مقاطع من كتاب ما يشبه السيرة الذاتية لأكيرا كوروساوا (3)

Akira Kurosawa

واصلت حديثي عن رغبتي في أن أصبح رسامًا وأبي لم يعترض، بل نبهني فقط إلى ضرورة الانتساب إلى أكاديمية الفنون، قبل أن أنسب نفسي تلميذًا لسيزان وفان جوخ.

كنت على قناعة بأن دراسة الفن وقوانينه ما هي إلا مضيعة للوقت، وحتى لو قبلوني فإنني لا أرى نفسي أرسم بتفصيلات وتأثيرات جاهزة. 

أنهيت دراستي المتوسطة عام 1927 وتقدمت إلى امتحانات القبول، لكنهم رفضوني.

أبي كان يحس بحزن بالغ وحرارة قصوى ولكنني هدأت من روعه وأنا أقول له إنني سأرسم دون الحاجة إلى الأكاديمية.

ثم شاركت في معرض للرسم في صالة "نيكاتين". أبي كان فخورًا جدا بي لكن فخره لم يستمر طويلا فقد كان عليَّ أن أغذ السير في طريق تعج بالعواصف.

*** *** ***



في العام 1928 أنهيت عامي الثامن عشر.

هذا العام كان عام المذابح الجماعية بحق أعضاء الحزب الشيوعي ..

ودخلت هذه المذابح التاريخ تحت اسم (أحداث 15 آذار)

كما جرت أيضًا تصفية "جان دوز وولين"


وفي العام الذي تلا هذه الأحداث بدأت الأزمة الاقتصادية العالمية . واليابان باقتصادها المنهار وقعت بدورها تحت مطارق الأزمة الشرسة.

كانت حركة الفن البروليتاري تنمو في تلك الفترة باضطراد في مواجهة الأدب الإيروسي والعبثي.

في هذه الأوقات العصيبة لم أعد أستطيع شراء الألوان الغالية والوضع المادي للعائلة بدأ بالتراجع بشكل مفزع. وهكذا توجهت نحو الأدب والمسرح والموسيقى والسينما.

كانت دور النشر تطبع الكثير من الكتاب المسماه [كتب الين الواحد]، لدرجة أغرقت سوق الكتب بها. وكانت تضج بمؤلفين يابانيين وترجمات وافرة للأدب العالمي.

طبعًا في مكتبات الكتب المستعملة، كانت تتوفر بسعر أقل وهكذا استطعت الحصول على هذه الكتيبات والتهام ما يمكن أن تقع يدي عليه. كنت أقرأ في جميع الوضعيات – متمددًا – جالسًا على درج- ماشيًا في الشوارع. وصرت أتردد على المسرح كثيرًا وشاهدت عروضًا من مسرح "شينكو كو غيكي" . ولكن العروض التي ولدت لدي الانطباعات المؤثرة كانت من "مسرح تزو كيدجي الصغير" للمخرج "كواروا أو سناي".

كنت أستمع للموسيقى في بيت أحد الأصدقاء وكان هذا الصديق يملك العديد من اسطوانات الموسيقى الكلاسيكية وغالبًا ما كنت أحل مستمعًا على بروفات قائد الأوركسترا السيمفونية "هيدر يمارو كونوي"

وازداد نهمي للوحات اليابانية والأوروبية. ورغم أن الموضة الدارجة في تلك الأيام كانت تقوم على طباعة اللوحات في ألبومات، وتلك التي كانت ترى النور لم يكن بوسعي شراءها، فكنت أقضي الساعات بتأملها في واجهة المكتبات.

معظم الكتب التي اشتريتها أضعتها أثناء الغارات الأمريكية وإن كنت احتفظت ببعضها حتى الآن، أغلفتها تلفت وصفحاتها اصفرت بفعل الزمن والأصابع البشرية الملوثة بالألوان الزيتية والتي قلبتها على الدوام بحثًا عن شيء يرضي الروح.

ولازلت أعود إلى هذه الكتب وأشعر بانفعالات الملامسة الأولى.

الانخطاف الكبير الذي عشته أيضًا كان السينما. أخي استقل بمعيشته وأصبح ينتقل من فندق إلى فندق. بدأ يقرأ الأدب الروسي بشغف ونهم كبيرين، وأنا لم أر في حياتي قارئًا مثله يلتهم ما يشاء وما قيض له من هذا الأدب. وبدأ يكتب بأسماء مختلفة في كتيبات التعريف بالأفلام الأجنبية بعد الحرب العالمية الأولى.

معلومات الأولية عن السينما تعود إليه، وأستطيع أن أزعم أنني لم أفوت فيلمًا أوصاني بمشاهدته.

مرة ذهبت مشيًا حتى "أساكوسا" لأرى فيلما قال عنه: “إنه يستحق المشاهدة" لا أذكر هذا الفيلم، لكن بقي في الذاكرة انتظاري للعرض المتأخر، لأنه أرخص بقليل. ولدى عودتي وجدت أبي غاضبًا يوبخ أخي. حاولت أن أعد قائمة بجميع أفلام ذلك الوقت، التي بقيت في ذاكرتي …
عندما أنظر إلى هذه القائمة أشعر بدهشة من نوع ما، فالأفلام التي رأيتها مصادفة ودون تخطيط مسبق دخلت تاريخ السينما، والفضل في ذلك يعود إلى أخي.
 
في التاسعة عشرة، أثناء الانشغال بالرسم، لم أعد أستطيع الاستغناء عن استخدام ملكة حواسي الأخرى، ففي العالم هلع وأحداث من نوع كبير.

قررت أن أنضم إلى اتحاد الفنانين البروليتارين، وعندما ناقشت مع أخي، ابتسم:
- برافو .. لكن يجب أن تعرف، إن حركة الفن البروليتاري شيء شبيه بالأنفلونزا .. وقريبًا جدًا سوف تنخفض حرارتك .. !!
أغضبتني كلماته.
في نفس الوقت توقف أخي عن كتابة البرامج الفيلمية، وبدأ يعمل عملا آخر، مرتبطًا بالسينما بشكل أوثق. أصبح "مفسرًا " للأفلام الصامتة، وكان قد ظهر جيل جديد من المفسرين، لا يتقن حرفته وحسب، بل حاولوا المشاركة في الحدث وتقديم ما يحدث على الشاشة فنيًا. أخي كان واحدًا منهم، وعمل مديرًا "للمفسرين" في دار السينما، في منطقة "ناكانو". قررت أن أخي تبوأ مكانة محترمة، ولهذا ازاداد قلقي، وكآبتي استمرت سنوات عديدة كما توقع هو. 
رأسي تعج بالأفكار عن الأدب، والموسيقى، والسينما .. وواصلت بحثي عن منافذ لتفجير هذه الأفكار.

*** *** ***

- أتعلم أنك تشبه أخاك .. في كل شيء، فقط هو كان ذا طبيعة سلبية، أما أنت فطبيعتك إيجابية.
ربما أراد أن يقول إن أخي اصطدم بالحياة الواقعية قبلي. فكرت لكنه استمر:
  • تشبهان بعضكما كثيرًا .. ولكن وجهه كان مغطى دائمًا بظلال معتمة وطبيعته كانت تتمظهر من خلالها .. وطبيعتك أنت مضيئة.
ربما كان ثمة بعض الصحة في هذا القول. “كينوسي ويكوسا" أكد مثلا أنني أشبه قرص الشمس.
ولكنني أوضح الأشياء هكذا: لو أنني نموت بوصفي شخصية إيجابية فإن هذا بفضل الروح السلبية عند أخي .. هو كان مثل شريط سينمائي سالب- لا يمكن للنسخة الإيجابية أن تتحقق من دونه أبدًا.


*** *** *** 

في تلك الأيام كان صعبًا على الإنسان أن يتقدم بوصفه فنانًا وعندها تولدت لديَّ الشكوك بإمكانياتي وقدراتي ..
كأن يحدث معي بعد تقليب صفحات ألبوم "سيزان" أن تبدأ الأشجار والبيوت والشوارع بالتحديق بي مثل لوحته تمامًا. وحصل الشيء ذاته بعد مطالعتي ألبومًا يضم بين دفتيه لوحات "فان جوخ" كنت أرى العالم من خلال عيونه. ولم تكن قد تكونت لديَّ نظرتي الخاصة لمحاكمة الأشياء والتعبير عنها. وعندما أدقق الآن، يبدو هذا طبيعيًا، لكنني كنت مندفعًا آنذاك وغياب هذه النظرة أقلقني لذا بدأت أشعر بعدم الارتياح. 

وحاولت أن أؤسس لنظرتي في أي معرض أذهب إليه. كنت أكتشف لدى الفنانين اليابانين أسلوبًا غامضًا في نزعتهم الفردية وفي الرؤيا وهذا ما كان يثير حنقي أكثر.
قلائل هم الذين امتلكوا هذه النوعية، وحاول بعضهم أن يكون النسخة الأصلية ولكنه لم يعًدُ كونه انعكاسًا جزئيًا. لا أذكر من كان المؤلف لكن هناك قصيدة عن الإنسان، الذي لا يستطيع أن يقول عن اللون الأحمر أنه أحمر. تمر السنوات وفي نهاية عمره يوقن أن الأحمر هو في الحقيقة أحمر. 

هذه ظاهرة غالبًا ما نصادفها في الحياة. شاب يغلي جراء رغبته العارمة بالظهور وفي المحصلة يحدث العكس تمامًا .. تنزاح عن ناظريه الأنا الحقيقية.
لم أكن استثناءً لهذه القاعدة. رسمت بتلطيشات سريعة غير واثقة وتدريجيًا بدأت أفقد الثقة بقدراتي والرسم أصبح معذبًا بالنسبة لي.


*** *** *** 

أعتقد وأنا مرتاح الضمير أن إدارة مراقبة النصوص في وزارة الداخلية كانت تضم موظفين ذوي مزاج متشائم وسادي. فقد كانوا ينهالون على كل قبلة في فيلم أجنبي بالمقص، وإذا ظهر صدر امرأة عارية فإنهم يقصون المشهد بأكمله، تحت حجة أن المشاهد توقظ غرائز دنيئة. 

ذات يوم أرغى أحدهم في وجهي وأزبد بسبب هذا المقطع:
بوابة المصنع الواسعة مفتوحة على مصراعيها، تلتهم القادمين إلى عملهم من العمال الشبان". هذه جملة من فيلمي "الأجمل دائمًا".
لم أستطعع أن أفهم السيء في هذه الجملة؟ ولكنها بدت لهذا الموظف المريض جملة اعتراضية وغير لائقة وعندما سألته لماذا؟ .. قال:
- البوابة تجر إلى الأذهان مباشرة فرج امرأة!!
وليس ثمة أخطر من الموظف الصغير الذي يحارب بسيف الحاكم ليومه ويأكل من يد سطوته وتجبره على زمانه.
هتلر" كان من بين النازيين جميعًا، الأخرق والأكثر فصاحة في الإجرام، وفي ذهنية سادية مرعبة، ولكننا إذا فكرنا بموظفيه الذين عملوا لديه "هيملر" و"إيخمان" سنرى أن الإجرام عندهما تجلى عن نفسية أحط من نفسية هتلر نفسه. (ليس صدفة أن يتوليا إدارة معسكرات الاعتقال).
هذا التجلي كان موجودًا لدى موظفي مراقبة النصوص في وزارة الداخلية، هؤلاء ينبغي لهم أن يكونوا خلف القضبان.


*** *** *** 

بعد رفض سيناريو (300 ري)، أحسست أن قواي بدأت تخور، واصلت الكتابة بيأس لأحصل على ما يسد الرمق فقط .. وما يجعلني أحسو "الساكي" بالكمية التي أريد.
ما إن أستلم النقود حتى أشرب بها ثم أجلس للكتابة مجددًا.
سيناريوهاتي (روح الشباب) و (ثلاثة أجنحة) تولت مسؤولية رفع جاهزية الروح القتالية لدى الأمة . كانت تتحدث عن مصانع الطائرات وحياة الشباب في الكلية الجوية.
لم أكن متعاطفًا مع الحرب، ولا مع أجواء الاستعداد لها، ولكن كنت بحاجة للشرب أنهيت السيناريوهات بسرعة.


*** *** *** 

لا أستطيع أن أفهم سبب كراهيته لي. التقيت قتلة وسفلة وقذرين، والغريب أن وجوههم كانت عادية جدًا، وهيئاتهم مريحة للنظر، وكلماتهم مقنعة ومزوقة .. كيف يمكن ذلك؟ هذه احجية لا حل لها أبدًا.

*** *** *** 

عدت أدراجي وأنا أفكر أن كل شيء يسير عكس أحلامي وأن الحظ قد غادرني إلى غير رجعة.
عدت إلى البيت وأنا خائر القوى ولم أستطع أن أغلق الباب. حين قفزت زوجتي أمامي صارخة بوجهي:
  • مبروك .. مبروك ..
  • على ماذا؟
  • راشمون" ربح الجائزة الكبرى.
راشمون نال جائزة "الأسد الذهبي" في مهرجان البندقية. لن أبحث عن عمل آخر. ظهر الملاك الحارس مجددًا، مع أنني لم أعلم بإرساله إلى المهرجان، والفضل في هذا يعود إلى مندوبة " إيطاليا فيلم" “جوليانا ستراميد جيولي" التي شاهدت "راشمون" في اليابان وأوصت بإرساله إلى إدارة المهرجان. لقد كانت الجائزة مثل حمام مياة باردة للأوساط السينمائية اليابانية.
فيما بعد حصل الفيلم على جائزة أفضل فيلم أجنبي من الأكاديمية الأمريكية للفن السينيمائي، لكن الصحافة النقدية اليابانية اعتبرت أن أسباب منح الجائزتين (اكزوتيكية) بحتة تتعلق بطبيعة العلاقة الشرق بالغرب.
ولقد سبب لي هذا التفكير الإحساس بالمرارة. لماذا اليابانيون لا يقدرون ما هو ياباني؟ ولماذا ننحني أمام كل ما هو أجنبي؟ مؤسف أننا نمتلك هذه المواصفات في قضية انتمائنا.
المهم" راشمون" أصبح حجة لأغوص ثانية في الجوانب الخفية من النفس البشرية، وهذا حدث عندما عرض الفيلم في التلفزيون وتبعه لقاء مع رئيس شركة" دايي" سمعته ولم أصدق أذني.
هذا الرجل الذي وقف ضد فكرة الفيلم باعتباره بدعة خرقاء، هاهو يعلن على الملأ أنه من افتتح الطريق أمام هذا الفيلم. وأنه شخصيًا كان وراء إخراج "راشمون" إلى الحياة.. وتحدث طويلا عن تصويره، وكيف أن الكاميرا صوبت لأول مرة باتجاه الشمس ولم يأت على ذكر اسمي واسم "ميغافا" . وأنا أتابعه على شاشة التلفزيون فكرت " يبدو أن راشمون يستمر"
رأيت على الهواء مباشرة تلك اللعبة التي حاولت أن أكشفها في الفيلم. من الصعب على الناس أن يقولوا الحقيقة عن أنفسهم، وهذا ذكرني مجددًا بأن للإنسان غريزة مثلى لتقديم نفسه تحت الإضاءة المناسبة. ولكن من يعرف ما إذا كنت محقًا بالسخرية من رئيس الشركة أم لا؟!

مقاطع من كتاب:
"ما يشبه السيرة الذاتية" ل:أكيرا كوروساوا
ترجمة: فجر يعقوب
القاهرة: مكتبة الأسرة، 2013
_____________

اقرأ أيضًا: مقاطع من كتاب ما يشبه السيرة الذاتية لأكيرا كوروساوا
مقاطع من كتاب ما يشبه السيرة الذاتية لأكيرا كوروساوا (2)

تعليقات

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

الغراب في التراث الشعبي: مقتبسات

قصائد من لوركا

مختارات من شوقي بزيع

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

ذكاء الغربان (مقتبسات)