الهزات الحضارية

غلاف الطبعة الإنجليزية
إن الهزات الحضارية التي تحدث بصورة منتظمة في تاريخ الفن والأدب والفكر هي أقرب ما تكون إلى الهزات الزلزالية التي يمكن تقسيمها ثلاث أنواع رئيسية: النوع الأول: هو ما يمكن تسميته بالهزات البسيطة (Tremors) التي تتعلق بالمودة أو "التقليعة" التي غالبًا ما تأتي بها الأجيال المتعاقبة. تستمر "التقليعة" مدة لا تزيد عن عشر سنوات. والنوع الثاني من الهزات هو ما يمكن نعته بالإزاحات الكبيرة (Displacements) التي تمتاز بالتحولات العميقة والواسعة التي تخلفها وراءها وغالبًا ما يستمر تأثيرها مدة طويلة تقاس بالقرون. والنوع الثالث هو ذلك النوع المدمر الكاسح (Cataclysm) الذي يقوض ساحات واسعة من البناء الحضاري والفكري ويترك أكوامًا من الأنقاض (التي نعلل النفس بنعتها ب"الأطلال النبيلة") تستثير الهمم لبناء بديل. هناك حقيقة لا يمكن التغاضي عنها وهي أن القرن العشرين جاء بنوع جديد من الفن، وما هدف هذا الكتاب إلا محاولة إماطة اللثام عن بعض الخصائص الحاسمة لهذا الفن. إننا نعتقد بأن هذا الفن الجديد جاء نتيجة لهذا النوع من الهزات الكاسحة (Cataclysmic order) أو ربما هو هزة كاسحة بحد ذاته. وستكون وجهة نظرنا هذه مقبولة إذا ما تذكرنا أنه حدثت في هذا العصر من الأحداث التاريخية الحاسمة التي تركت ورائها كثيرًا من الأزمات، وخير من تطرق إلى هذا الموضوع هو (هربرت ريدHerbert read ) الذي كتب في عام 1933 قائلًا: 
"شهدت الأزمان السالفة كثيرًا من الثورات الفنية. فكل جيل جاء بثورة فنية جديدة ثم إننا نجد أن لكل القرون ثوراتها المتعاقبة التي أنتجت ما نسميه الآن ب(الفترات) فهناك فترات مثل (تيجينتو Trecento) و(كواتروجينتوQuattro cento) و(الباروك Baroqye) و(الروكوكو Roccoco) و(الرومانسية) و(الانطباعية) وهكذا ... أما ما يسميه بعضهم بالثورة الفنية المعاصرة، فلا أعتقد أن لفظة (ثورة) مناسبة لهذا السياق. إنها تحطيم، بل انحلال مأساوي". 
يزعم (ريد) في معرض حديثه عن تأثير (كوكان) و(فان كوخ) و(بيكاسو): "أننا نلمس الآن ابتعادًا عن كل أنواع التراث، ولا يمكن أن ندعو هذا الابتعاد بالتطور المنطقي لفن الرسم في أوروبا لأنه ليس هناك ما يوازيه تاريخيًا. لقد وجدنا أنفسنا فجأة نكفر بجهود خمسة قرون من الإبداع الفني" وتطرق إلى الموضوع نفسه الراحل (سي. س. لوس) في إحدى محاضراته التي ألقاها في جامعة كيمبرج في عام 1954. يعتقد هذا الناقد بأن أكبر الهزات التي حدثت في التاريخ الأوروبي قاطبة هي تلك الهزة التي فصلت عصرنا الحاضر عن عصر (جين أوستن) و(ولتر سكوت)، فهي أكبر من تلك الهزات التي فصلت فجر التاريخ عن العصور المظلمة وأكبر من الهزات التي فصلت العصور المظلمة عن العصور الوسطى، حيث شملت هذه الهزة المعاصرة الأمور السياسية والدينية والقيم الاجتماعية وكذلك الأدب والفن. ثم يستطرد: 
"لا أتصور أن هنالك عصرًا سالفًا أتى بأعمال محيرة ومدمرة كالأعمال التي جاءت بها الدادائية والسريالية. أعتقد جازمًا بأن هذا ينطبق على الشعر ... لا أستطيع أن أتصور إنسانًا يشك في أن الشعر المعاصر هو أكثر تجديدًا من أي "شعر حديث" وهو أيضًا جديد بطريقة جديدة، ببعد جديد تقريبً"
من كتاب: 

الحداثة: (1890-1930)
تحرير: مالكم برادبري، وجيمس ماكفارلن
ترجمة: مؤيد حسن فوزي
دار المأمون للترجمة والنشر، بغداد
1987

المقطع مأخوذ من:
الفصل الأول، وعنوانه : مصطلح الحداثة وطبيعته
بقلم: مالكم برادبري، وجيمس ماكفارلن

تعليقات

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

قصائد من الشعر الأفريقي المعاصر

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

مقتطفات عن أينشتاين

النسبية الثقافية ؟

قصائد من لوركا