السجن


هنا بلغت أعلى مراحل الاستحباس. أعني أن يعيش المرء حياة السجن كأنه يعيش في بيته، أن يطور خصوصية وحرية وهو في ذلك المعزل المخصص لحرمانه من الحرية والخصوصية، أن ينجح في ترويض الوحش الذي وضع في القفص كي يفتك به. علمًا أن الوحش فتك بكثيرين منا فعلًا، وكنا في القفص نفسه. 

الاستحباس يلخص تجربتي الشخصية في السجن، روضته بأن روضت نفسي له. وانحبست جيدًا بأن استحبست. 

مقطع من: قراءات الصبر/ ياسين الحاج صالح
مجلة عالم الكتب مارس/ أبريل 2015
ع86/87

*** *** ***
    
أكرر أن المستوى لم يكن مهمًا، والمهم أنها كانت -الأنشطة الثقافية- ضرورة وجزءًا أساسيًا من أي حبسة. وفي حبسة سجن طرة عام 1980 التي دامت عدة شهور عقدت كمية هائلة من الندوات والمناقشات، فقد انتزعنا حقنا في تخصيص زنزانة ذات حجم لا بأس به للندوات، وعندما يزداد العدد كنا ننقل اللقاء إلى باحة العنبر. 

في تلك الحبسة تحديدًا، كان مستوى الندوات محترمًا حول نمط الإنتاج الأسيوي مثلا، أو طبيعة السلطة، أو مطالب الحد الأدنى أو ما شابه، وهي أمور كنا نأخذها بجدية شديدة، بل وفي أحيان قليلة كنا نشتبك في معارك حقيقية بشأنها. في تلك الحبسة أيضًا أتيح لي على سبيل المثال أن أقرأ تاريخ الجبرتي الذي تفضل صديقي الروائي عبده جبير بإرساله لي، وكان من المسموح به ان نتلقي كتبًا في غير السياسة في الزيارات، وأشهد أن الكتب كانت متوافرة إلى الحد الذي لم يجعلني أسأل عن مكتبة السجن. كان من السهل أن تجد كتبًا ليوسف إدريس ومحمود درويش وحجازي وعبد العظيم رمضان غيرها وغيرها مما غاب عن الذاكرة من الروايات المترجمة والمؤلفة، لكن أغلب الزملاء كانوا يملكون ذوقًا شعبويًا، وحتى بالنسبة للكتاب المصريين فقد كانوا يعجبون بالصوت العالي والدفاع عن حقوق الكادحين، بينما يجهل البعض منهم أسماء كتاب كنت أعتبرهم أكثر صدقًا. 

    

مقطع من: شيء من هذا القبيل/ محمود الورداني
مجلة عالم الكتب مارس/ أبريل 2015
ع86/87
___________
اقرأ أيضًا: 

السرداب رقم 2

تعليقات

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

مقتطفات عن أينشتاين

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

ما هو الفن الطليعي؟ (Avant Garde)

قصائد من لوركا

قصائد من الشعر الأفريقي المعاصر