مقطع من قصة: نذر البتول لإبراهيم الكوني

غلاف مجموعة القفص للقاص والروائي إبراهيم الكوني

مقطع من قصة: نذر البتول لإبراهيم الكوني
من مجموعة القفص (1991)

     بدأت تتعثر. سقطت ونهضت. تكرر ذلك مرات قبل أن تتوغل في غزو الشمس ويبدأ جلاد الكائنات في الهجوم المضاد. أطلق في وجهها غيمة لحجب الرؤية. ولم يمض وقت طويل حتى أعقبها بغيمة أخرى على العقل. هنا ركعت على ركبتيها وانتزعت التعاويذ الملفوفة على جيدها في عقد من المثلثات الجلدية باحثة عن الإبرة. الحرز مكون من ثلاث قطع علقتها الجدة في رقبتها قبل أن تعرف الطفلة معنى الحياة والمستقبل والموت. قالت لها أنها اشترتها من عراف الواحة بثلاث معزات، الأولى تساعد في ترويض الجن، والثانية خاصة بإحباط مكائد الإنس. أما الثالثة فهي لحماية العقل من الخبل، وهو مرض شائع في الصحراء، عانت منه القبائل المجاورة وهدد أنبل الرجال وأجمل النساء بأن يتحولوا إلى دراويش.

     الخوف من الدروشة جعل الجدة تحرص على تحرير التعويذة النفيسة وتدفع للعراف ثلاث معزات كاملة ثمنًا لها برغم أن الحصن الأول والثاني يمكن مقايضتهما بجدي واحد.

     عثرت على الإبرة. تناولتها بين إصبعيها المرتجفتين، وبدأت توخز ذراعها بقساوة وخزات سريعة متتالية. انكبت على الذراع لتمتص الدم. لم تحس بألم في أثناء الوخز، كما لم تحس بأن سائلا تفصد من الذراع. انهارت على الأرض القاسية وهي تلهث، ثم عادت فجلست وانهالت على ركبتها بالوخزات. مدت فمها ومصت الركبة. لم تحس بطعم. ربما تبدد الدم من الجسد كما تبخر الماء مع البخار والصهد. أفلتت الإبرة وحشت رأسها بين التراب. مضغت الطين الملتهب الممزوج بالحصى فلم تحس بطعم أيضًا.

      فجأة ومض رأسها بصفاء. وعدت بالنذر الجسيم في وميض هذا القبس الخاطف. ثم غابت مرة أخرى. استسلمت لزحف موجة جديدة من الظلمات.

(8)

التقطوها في قلب القيلولة.
     مكثت في الغيبوبة ثلاثة أيام تهذي وتثرثر وتتحدث بكلمات مبهمة عن متناقضات لم تجد لها العجوز معنى. سهرت على رأسها الليالي الثلاث تقرأ التعاويذ وتتمتم بآية الكرسي. تغلي المراهم والأعشاب وتبدأ في مخض الحليب مع مطلع الفجر. العجائز أكثر رحمة بالصغار عندما يمرضون. انتهزت الفرصة وقررت أن تتدلل.
 
 في صباح اليوم الثالث كشفت عن رأسها وسألتها:
  • لماذا خلق الله الصحراء صحراء؟
لم تتوقف العجوز عن التمايل مع قربة الحليب يمينًا ويسارًا. رمقتها بفضول. ابتسمت قبل أن تجيب:   
  • لكي تكون مأوى لمن أراد أن يكون حرًا.
ابتسمت تازيديرت أيضًا. تنقلت ببصرها بين ألسنة اللهب في الموقد ووجه العجوز الممصوص بوجنتيه الغائرتين.
سألت في صمت:
  • وهل أهل المدن عبيد؟
أجابت بلا تردد:
  • طبعا عبيد.
  • وأهل الواحات؟
هزت رأسها موافقة قبل أن تدعم موقفها باللغة:
  • أيضًا عبيد. كل من رضي أن يعيش تحت رحمة عبد آخر فهو عبد. كل من نام تحت سقف أو أقام تحت جدار، كل من استقر في أرض.
  • وسكان الأدغال؟ هل سكان الغابات أيضًا عبيد؟
هزت رأسها بالإيجاب، فسألت تازيديرت:
  • ولكنهم لا ينامون تحت السقوف ولا يقيمون تحت الجدران؟
  • هناك يعيشون تحت رحمة الخوف. كيف يكون حرًا من نام وهو يرتجف خوفًا من نمر أو ثعبان؟
  • ولكن في الصحراء يموت الإنسان أيضًا من الجدب.
  • يموت وهو يعرف. الإنسان لابد أن يموت إذا أراد أن يكون حرًا.
  • وما نفع الحرية في الصحراء إذا كان مكتوبًا على جبين الإنسان أن يموت؟

تعليقات

  1. الخوف عبودية اي كان المكان
    والموت حقيقة اي كان المكان
    والحرية جرأة مواجهة المجهول في اي مكان

    سعيدة بمروري هنا
    اشكرك
    السمراء

    ردحذف
    الردود
    1. وأنا سعيد بمرورك أيضًا.. شكراا على الاهتمام والتعليق :)

      حذف

إرسال تعليق

أفيدوني بانتقاداتكم وإطراءاتكم، أسعد بجميع الآراء

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

قصائد من الشعر الأفريقي المعاصر

هل العالم حقيقي، أم أنه مجرد وهم أو هلوسة؟

قصائد من لوركا

ألفريد آدلر (Alfred W. Adler)