مَنْقَد

لوحة لمحمد الناصر

بقلم: أحمد ع. الحضري 

[0]

     الآن تقفُ أمام هذا المفترق، بين دربين لا يمكنك أن تختارَ أحدهما وأن تبقى أنت أنت في نفس الوقت. 

[1]

     الغريب أن أذكر هذه الأيام بكل تفاصيلها الصغيرة، دون أن أذكر بعض أيامي الأقرب، أو التفاصيل الأكثر أهمية في يومي، ألعاب الذاكرة غريبة حقًا، جاءني خاطرٌ وأنا أتكلم الآن أننا ربما نحتفظ بذكرياتنا الساخنة ونبقيها بكل تفاصيلها الفرعية أو غير المهمة بينما ننسى البرودة، نختزلها في أحداث عامة، أو نعيد تشكيلها. لهذه الأيام حلاوة الصفاء، وغياب الهم والمسؤولية والأسئلة، حلاوة الانطلاق الحر في طرقات القرية والدنيا. 


     كان دفؤنا في أيام وليالي الشتاء الأكثر برودة هو الجلوس في مخزن الغلال المقابل للدار، الجلوس هناك وترتيب "القوالح" والعمل برفق على إشعالها لنحس بعد ذلك حلاوة الدفء الذي يتسرب إلينا. التفاصيل الصغيرة التي تضاف إلى هذه الليالي هي التي كانت تصنع كل الفارق، ميزان الغلال الذي تعلمنا كيف نستخدمه لوزن أنفسنا فصرنا نتبارى فيمن سيكون فينا الأطول والأثقل، لعبة الاستخفاء، الذهاب إلى "زريبة" البهائم التي تقع خلف المخزن، صيد السمك بالسنارة التي صنعناها، أو جمع الأسماك الأصغر بواسطة "المشنة"، جمع أم الخلول في ليالي السدة الشتوية؛ ثم استخدام النار التي نوقدها في المخزن لإنضاج ثرواتنا الصغيرة التي كانت لنا أشهى من أشهى طعام.

[2]

     لعائلتنا سمت خاص بها، يميزها عن بقية سكان القرية، لها احترامها الخاص، ولها طبعها الذي يقول الكثيرون أنه يختلف عن طباع أهل بحري، يقولون أننا نشبه أهل الصعيد، وهم محقون ربما، لكني أحس أننا لا نشبههم هذا الشبه الذي يتحدثون عنه، نشبههم من بعيد كما نشبه أهل قريتنا من بعيد، لذا كنت كثيرًا ما أكرر ما سمعته من عمي: نحن لا نشبه أحدًا سوانا. كان لنا ذلك الاعتداد بالذات الذي كان يغضب الكثيرين منا، وكان عمي أكثرنا اعتدادًا، وقوة، ونفوذًا بيننا.

     أذكرُ أنه كان ينضم أحيانا لنا في جلساتنا في المخزن القديم، يشعل معنا النار، ويستدفيء بها معنا، ويحكي لنا الكثير من الحكايات التي يتقن سردها، حكايات حقيقية حدثت له، وأخرى غير حقيقية يخترعها أثناء جلوسنا ليمتعنا، ولم نكن دائمًا ندرك أي هذه الحكايات حقيقية، وأيها خيال، لم يكن لهذه التفرقة من معنى وقتها، فكل ما يحكيه كان ممتعًا، وكان يعبر عن حقيقة واحدة لا شك فيها، أننا نحب هذا الرجل، نحبه، ونخشاه، ونحترمه، في نفس الوقت، لم يكن كأحد من القرية، ولا حتى من عائلتنا، كان نسيجًا وحده، ولم نكن وحدنا من نراه هكذا، الجميع نظروا له هذه النظرة الطفولية المنبهرة في وقت ما: حتى أسود القرية وغيلانها.
 
[3]

     الحدث المزلزل الذي يشل حركتك، ويدمر أساطيرك الخاصة التي كنت تنوي أن تعيش بها للأبد، وتدمر كل معنى أردت أن تعطيه لطريقك، هذا الحدث قد يكون كلمة، موقف، قد يراه غيرك فلا يحس أهميته أو محوريته، أو بإمكانية أن يكون محوريًا أو مهمًا. 

[4]

     هذا الاختيار المستحيل بين الحياة والموت، لا يمكن أن تختاره بكلك دون أن يثور بعضك عليك، لا يمكن أن تظل واحدًا حقيقيًا أو خياليًا حتى، لا بد أن تصبح أكثر، لا يمكنك أن تختار الموت مثلا إلا ويثور فيك حب الحياة إلى أقصى مدى، أو أن تختار الحياة دون أن تشتعل داخلك بذرة موتٍ تستمر معك وتحرقك، تشعلها في كل سيجارة، في كل صرخة توجهها إلى زميل أو زوجة أو ابن أو ابنة، تشغلك وأنت ساكن على كرسيك، وأنت تسيرُ هادئا في الشارع، تنساه أحيانًا لكنه هناك، يومضُ لك على فترات فتبعده سريعًا دون أن تدرك ربما أن هذا الإبعاد قد يقويه في داخلك بشكلٍ آخر، يظلُّ هناك، وتظل أنت تذوي أسرع من الآخرين، دون أن يدركوا أو تدرك أنت أيضًا.
 
[5]

     وقت موته لم أكن هناك، لم يكن منا أحدٌ هناك، لم يكن معه سوى قتلته، لأنهم اختاروا قتله قبيل الفجر أثناء جلسته للصيد أمام شارعنا، أتخيلُ المشهد الذي لم أره: كانوا أكثر من واحد، لم يكن واحدٌ منهم يجرؤ منفردًا على فعلها ولو غيلة، كانوا كثيرين، هكذا تقولُ جروحه العديدة التي وجدت به، كانوا كثيرين، هكذا قال دمه الذي لطخ الماء بحمرته، كانوا كثيرين.
 
     يقولُ لي لا تحزن، أخذنا بثأره، لكني لم أقتنع قط بهذه ال "نا"، كانت ناري أكبر منها، أخذوا ثأرهم، لكني لم آخذه، لي ثأرٌ وحدي، كنت أكثرهم حبًا له، وكان هذا الحب يقول لي خذ ثأرك، خذ ثأرك: كم ضحكة لم تسمعها منذ موته. يقول: ابق في جامعتك، مالك أنت والثأر، اتركه لنا. يقولُ أخذنا منهم عشرة رجال، فيغلي فيَّ الدم.
 
[6]

     في النهاية مازال ثأري في قلبي لم أطلقه، بقيت في جامعتي كما قال لي، أخبرت نفسي أني لم أنس الثأر أنا فقط أؤجله إلى وقته. قلت هذا وأنا أدرس، وأنا أتخرج، وأنا أبحث عن عمل، وأنا أغازلُ البنات في الشارع، وأنا أعجبُ بإحداهن وأتزوجها، وأنا أرى أطفالي، وأصرخ فيهم، وأعاقبهم.
 
[7]

     الأمر عاديٌ تمامًا، تكونُ شابًا ذا دماء حامية كما يقولون، ثم تسرقك الدنيا، تُبرِّدُ هذه الدماء شيئًا فشيئًا، حتى لا يبقى من حرارتها سوى ملامح وجهك المحترقة، ودخان سجائرك، وبقاياك. لكنك تعلم رغم هذا أن هذه النار التي لم تطلقها ما زالت هنا، وأن
بعضك ما زال يحترق فيها.

24 سبتمبر 2012 



تعليقات

  1. رائع كعادتك دومًا يا أحمد.
    هذه المرة أنت "مُخيف" جدًا، قدرتك على السرد السلس الذي يجذب قارئك من أول كلمة ـ بل وربما من العنوان نفسه ـ تفاصيل الحكاية التي قد تبدو عادية جدًا ومطروقة من كثيرين، إلا أنها معك تكتسب طابع جديد، فيه من شاعريتك وفلسفتك.
    معذرةً على التعليق المرتبك، فما زلت تحت تأثير الانبهار بهذا القاص المتمكن جدًا من أدواته دون أن يؤثر ذلك على طبيعته الشعرية ولغته الخاصة جدًا، إنه الحضري المدهش دومًا أيًا ما كان القالب الذي يُخرج فيه إبداعه.

    هل أطمع في سماعها في جلسةٍ قادمة؟؟
    دمت مُبدعًا

    ردحذف
  2. مروة: كالعادة شكرا على التعليق، وعلى الاهتمام... بخصوص الإلقاء: لعلي أفعل

    حنان الشافعي: شكراا... سعيد أن أعجبتك

    ردحذف

إرسال تعليق

أفيدوني بانتقاداتكم وإطراءاتكم، أسعد بجميع الآراء

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

قصائد من لوركا

مختارات من شوقي بزيع

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

مقتطفات عن أينشتاين