الرواية والمدينة (مقتبسات)


غلاف كتاب "الرواية والمدينة"  لحسين حمودة

يطمح هذا الكتاب إلى تعرف أبعاد مجموعة من الفروض التي تحيط بعلاقة "الرواية/ المدينة"، أو – على الأقل- يحاول طرح عدد من التساؤلات حول تأثر أو تأثير ممكنين، بين عالم المدينة وتقنيات الفن الروائي.

تتصل هذه الفروض/ التساؤلات من – من جانب- بإمكان ملاحظة شكل من أشكال الموازاة بين بنية المدينة وبنية الرواية؛ إذ وَسَم كلا منهما – خلال تاريخ طويل- طابعٌ من المركزية واضحٌ، ثم – خلال زمن قصير نسبيًا- تفتت هذه البنية المركزية للمدينة والرواية معًا، بظهور نموذج "النويات المتعددة" أو نموذج البنية اللامركزية، في تكوين المدينة، وتبلور شكل الرواية "متعدد الأصوات" التي جاوزت السرد الموحد، والراوي العليم، والخطاب المتجانس ... إلخ. 

وترتبط هذه الفروض/ التساؤلات – من جانب ثانٍ- بسمات مثل " التنوع" و"المرونة" و"الانفتاح" و"الحراك" التي نهض عليها تكوين كلٍ من الرواية والمدينة ، وبمعانٍ مثل "التحرر" و"الفردية" أو "تمزق الأوصار الجمعية" التي كانت، إلى هذه الدرجة أو تلك جزءًا من معالم الصلات بين ساكني المدينة التي فككت تماسك التجمعات السابقة عليها، كما كانت – في الوقت نفسه- جزءًا من ملامح علاقات شخصيات الرواية التي تخطت تناول الروابط العشائرية في فنون قديمة، كالملاحم. 

وتتعلق هذه الفروض / التساؤلات – من جانبٍ ثالث- بمدى تأثير عالم المدينة على العناصر الفنية الروائية: أولا: على مستوى الزمن المجرد، المجزأ والمفتت، الذي انقطع بعالم المدينة عن زمن الطبيعة المجسد، كليِّ الإيقاع، المتصل، الموسيقيّ والموزون، وكيف يمكن أن يكون هذا "الزمن المديني" ملمحًا مميزًا للعلاقات الزمنية في "رواية" تختلف عن "رواية الريف" مثلا. وثانيًا: على مستوى بروز الاحتفاء بالثقافة البصرية – وهي ثقافة مدينية بالأساس- التي تهتم بالاتصال عن طريق "المرئي" أكثر مما تهتم بالاتصال عن طريق "المسموع"، وتبين أثر هذه الثقافة المحتمل في الاتجاه بعنصر السرد الروائي وجهة بعينها. وثالثًا: على مستوى خصوصية ما يسمى "الأماكن الطبيعية الحضرية" التي تمثل سلسلة من مفردات مكانية بعينها في المدينة، وكيف يمكن أن تقترح هذه السلسلة صياغات خاصة لعلاقات المكان بالرواية .. إلخ. ورابعًا: على مستوى صياغة الراوي، من حيث الحضور والغياب، الأحادية والتعدد، النزوع الفردي أو الجمعي، كلية المعرفة أو نسبيتها .. إلخ. 
 
كذلك تتعلق هذه الفروض / التساؤلات – من جانبٍ رابع- بما يمكن ملاحظته حول "خصوصية" المدينة المرجعية التي تناولها الكتاب الذين تمثل أعمالهم نماذج لهذا الكتاب؛ فهذه المدينة المرجعية (القاهرة) تكاد تنطوي بداخلها على أكثر من مدينة؛ إذ قامت على نشآت قديمة عدة؛ وإذ تعرضت لمحاولات "تحديث" و"تغريب" متتالية، طيلة أكثر من قرن، صدعتها إلى "قطاع شرق" و"قطاع حديث"، فضلا عن كونها تنطوي على بعض علاقات تنتمي إلى ما يسمى "المتصل الريفي الحضري"، الذي تتعايش فيه – أو تتصارع- قيم مدينية وأخرى ريفية، بما يميز هذه المدينة المرجعية – في النهاية- عن المدينة الغربية المتعارفة، متجانسة التكوين، وبما يجعل – من ثم- حضورها متفردًا في الروايات التي تناولت عالمها من زاويا متباينة. 

كما تتصل هذه الفروض/ التساؤلات – من جانبٍ خامس- بمدى حضور المدينة في روايات اصطلح – في كثرة من التناولات النقدية- على أنها "روايات ريفية"، ثم تتصل هذه الفروض/ التساؤلات –أخيرًا- بدرجة أو كيفية تباين تصورات المدينة لدى مجموعة من الكتاب جمع بينهم زمن إطار واحد، و"موضوع" مرجعي واحد (على تعقد مكونات هذا الموضوع وتشابك عناصره، كما أشرنا وكما سنتوقف بالتفصيل)؛ إذ يمكن، بالطبع، للمدينة من حيث هي دال أن تتحول فنيًا إلى مدلولات متعددة، وتناول الروائي للمدينة يظل – في أول الأمر وآخره- تناولا إبداعيًا ينهض على متطلبات تنتمي إلى معايير الفن واعتباراته المتغيرة الخاصة، أكثر مما تنتمي إلى قوانين الحقائق المرجعية الثابتة التي يمكن الاتفاق عليها. 

*** *** *** 

على الطرف الآخر من طرفي علاقة الرواية بالمدينة، تأثرت المدينة – على مستوى ما- بصعود الرواية وازدهارها وانتشارها بين جمهور واسع، وتحولها إلى جزء راسخ من الوعي الفني، فكان للجماليات الروائية أثر ما في صياغة بعض التقنيات المعمارية لبعض المدن المعاصرة؛ إذ بدأت النظرية المعمارية الحديثة تتمثل تقنيات السرد الروائي، وتحاول أن ترى في مسارات الناس "الفيزيقية خلال (...) المباني حكايات أو قصصًا فعلية، ممرات دينامية، ونماذج سردية" يفترض من هؤلاء الناس خلال حركتهم الجسدية بهذه المباني، أن ينجزوها ويكملوها ويمنحوها دلالتها. وكان في هذا، ربما، صدى لذلك الصوت الروائي القائل بأن الروائيين يتعلمون "من المهندس المعماري شيئًا مهمًا: فمشاكله الجمالية مرتبطة بالمشاكل الوظيفية لمعماره بطريقة تجعل إنجازه النهائي دراميًا"

*** *** *** 

ويصلح للاختبار النقدي، خلال تناول مجموعة كافية، متنوعة، من الروايات، استكشاف أوجه التفاعل المحتملة بين الرواية والمدينة. ومن هذه الأوجه، إمكان نهوض أو تشكل علاقة موازاة بين بنية الرواية الحديثة وبنية المدينة الحديثة، وذلك بافتراض التسليم – من ناحية – بأن الرواية شكل أدبي مفتوح، قام على استيعاب عناصر فنية تنتمي إلى أجناس تعبيرية شتى، وارتبط - ويرتبط - بتطورات لا تتوقف، وتأثر بتحققات إبداعية تغامر باتجاه استكشاف ملامح روائية جديدة، فيما يشبه "اختبارات" مستمرة لنظرية النوع الروائي، فضلا عن سمة "التنوع" التي وسمت الرواية الحديثة خصوصًا، من حيث نزوع هذه الرواية إلى "تعدد الأصوات" و"التنوع الاجتماعي للغات" أو "التعدد اللساني وما يتولد عنه من تعدد صوتي" .. ثم بافتراض التسليم – من ناحية ثانية – بأن المدينة تنهض عن الانفتاح نفسه، أو عدم الانتهاء نفسه، بالإضافة إلى التنوع نفسه. فالمدينة، من جانب، كانت ولا تزال مجتمع الحراك، القابل دائمًا للتطور السريع المتلاحق والقادر دائمًا على أن يستوعب - في إطار مرن هائل- تغيرات شتى؛ والمدينة من جانب آخر- قامت دائمًا على التنوع؛ بحيث كانت ولا تزال أشبه بوعاء ضخم فضفاض لطبقات اجتماعية عدة، ولأجناس وديانات شتى، ول"ثقافات" مختلفة، ولأشكال من الوعي متباينة .. إلخ. وهذا التنوع، الذي ظهر مع نشوء المدن الأولى، هو الذي ازداد وضوحًا وحدةً في مدن القرنين التاسع عشر والعشرين، مع اكتمال معالم معالم "الثورة الصناعية"، ثم مع ظهور إنتاج "خطوط التجميع" أو الإنتاج بالجملة، ثم مع ما يسمى "الأتمتة"، ومع ما واكب ذلك كله من نمو وسائل الانتقال، ثم وسائل الاتصال السريعة، بين المدن المختلفة التي تنتمي إلى بلدان مختلفة. 

*** *** *** 

طوال هذه الرحلة، خلال هذا التاريخ، وازت الروايةُ المدينةَ من حيث نزوع كل منهما إلى تمثيل "وعاء مرن" فضفاض، مستطيع أن يستوعب -من جهة- تجارب عدة متنوعة، وأن يتمثل في صياغته -من جهة أخرى- عناصر شتى. وقد انعكس هذا الطابع المرن على محاولات تعريف الشكل الروائي نفسه، بحيث لم تنجح - نجاحًا كاملًا - أية محاولة من المحاولات في أن تصوغ إطارًا محددًا يحيط بالرواية، من جانب ويميزها عن أشكال الخطاب السردية الأخرى، من جانب آخر. وظلت الرواية على كثرة هذه المحاولات، "من أصعب الأجناس الأدبية وأقلها قابلية للتحديد"، وظل السعي إلى تعريف الخطاب الروائي مواجهًا بالإخفاق؛ إذ لا يزال هذا الخطاب، حتى الآن، مستعصيًا على "التحديد والتأطير"، وبقى –أخيرًا- السؤال حول الشكل الروائي مطروحًا، مثارًا، رغم الزمن الطويل الذي مرت به الرواية، ورغم الثراء الهائل في ممارستها وتحققاتها.

بهذا المعنى، فالرواية مثلها مثل المدينة، يومئ تاريخها إلى نوع من "الحراك" المستمر، وقد حكم هذا الحراك تاريخ الرواية كله؛ فظهرت - دائمًا- أعمال روائية قدمت ما يشبه "الاختبارات لنظرية النوع، وأزاحت جانبًا ما بدا "تعريفًا: مستقرًا صاغته الممارسة الروائية السابقة. هكذا مثلا، كانت التجارب الروائية التي ظهرت في العقود الأولى من القرن العشرين، مرتبطة بأسماء جيمس جويس، وفرجينيا وولف، ومارسيل بروست، ثم ويليم فوكنر، تقدم من الإضافات ما يجعل "الاقتراحات" التي طرحت من قبل لتعريف الرواة تتوارى تقريبًا، كما أن تجربة "الرواية الجديدة" التي ظهرت خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين في فرنسا، مرتبطة بأسماء مثل آلان روب جرييه وناتالي ساروت، مثلت - على مستوى ما- سعيًا إلى مجاوزة التقنيات التي أرستها تجربة العقود الأولى من القرن العشرين (وقد شهدت المدينة حراكًا موازيًا، من "مدينة الحداثة" – بعد "مدينة العصر الصناعي"- إلى "مدينة ما بعد الحداثة".

خلال هذا الحراك، والتجارب التي يسائل بعضها بعضًا، ويجاوز بعضها بعضًا، حافظت الرواية دائمًا على ما ليس جامدًا" فيها؛ على سمة "المرونة" التي تجعلها شكلًا أدبيًا مفتوحًا، أو جنسًا غير منتهٍ، "يتطور باستمرار، ويتخلق بشكلٍ لا متناهٍ"، في صيرورة متصلة، بحيث باتت الرواية – بعيدًا عن "لعنتها لأنها لا شكل لها" – "تقبل ما لا نهاية له من التفسيرات"، وبحيث أصبح "الشكل المفتوح" إمكانًا من إمكانات الرواية يحسب لها لا يؤخذ عليها، ويدعم قدرتها على "استيعاب العالم الجديد"، المعقد المتشابك، وعلى التعبير عن "علائق الإنسان الحديث" المتداخلة، وعلى استقبال التقلبات المختلفة والتقاط الأنغام المتباعدة، المتنافرة، المركبة، متغايرة الخواص، لإيقاع عصرنا".

يرتبط بهذا كله أن النص الروائي أصبح "دائرة مفتوحة تقطعها خطابات متعددة تاريخية واجتماعية وإيديولوجية ولغوية"، وغدا – من ثم – مسلحًا بطاقة تجعله يزداد حيوية وقدرة على الامتداد خارج كل حد أو قيد (كأنه، بذلك يقدم ردودًا عملية على ما أثير، دعائيًا، أكثر من مرة، حول "موت الرواية". وهذا الانفتاح لاحتواء التعدد، والامتداد لمجاوزة الخوم، في فن الرواية، اللذان تناميا وتكاثرا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، كانا بمثابة تأكيد لإمكانات الرواة القادرة على استيعاب المتغيرات الكبرى التي شهدها هذان القرنان، بتأثيراتها البالغة التي طالت المدينة، كما طالت كل أحد، وكل شيء. 


مقتبسات من كتاب: الرواية والمدينة: نماذج من كتاب الستينات في مصر
حسين حمودة
الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2000
كتابات نقدية؛ 109

تعليقات

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

النسبية الثقافية ؟

هكذا تبدو الثورة ..2

حدث في المستقبل

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

ما هو الفن الطليعي؟ (Avant Garde)