كلنا عبد الحميد شتا ؟

Maid : by Banksy


بقلم: أحمد ع. الحضري

     يحضرني عبد الحميد شتا منذ أسابيع، عبد الحميد شتا الغائب عن المشهد الحالي لانتحاره سنة 2009 بعد استبعادة من وظيفة وزارة الخارجية المصرية -اللتي اجتاز اختبارها بنجاح وكان الأول بين المتقدمين- لأنه غير لائق اجتماعيًا. استبعد لأن أبيه كان حارس عقار حسبما أذكر، ألقى نفسه في نهر النيل لينهي حياته. عبد الحميد شتا حسب ما أفكر به لم يكن شخصًا متشائمًا، بالعكس كان متفائلا بشكلٍ كافٍ ليجتاز ظروفه، وللاجتهاد، كان متفائلا ليقدم في الوظيفة، مشكلته ربما أنه كان متفائلا أكثر من اللازم لا العكس، لأن صدمته كانت قاسية للغاية حين اكتشف أن هناك من يصر على سجنه في تاريخه العائلي بقية حياته. عبد الحميد شتا الذي انتحر في دولة كانت تدعي أنها تتحيز للفقراء، بينما تريد أن يكون كل شيء بالوراثة، لم يحضر في المشاهد الثورية أيضًا على المستوى الرمزي، رغم أن مشهد نهايته كان قريبًا للغاية من حيث دراميته من حدث البوعزيزي في تونس على سبيل المثال، ولا يقل في أهميته عن ما حدث لخالد سعيد الذي أنشئت الصفحة الشهيرة على اسمه.

    غياب عبد الحميد شتا الرمزي قاسٍ للغاية، فباستثناء الرئيس المخلوع، ما زال التوريث هو البطل في مصر، القضاه يصرون على أن يكون أولادهم قضاه، الشرطة أقارب الشرطة، الأستاذ الجامعي ابن الأستاذ الجامعي، التعيين بالقرابة في أوقات كثيرة لا بالكفاءة، حتى العسكر يرى أنه أحق بوراثة مبارك من ابنه جمال الذي يحاكم حاليًا، لا أحد يتحدث عن تغييرات جوهرية، ترفع الظلم وعدم العدالة بين البشر. الجميع منشغلون.

     من حق ابن البواب أن يدخل الشرطة والجيش والقضاء والخارجية إن امتلك الكفاءة، وحسن السيرة، على الأقل هذا على المستوى النظري كان أحد أهداف ثورة (هكذا يسمونها) 1952 (إقامة العدالة الأجتماعيه). على الأقل عدالة اجتماعية بالقدر الذي جعل في إمكان أولاد الفقراء أن يدخلوا الجيش في عهد الملكية ليحكموا مصر بعد ذلك في عهد 52.

     لن يحدث شيء في مصر إلا إذا اقتنع ابن العامل البسيط، وابن حارس العقار أن من حقه أن يكون رئيس جمهورية إن أراد وامتلك الكفاءة، وإذا كانت الأفلام المصرية دائمًا ما تخبرنا "إن الشغل مش عيب" ، لكن الممارسات العملية تخبرنا بالعكس، هناك أعمال تشين صاحبها وذريته، تلتصق بهم كإعاقة وسبة يحاول التخلص منها في ظل مجتمع ينجح على الدوام في تقعيد نفاقه، وصياغته في عبارات وشعارات براقة. أخشى أن ينتحر عبد الحميد شتا مرة أخرى بعد عصر الثورة، طالما أن أغلب القوى تريد تغيير قواعد الوراثة بدلا من إلغائها. أعداء الثورة حاليًا هم كل المنتفعين من هرم السلطة القديم، هم كل طائفة ترفض تغييرات إيجابية في مؤسساتها أو وظائفها، لحماية مصالحها الخاصة.

     حضور عبد الحميد شتا مهم هذه الأيام في رأيي، لكي نوسع دائرة النظر، من مجرد القمع الخشن الفظ المتمثل في الأجهزة الأمنية التي كان ما فعلته بخالد سعيد بداية اندلاع شرارة أشعلت التغيير، إلى أشكال قمع أقل وضوحًا لدى الكثيرين. كلنا خالد سعيد، وكلنا أيضًا عبد الحميد شتا إن أردنا التغيير. ملحوظة أخيرة: بالبحث على الإنترنت الآن وجدت أن البعض منذ اندلاع الثورة تذكروا عبد الحميد شتا بالفعل في مقالات متنوعة، حتى أن هناك صفحة على الفيس اسمها "حق عبد الحميد شتا وحوارات السلك الدبلوماسي"، وحسابًا باسم "كلنا عبد الحميد شتا"، ورغم إن كلاهما غير نشيط وشبه متوقف منذ فترة لكنه مؤشر جيد مع هذا، لكن الأمور تحتاج إلى استراتيجيات توعية، وتغيير

تعليقات

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

الغراب في التراث الشعبي: مقتبسات

قصائد من لوركا

مختارات من شوقي بزيع

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

ذكاء الغربان (مقتبسات)