دعوة إلى قصص بورخيس: مقاطع

 
 خورخيه لويس بورخيس
Jorge Luis Borges

بقلم: ماريو بارجاس يوسا

(من مقال: دعوة إلى قصص بورخيس، من كتاب: عوالم بورخيس الخيالية: لمجموعة من الكتاب/ ترجمة خليل كلفت)
     موقف بورخيس تجاه الرواية كان موقف ازدراء، فكما هو متوقع أربكته بميولها الواقعية لأن الرواية، باستثناء هنري جيمس وقلة من كتابها اللامعين، نوع أدبي يقاوم التقيد بما هو تأملي وفني خالص ولهذا يغدو محكومًا عليها بالذوبان في المجموع الكلي للتجربة البشرية من أفكار وغرائز، فرد ومجتمع، واقع وخيال. وقد رأي بورخيس أن النقص المتأصل في الرواية واعتمادها على الجسد البشري أمر لا يطاق. وهذا هو السبب أنه كتب في 1941 في مقدمته ل "حديقة الطرق المتشعبة" مؤكدًا على أن "عادة تأليف الكتب الطويلة، والتوسيع إلى خمسمائة صفحة لفكرة يمكن عرضها كاملة في سطور قليلة، إنما هو إسراف مضنِ ومنهك"...والحقيقة أن تأكيد بروخيس ليس مفيدًا كتعريف للرواية، لكنه يكشف لنا ببلاغة أن الاهتمام الرئيسي لقصصه إنما ينصب على الحدس والتأمل والنظرية. 

***

     حتى الخمسينيات من عمره، كان بورخيس مجهولا في بلاده. فقط عندما اكتشتفه فرنسا وبقية العالم صار شخصًا مشهورًا في الأرجنتين وبقية أمريكا اللاتينية وتغيرت حياته بالكامل.

***

     يتكامل الشعر والقصة القصيرة، والمقال، جميعًا في عالم بورخيس؛ وكثيرًا ما يكون من الصعوبة بمكان أن تعرف في أي جنس أدبي يجد مكانه نص محدد من نصوصه. فبعض قصائده تروي قصصًا، وكثير من قصصه القصيرة - وبصفة خاصة بالغة الإيجاز- تتميز بما تتميز به قصائد النثر من إحكام وبناء دقيق. غير أنه في المقال والقصة القصيرة يحدث في معظم الأحيان أن تتحول العناصر بحيث يغدو التمييز بينهما غير واضح، وينصهران في كيان واحد... ظل بورخيس طوال سنوات ينهمك في نفس النوع من الأعمال البارعة وبمهارة متساوية. وتتظاهر بعض قصصه الأكثر إحكامًا، مثل "الاقتراب من المعتصم"، و"بييرمينار، مؤلف دون كيخوتة"، و"فحص لإنتاج هربرت كوين" بأنها عروض كتب أو مقالات نقدية. وفي أغلب قصصه، يعقب الابتكار، تشكيل واقع زائف، طريقًا ملتويا، مخفيَّ التفاصيل في إعادة خلق تاريخية أو في بحث فلسفي أو لاهوتي. ولأن بورخيس يعرف دومًا ما يقول؛ فإن الأساس الفكري لخفة اليد هذه صلب تمامًا. غير أن ما هو خيالي على وجه الدقة في قصصه يظل مبهمًا. فالأكاذيب تتنكر كحقائق، والعكس بالعكس. وهذا الإبهام نموذجي في عالم بورخيس. ويمكن أن يقال العكس فيما يتعلق بالكثير من مقالاته، مثل "تاريخ الأبدية" أو المقطوعات الصغيرة في "كتاب الكائنات الخيالية". ففيها، وبين ذراتها عنصر آخر من الفانتازيا وعدم الواقعية للابتكار الخالص يترشح عبر المصفاة مثل جوهر سحري ويقلبها جميعًا إلى قصص. 


____________

اقرأ أيضًا:

             مصادر بورخيس

             الرواية والزمن

 

تعليقات

  1. هذه التدوينة رائعة
    أنا شغوفة بثقافة بورخيس و على وجه الخصوص إبحاره خلف اللا مرئي من الأمور ...وتلك الطفرة في كتاباته بعد فقدان بصره .
    تحياتي و تقديري .

    ردحذف
    الردود
    1. بالفعل بورخيس حالة متفردة ومميزة ... وأتفق مع رأيك بالكامل .. شكراا على المرور وعلى التعليق الواعي :)

      حذف

إرسال تعليق

أفيدوني بانتقاداتكم وإطراءاتكم، أسعد بجميع الآراء

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

قصائد من الشعر الأفريقي المعاصر

مقتطفات عن أينشتاين

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

Mr. Nobody

النسبية الثقافية ؟