مقتطفات من الكوني

إبراهيم الكوني

- يجب على الإنسان أن يستمتع بكل شيء ..
سعل وأضاف:
- حتى تدخين السجائر.
علق مصباح بروح ساخرة:
- نعم. على الإنسان أن يستمتع بكل شيء ..
افتعل السعال وأضاف مقلدًا لهجة الملازم:
- حتى ارتكاب الجريمة!
ارتجفت شفة الملازم السفلى وهو يلتفت بحدة نحو رفيقه. تساءل في دهشه:
- ماذا؟ ماذا تقصد؟
- لاشيء..
عاد يدوس على البنزين فيما انتصب بينهما صمت أخرس

(مقطع من قصة: ذرات الرمل التي تقرع الطبول/ إبراهيم الكوني )



***

- أنت تجهل أشياء كثيرة.. كثيرة جدًا.
- بل أعرف أشياءً ك
ثيرة .. يكفيني أني لن أجهل بعد اليوم أن بوسع رجل القانون أن يرتكب جريمة أمام الدنيا ويظل طليقًا.
- هل تعتبر ذلك جريمة؟
- نعم لقد كان في إمكانك إنقاذه.
- رجل القانون ليس مسؤولا عن إنقاذ أحد.
- بل أنت مسؤول .. وفوق هذا مكلف.

- ها نحن نتقارب .. اسمع  .. اسمعني جيدًا. إن الإنسان الذي يختار حياة الصحراء لا ينبغي عليه أن يعتمد على أحد. لأنه لا يخضع لسلطة أحد .. إنه يتمتع بكل حريته، حتى أنه لا يعرف ماذا يفعل بهذه الحرية غير الركض خلف الغزلان أو مطاردة السراب، وعندما يدركه العجز والعطش فعليه أن يعتمد على نفسه في إنقاذ نفسه .. عليه أن يدفع ثمن الحرية الكاملة التي يتمتع بها بفضل التحرر من السلطة.

بدأ مصباح سعيد يرتجف، اقترب من الملازم وهو يقول:
- لو كان جبور متحررًا من السلطة لما اعتمد عليك.
تبادلا نظرة خاطفة قبل أن يضيف الملازم:
- لو كان خاضعًا للسلطة لما جرؤ على أن يرفع صوته ضدي ليستقطب الأهالي البلهاء إلى جانبه .. كان يعلم أن أحدًا لن يأتي لإنقاذه، فقد علمه الطوارق كيف يزهد في الدنيا ويختار الصحراء، وموته كان ثمنًا للدفاع عن هذه الحرية. السلطة لا تحمي أولئك الذين ترتفع أصواتهم بالمعارضه لها.
فما دامت السلطة توفر لك الخبز وتتولاك بالعناية والحماية فلا بد أن تكسر رأسك إذا حاولت أن تجهر بالعداء لها. إنها تدفع لك مقابل سكوتك .. إنها اشترت صمتك إلى الأبد. أما إذا اخترت الحرية فما عليك إلا أن تلجأ إلى الصحراء!

- مبرر وحشي أقبح من الجريمة. ولكن .. انتظر .. سوف ترى عندما أصل العاصمة. سأفضحك في الصحف .. سأكتب تفاصيل الجريمة ولن أكف حتى تقدم إلى المحاكمة..
ابتسم الملازم بمرارة وهو يعلن:
- لن تجني من ذلك شيئًا .. ليس لديك دليل واحد يدينني ... الجريمة الحقيقية ارتكبتها الصحراء. لم يقتله إلا سعيه للحرية.. الحرية هي المجرمة التي يجب أن تنادي بمحاكمتها أما أنا فلم أفعل سوى أني تأخرت .. تأخرت قليلا .. تعمدت ذلك .. بضع ساعات، أو ربما نصف يوم، كانت  كفيلة بحيث تتولى الصحراء بقية المهمة.. كان ينبغي أن أفعل ذلك .. عقاب صغير باسم السلطة التي تمرد عليها ورفض أن يتناول الخبز من يديها.

(مقطع من قصة: ذرات الرمل التي تقرع الطبول/ إبراهيم الكوني)

***

"- نعم هي مخيفة وموحشة... ولكنها كالحياة .. كالوجود نفسه .. سر من أسرار تبدو غارقة في الوحشة والسكون .. تعدك بكل شيء ... تعدك بأثمن ما يمكن أن تهبه لمسافر تائه .. تعدك بالماء .. وعندما تبحث عن الماء لا تجد سوى السراب ... سراب .. سراب بحر من السراب ... يتراقص أمامك ويطلع لك لسانه ساخرًا ويقودك بلا هدف .. ولكن اسمع .. ينبغي أن تقاوم دائمًا .. لا تستسلم للسراب على أنه سراب، فما سراب الصحراء إلا حكمة .. لغز .. ابحث عن ماء حقيقي خلفة .. لا تدع لليأس فرصة للاستبداد بك أو استباحتك .. ففي النهاية، هناك، خلف هذا السراب اللانهائي ستجدُ بئرًا، إن لم تجد واحة كاملة. المهم أن تقاوم ... هذا هو سر الصحراء الأول.
التفت نحو مصباح وطلب منه أن يولع له سيبجارة. قال بعد فترة صمت يخرقها أزيز المحرك:
- الصحراء. إنها كالمرأة اللعوب .. تتمنع .. وتتغنج ولا تهبك نفسها في المرة الأولى أبدًا .. ينبغي أن تحاول امتلاكها .. اكتشاف سرها للاستيلاء عليها. أنت لا ترى فائدة من هذا كله. أما أنا فأرى فائدة في كل شيء...
هكذا علمتني الصحراء. لقد استباحتك أوروبا لأنك استسلمت لها. "
 
(مقطع من قصة: ذرات الرمل التي تقرع الطبول. )
 

*** 

أتى بحجرين كبيرين .. نزع رأسها عن جلدها .. حفر حفرة صغيرة بعصاته ودفن الرأس. كان لا بد له أن يفعل ذلك .. فإذا قتلت أفعى وأهملت أن تنزع رأسها جاءتها بقية الأفاعي بعد أن تمضي مباشرة لتعيد لها الحياة وتمضي تقتفي أثرك حتى تقتلك أينما كنت .. هكذا يقول الطوارق وهو لم يؤمن في حياته بشيء كما آمن بقدرة الأفعى على المطاردة والانتقام من قاتلها إن لم يجتث رأسها عن جلدها. ربما لأن خوفه من الأفاعي أقوى من كل شيء .. من طغيان الأشباج والصحراء وكل الأعداء
 
(نقلا عن قصة: جرعة من دم / إبراهيم الكوني)
 

***

تذكر أنه نسي أن يبسمل عندما أطلق النار: آه  .. هذا نذير شؤم .. الغزلان أيضًا مسحورة .. إذا أطلقت النار عليها فيجب أن تتأكد من إصابتها إصابة قاتلة، فتقتل شياطينها معها .. وإلا لإن لعنتها قادرة على أن تلحق بك الأذى، خاصة إذا نسيت أن تذكر اسم الله عند الضغط على الزناد. عرف رجلا جرح غزالة حامل فركبته شياطينها وفقد عقله .. وبعد ثلاثة أيام مات. وحدثه رجل من أوراغن، كيف ظل يطلق النار على غزالة مسكونة منذ الصباح حتى انتصف النهار، كانت تقفز في الهزاء مع كل طلقة وتعود إلى الأرض لترتع بهدوء، دون أن تعبأ بعياراته النارية حتى نفد رصاصه في نهاية الأمر وتأكد أن الشيطان يسكنها.

(نقلا عن قصة: جرعة من دم / إبراهيم الكوني)

______________

اقرأ أيضًا:


مجموعة القفص لإبراهيم الكوني

مقطع من قصة: نذر البتول لإبراهيم الكوني

تعليقات

  1. الردود
    1. بالفعل .. أنصح بقراءة قصصه القصيرة فهي ممتعة ... شكراا على المرور والتعليق :

      حذف

إرسال تعليق

أفيدوني بانتقاداتكم وإطراءاتكم، أسعد بجميع الآراء

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

النسبية الثقافية ؟

هكذا تبدو الثورة ..2

حدث في المستقبل

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

ما هو الفن الطليعي؟ (Avant Garde)