقط حول الحبكة والتمثيل والإشارات الثقافية. لكن ما أحاول التأكيد عليه هنا هو إعادة صياغة مفهوم السينما باعتبارها تفكيرًا، وهو الأمر الذي أرجو أن يسمح بمدخل أكثر شاعرية لفهم السينما. إن الفيلموسوفي لا تتيح فقط "رابطة" بين التفكير والسينما (وليس فقط الاهتمام بالمقارنة بينهما) ، وإنما تسعى إلى تحليل السينما باعتبار أن لها تفكيرها الخاص. إن الأمر ليس مجرد حل لغز كينونة السينما لأن المهم أيضًا، بنفس القدر من الأهمية، الطريقة التي نبني بها نظرتها، "لغتها في وصف الصورة"، ودورها في التفسير.

 *** *** ***  

 إن هناك الكثير من الكتابات داخل مجال "السينما والفلسفة"، تتجاهل ببساطة ما هو سينمائي لتركز على القصص ودوافع الشخصيات، ويكفي أن تقول إحدى الشخصيات " الإنسان ليس جزيرة" لكي تجد شخصًا يقفز لكي يعلن أن السينما فلسفية (إذا كان على أحد أن يحكي حدوتة أخلاقية بينما يمارس القفز، فإنك سوف تجد من يقول إن ذلك هو "الرقص كفلسفة"). إن هذه الكتابات التي تعتمد بكثافة على مجموعة جاهزة من موضوعات الفلسفة الأكاديمية، بإضافة مجال الدراستين بعضهما إلى بعض كأنك تحاول أن تمزج الزيت بالماء: السينما "زائد" الفلسفة، وأكثر هذه الكتابات تأخذ شكل الفلسفة التي تقدم خدماتها إلى السينما، أي أن تأخذ من السينما موقفًا أبويًا راعيًا عطوفًا: فالسينما لا تدرك المشكلة الفلسفية الكامنة بداخلها، بينما سوف تقوم الفلسفة بأن ترينا القيمة الحقيقية المختفية للسينما (لكي تساعد الفلسفة) .  

 وهكذا فإن الفلسفة سوف تبدو كقوات طوارئ أكاديمية تأتي لكي تصنف الفوضى التي خلقتها الدراسات السينيمائية، وهو ما يشبه إصابة السينما بعدوى الفلسفة، وببساطة متناهية فإن هؤلاء الكتاب يقومون بفاعلية "باستخدام" السينما لتدريس المناهج الفلسفية، يستخدمون السينما لتصوير المشكلات والمسائل الفلسفية الكلاسيكية، وانتباههم متوجه فقط إلى قصة الفيلم (الحوار وخطوط الحبكة ودوافع الشخصيات)، ثم يتركون الفيلم فجأة وراء ظهورهم لكي يتوسعوا في المشكلة، وهذه المشكلات الكلاسيكية ﻷقسام الفلسفة التي نضبت يتم دفعها بالقوة في قصص الأفلام، بل إنهم قد يخترعون ببساطة قصة بدلا من أن يجعلوا بعض القراء يعتقدون أنهم "يقولون" بالفعل شيئًا عن السينما. وهم بهذا يشجعون موجة أخرى من دارسي السينما على تجاهل الصورة والصوت المتحركين، والتركيز على الشخصيات والقصة.

لكن بقاء موضوع وليد يجمع بين فروع الدراسة المختلفة يعتمد على الكيفية التي سوف يخلق بها نمطًا "جديدًا" من الدراسة ( وهو النمط الذي قد يستمر في التطور هائمًا على وجهه في رحلات المستقبل). وليس هناك شك في أن السينما تمنح دراما يمكن التلاعب بها كالصلصال في أيدي الفلاسفة، وهناك بعض قصص الأفلام التي تقدم أفكارًا فلسفية معروفة، وفي الأغلب فإنها تكون ملائمة تمامًا لكي يفهمها الفلاسفة، لكن الأفلام هي أكثر من ذلك، وهي تحمل أكثر من الحوار والحبكة كما أن معظم هؤلاء الكتاب ما يزالون يستخدمون مصطلحات أدبية رصينة، مستعارة من أقسام الأدب في سبعينيات القرن العشرين، وهذه المفاهيم الخارجية (من خارج منطقة التخصص) هي التي توجه التحليلات بعيدًا عن أشكال السينما، بينما دراسة السينما من أجل قيمتها الفلسفية (السينما من داخل منطقة التخصص) يجب أن تفتح أسئلة مثيرة للاهتمام في المستقبل، إن الفلسفة في حاجة إلى أن تعمل "من أجل الدراسات السينمائية لكي تعيد التوازن في الكتابات التي تبحث في الأفلام من أجل التوضيح الفلسفي. والعمل "من خلال السينما على نحو فلسفي، بدلا من تطبيق الفلسفة على السينما يكشف أن السينما أكثر فلسفية بكثير من المقارنة مع ما تنتجه الطريقة الأخرى. وكما يكتب دولوز: “لقد استطعت أن أكتب عن السينما، ليس من خلال استخدام حق التأمل، وإنما عندما قادتني المشكلات الفلسفية إلى أن أبحث عن الإجابات في السينما، وهي إجابات التي أطلقت مشكلات جديدة.”

 *** *** ***  

 والفيلموسوفي لا تهدف إلى أن تكون حلًا للدراسات السينمائية لكنها يجب استخدامها وتغييرها وتطبيقها جنبًا إلى جنب وجهات النظر والطرق التفسيرية الأخرى – والقراءة التي تعتمد بشكل خاص على الفيلموسوفي هي قراءة جزئية، قراءة يجب أن تضاف إلى الرؤى والمعالجات الأخرى. وهذا الكتاب مصمم بشكل واعٍ كنوع من التحريض، كأنه شبه مانيفستو: والمأمول أن يخلق أسئلة، ولكن أن يخلق أيضًا إمكانات يمكن تطبيقها، وبهذا المعنى فإن الفيلموسوفي تهدف إلى أن تكون محاورة جديدة (حول السينما باعتبارها تفكيرًا)، محاورة تدعو إلى مناقشتها والتجادل بشأنها والامتداد بها حيثما يكون ذلك ضروريًا.  

 *** *** ***  

 ولعل المستوى التالي من التنظير يربط بين السينما وحياتنا غير الواعية (أكثر من الفكر الواعي) فكما رأينا في بداية هذا الفصل، لاحظ إيميل فييرموز أن الربط بين المخ والسينما يعود إلى عام 1917 – فكادرات الشريط السينمائ هي الخلايا، والكاميرا هي الإدراك، والتوليف هو المخيلة الإبداعية – وبعد عام واحد اقترح فكرة أن السينما هي "رحلة استكشافية للاوعي"، مضيفًا أنه "يومًا ما قد يستطيع المرء أن يلتقط صورًا لموسيقى الروح، ويثبت مظهرها المتغير على الشاشة في صور إيقاعية.”  

 *** **** ***  

 لقد أقام بيلا بالاش في عام 1945 نظرية عن السينما "المطلقة" التي تعتمد على نوع من التفكير السينمائي الواعي. إن هذا الكاتب وصانع الأفلام المجري الذي توفي في عام 1945 أقام بيانه النظري عن سينما المستقبل على إدراكه أن السينما تعرض لنا "المشاعر غير المرئية"، و"عملية التفكير"، من خلال وسائل مثل الاختفاء التدريجي البطيء: “إن الصور المعروضة ليست صور الأشياء الحقيقية بل صور العقل.” وبالنسبة لبالاش فإن الكاميرا توجهت إلى الداخل لكي ترينا كيف ينعكس الواقع في العقل. وعلى نحو غريزي، رأي بالاش أن السينما تشبه مزيجنا الانتقائي لما ندركه، وكيف أن عقلنا – المرآة الجزئية - “يعكس" فقط قدرًا معينًا من العالم الذي أمامه. والسينما المطلقة لم تكن مهتمة فقط بتصوير النفس البشرية من خلال التعبيرات الجسدية للممثل، لكنها كانت تحاول أن "تعرض المفاهيم الداخلية للعقل مباشرة على الشاشة"، بهدف نسخ "ليس الروح في العالم، وإنما العالم في الروح … أن ترينا بشكل مستبطن صور العالم الخارجي منعكسة على الروح. ليست الروح في الوجه وإنما الوجه في الروح.”  

 *** *** ***  

في مقابلة في عام 1970 قال ستانلي كوبريك أن السينما "تتحاشى التعبيرات اللفظية الذهنية، وتصل إلى لاوعي المتفرج بطريقة هي في جوهرها شعرية وفلسفية.” لقد كان كوبريك يقول إن الصور، ذات الشكل غير الأدبي خاصة، يمكن أن تخلق نوعًا خشنًا ، وربما غامضًا ، من "المعرفة". والحركات والأصوات في أفلام كوبريك لا تعتمد على اللغة أو التعبيرات اللفظية، لكنها تخاطب جانبًا آخر فنيًا، كذلك تساءلت إيفيت بيرو: “لو كانت الكاميرا امتدادًا لأعيننا، واتساعًا لرؤيتها، فإنها إذن امتدادًا أيضًا لذهننا"

لكن فيرجينيا وولف كتبت على نحو أكثر دقة حول إذا ما كانت السينما تتواصل معنا بطريقة مباشرة وقبل لغوية على نحو ما: “فنحن نسأل إذا ما كانت هناك لغة سرية نشعر بها ونراها، لكننا لا نتكلم بها أبدًا، وإذا كان الأمر كذلك فهل يمكن أن نجعلها مرئية للعين ؟ هل هنا أي سمات مميزة يمكن أن يمتلكها الفكر لكي يكون قادرًا على أن يكون مرئيًا دون الاستعانة بالكلمات؟". ولكي نفهم بصدق هذا العالم فإنه يجب أن نقبل أن للسينما طريقتها المتفردة في "التفكير"، لذلك سوف يستمر الفصل القادم في المناقشة التي قمنا بها في هذا الفصل، لنتساءل: من أو ماذا يقوم بهذا التفكير؟


مقاطع من الفصل الأول من كتاب:
الفيلموسوفي: نحو فلسفة للسينما
تأليف دانييل فرامبتون
ترجمة وتقديم: أحمد يوسف
المركز القومي للترجمة، 2009,


تعليقات

  1. كل سنة وحضرتك طيب وبألف خير وصحة وسعادة ورضا وراحة بال وسلام وإن شاء الله يكون عام جديد سعيد عليك وعلى أسرتك الكريمة وتحقق فيه كل ما تتمنى
    :)

    أطيب تحياتي

    ردحذف
    الردود
    1. وانت بألف صحة وخير يا باشا :) يعني ممتن ليك على اللفتة الجميلة.. وأشكرك ... وياريت أعرفك أكتر قدام .. تسلم

      حذف

إرسال تعليق

أفيدوني بانتقاداتكم وإطراءاتكم، أسعد بجميع الآراء

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

هل العالم حقيقي، أم أنه مجرد وهم أو هلوسة؟

ألفريد آدلر (Alfred W. Adler)

قصائد من لوركا

مقتطفات عن أينشتاين