الخطيئة ... والعفو


إريك فروم






مقتطف من كتاب: الإنسان بين الجوهر والمظهر
ترجمة: سعد زهران؛ مراجعة وتقديم لطفي فطيم
(عالم المعرفة؛ 140)
الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1989.
ص (127- 133)



الخطيئة، بالمفهوم التقليدي في الفكرين اليهودي والمسيحي، مطابقة – في الجوهر- لعدم طاعة إرادة الرب. وهذا المعنى واضح في الموقف المشترك من الأصل الأول في الخطيئة الأولى، وهو خروج آدم عن طاعة الرب. ولم تعتبر هذه الفعلة، في العقيدة اليهودية خطيئة "أصلية ومتأصلة"، أورثها آدم لكل ذريته، كما اعتبرتها كذلك العقيدة المسيحية، وإنما هي ليست إلا خطيئة أولى، ليست متوارثة ولا هي موجودة – بالضرورة- في ذرية آدم.

ولكن العنصر المشترك هو أن فكرة عدم طاعة أوامر الرب خطيئة أيًا كانت تلك الأوامر، وليس في هذا ما يدعو للدهشة إذا اعتبرنا أن صورة الرب في هذا الجزء من قصة التوراة ذات سلطة صارمة على نسق [سلطة] ملك الملوك المعروفة في ملوك الشرق. كذلك لا مجال للدهشة إذا اعتبرنا أن الكنيسة كيفت نفسها منذ البداية تقريبًا، مع نظام اجتماعي لا يرضى من الفرد، من أجل تسيير أموره ، (في إقطاعية الماضي كما في رأسمالية الحاضر) بأقل من الطاعة المطلقة لكل القوانين، سواء كانت تلك القوانين تراعي مصالحهم، أو لم تكن كذلك. قد تكون تلك القوانين المستخدمة في تطبيقها ذات طابع ليبرالي أو قمعي، ولكن ذلك الأمر ثانوي بالقياس للقضية الجوهرية، وهي أن الناس يجب أن يتعلموا الخوف من السلطة، ليس فقط في شخص الموظفين القائمين على "تنفيذ القانون" بقوة السلاح، فهذا النوع وحده من الخوف لا يكفي لضمان حسن سير النظام، وإنما يجب على المواطن أن يغرس هذا الخوف داخله بحيث يصبح مبدءا داخليًا هاديًا، يجب أن يعطي المواطن الخروج على هذه القوانين تسمية أخلاقية دينية – هي الخطيئة.

فالناس يحترمون القانون لا بدافع الخوف فحسب، وإنما أيضًا لأنهم يشعرون بالذنب عندما يخرجون عليه. وهذا الشعورر لا يمكن التخفيف منه إلا بعفو لا تستطيع أن تمنحه السلطة نفسها. وتتلخص شروط هذا العفو في: ندم المذنب على فعلته، وتوقيع العقوبة عليه، وبتقبل هذه العقوبة يعود الشخص إلى الخضوع. وهكذا يكون المسلسل: الخطيئة (الخروج عن الطاعة)، الشعور بالذنب، الخضوع من جديد (العقاب)، العفو؛ غير أن هذا المسلسل ليس إلا حلقة مغلقة، طالما أن كل خروج على الطاعة يفضي إلى مزيد من الطاعة. ولا يخرج على هذا الترويع إلا القلة، وبروميثيوس (Prometheus)  هو بطل هذه  القلة؛ فعلى الرغم من العقوبة بالغة القسوة التي أنزلها به زيوس (Zeus) إلا أن بروميثيوس لم يخضع، بل هو لم يشعر بالذنب؛ فقد كان يعرف أن أخذ النار من الآلهة وإعطائها البشر لم يكن إلا شفقة بهم. لقد خرج على الطاعة لكنه لم يرتكب إثمًا. وهكذا حطم المعادلة بين الخروج على الطاعة والذنب، شأنه في ذلك شأن أبطال البشر الشهداء.

ولكن المجتمع ليس كله أبطالا، وطالما ظلت الموائد ممدودة للأقلية، وعلى الأغلبية أن تظل في خدمتها وتظل قانعة ببقايا الموائد، فلا بد من تغذية الشعور بأن أي خروج على الطاعة هو ذنب وإثم. وقد غذت كل من الكنيسة والدولة هذا الشعور، وعملتا معا لحماية مصالح رجالها. كانت الدولة في حاجة إلى أن تكون للكنيسة أيديولوجية تدمج الإثم في الخروج على الطاعة لكي يكونا شيئا واحدًا. كذلك كانت الكنيسة بحاجة إلى رعايا روضتهم تلك الدولة على الاعتراف بفضيلة الطاعة. واستخدمت المؤسستان الأسرة، ومهمتها تدريب الطفل على الطاعة, بدءًا من اللحظة الأولى التي تبدر منه إرادة مستقلة (وهي لحظة تأتي عادة وعلى أقصى تقدير من تدريبه على كيفية قضاء الحاجة). يجب تحطيم الإرادة الذاتية للطفل من أجل إعداده للقيام بدوره كما يجب – فيما بعد- كمواطن.

إن الذنب بالمعنى المألوف دينيًا ودنيويًا، لا يفهم إلا في إطار البناء الشمولي للمجتمع، وهو بناء ينتمي للنموذج التملكي لوجودنا، حيث مركزنا الإنساني لا يوجد داخلنا، ولكنه موجود في السلطة التي نخضع لها، وحيث لا نحقق الرفاهية من خلال نشاطنا الذاتي الخلاق، ولكن بالطاعة السلبية للسلطة، وبالتالي استحسانها لما نفعل. ونحن نملك قائدًا (دنيويًا أو روحيا، ملكًا أو ملكة أو راعي كنيسة) ونملك إيماننا به، ومن ثم نملك الأمن والأمان طالما نحن لا شيء، أي لا كيان مستقل لنا. قد لا نكون واعين بخضوعنا للسلطة إلى هذا الحد، وقد تكون السلطة في مظهرها صارمة أو قد تكون رقيقة، وقد لا يكون البناء الاجتماعي مكتمل الشمولية.. ولكن كل هذا يجب ألا يجعلنا غافلين عن حقيقة  أننا نعيش في النمط التملكي إلى الدرجة التي صار البناء الشمولي لمجتمعنا جزءًا من ذاتنا، وأصبح مبدأ داخليًا هاديًا لمشاعرنا وسلوكنا.

ونحن نتفق مع ألفونس أوير (Alfons Auer)  حين يؤكد بوضوح أن رؤية توما الأكويني للسلطة وعدم الطاعة والخطيئة هي رؤية تتفق تماما مع النزعة الإنسانية؛ حيث يذهب إلى أن خروج عن السلطة غير عقلانية ليس ذنبًا، وإنما الإثم يكون في انتهاك الحياة الإنسانية الكريمة. ومن ثم يعلن القديس توما: ( لا يمكن أن نسيء إلى الرب إلا إذا كانت أفعالنا انتهاكًا لحياتنا وكرامتنا نحن). ولتقدير هذا الموقف يجب أن نأخذ في الاعتبار أن القديس توما كان يرى أن مواصفات الحياة الكريمة لا تحددها الرغبات الذاتية الخالصة، ولا الرغبات الغريزية المفترضة (الرغبات الطبيعية في مفهوم الرواقيين)، ولا بالإدارة التحكيمية لراعي الكنيسة، وإنما يحددها فهمنا العقلاني للطبيعة البشرية والمعايير السلوكية القائمة على هذه الطبيعة، والتي تهدينا إلى أسمى نماء وأقصى حياة. (هذا ولا يجب أن يغيب عن ذهننا أن القديس توما الإكويني لم يكن إلا ابنا مخلصًا للكنيسة، ومن المناصرين للنظام الاجتماعي في مواجهة الطوائف الثورية، ولم يكن باستطاعته أن يكون ممثلا متكاملا لنظام أخلاقي مناهض للشمولية، ومن ثم استخدم تعبير الخروج على الطاعة دون تمييز بين نوعين لهذا الخروج، وبذلك لم يظهر التناقض الأساسي في موقفه).

وبينما الخطيئة، كخروج على الطاعة، هي جزء من البناء الشمولي أي من البناء التملكي، فإن لها معنى يختلف عن ذلك تمامًا في البناء غير الشمولي الذي لا تنمو جذوره إلا في نموذج الكينونة. وهذا المعنى متضمن أيضًا في قصة التوراة عن السقوط. ويمكن فهمه بتفسير آخر لهذه القصة. لقد وضع الله الرجل في جنة عدن وحذره من أن يأكل من شجرة الحياة أو من شجرة معرفة الخير والشر. وإذ رأى الرب أنه " ليس جيدًا أن يكون آدم وحيدًا خلق الرب المرأة. والرجل والمرأة يجب أن يكونا واحدًا" وكان كلاهما عريانًا: آدم وامرأته وهما لا يخجلان . وتفسير هذه العبارة عادة، على ضوء الأفكار السائدة عن الجنس التي تفترض أنه من الطبيعي أن يخجل الرجل وتخجل المرأة إذا لم تكن أعضاؤهما التناسلية مستورة. ولكن يبدو لنا أن هذا ليس إلا قليلا مما يريد النص أن يقوله. فبنظرة أعمق يمكن أن تتضمن هذه العبارة فكرة أنه: على الرغم من  أن الرجل والمرأة كان يواجه كل منهما الآخر مواجهة تامة إلا أنهما لم يشعرا بالخجل، بل لم يكن باستطاعتهما أن يشعرا به، لأن كلا منهما لم ير الآخر ككائن غريب، كذات منفصلة، وإنما رأيا نفسيهما كواحد.

ولكن هذه الحالة قبل البشرية لم تلبث أن تغيرت بعد السقوط، بعد أن اكتملت الصفات البشرية لآدم وحواء، أي بعد أن وهبا العقل والوعي بما هو خير وما هو شر، والوعي بالذات المستقلة لكل منهما وبأن واحديتهما المستقلة قد تحطمت، وأن كلا منهما أصبح غريبًا عن الآخر، فهما قريبان من بعضهما البعض، ومع ذلك فهما يشعران بأنهما منفصلان ومتباعدان، ومن ثم كان شعورهما – الذي يستحيل التعبير عنه – بالهوة التي تفصل بينهما. وهكذا صنعا لأنفسهما مآزر سعيًا لتجنب مواجهة بشرية كاملة، ورؤية كل منهما عري الآخر. غير أنه لا يمكن إزالة الخجل ولا محو الخطيئة بالإخفاء. ولم يسع أيُ منهما للآخر بالحب. ربما اشتهى أحدهما الآخر جسديًا، ولكن الالتحام الجسدي ليس فيه شفاء لغربة الإنسان. وحقيقة أنهما لم يتحابا يدل عليها موقف كل منهما من الآخر، حيث لم تحاول حواء أن تحمي آدم، وحاول آدم أن يهرب من العقاب بإدانة حواء كمذنبة بدلا من أن يدافع عنها.

ماهي الخطيئة التي ارتكباها إذن؟ الخطيئة هي أن كلا منهما واجه الآخر ككائن معزول متباعد، أناني، عاجز عن التغلب على عزلته بالحب الذي يوحدهما. وهي خطيئة أصيلة مغروسة بجذورها في وجودنا البشري ذاته. لقد حرمنا من الانسجام والتناغم الأصيل اللذين يميزان الحيوان بما له من غرائز متأصلة تحدد شروط حياته. كذلك "وهبنا العقل والوعي بالذات، ومن ثم كتب علينا المعاناه، وكتب علينا الانفصال والتباعد التامين عن كل كائن إنساني آخر". وترى العقيدة الكاثوليكية أن هذه الحال من التباعد والغربة الكاملة التي لا تخففها المحبة والحب هي الجحيم. وهي حال مستحيل أن نتحملها. ومن ثم يتعين علينا أن نتغلب على عذاب العزلة التامة بطريقة أو بأخرى، بالخضوع أو بالسيطرة، أو بمحاولات إسكات صوت العقل والوعي. ولكن هذه الوسائل كلها لا تنجح إلا نجاحًا مؤقتًا، بينما تمنع وصولنا إلى الحل السليم. فليس ثمة سوى طريق واحد للخلاص من هذا الجحيم وهو تحرير أنفسنا من سجن أنانيتنا، والسعي لأن نوحد كياننا مع العالم من حولنا. لأنه إذا كانت العزلة التامة هي الخطيئة الأصلية فإن الحب هو التكفير عنها. ولما كانت خطيئة العزلة والتباعد ليست فعلا من أفعال عدم الطاعة (أو العصيان) فإنها ليست بحاجة لعفو أو غفران، وإنما هي بحاجة لعلاج. ولا يمكن أن يكون  العلاج هو تقبل العقوبة، وإنما الحب هو العلاج الشافي.

وقد نبهني رينر فينك (Rainer Funk) إلى مفهوم الخطيئة، كفصم للوحدة بين البشر، عبر عنه عدد من آباء الكنيسة اللذين أخذوا بالفكرة غير الشمولية عن الخطيئة، كما فعل السيد المسيح. وأشار فنك في هذا الصدد إلى الأمثلة التالية (المأخوذة عن هنري دي لوباك Henri de Lubac): يقول أوريجين (Origines): "حيث توجد الخطايا توجد الفرقة، ولكن حيث توجد الفضيلة توجد الوحدة والتوحد". ويقول ماكسيموس كونفسور (Maximus confessor) : إن خطيئة آدم حولت الجنس البشري الذي يجب أن يكون كلا منسجمًا بلا صراع بين ما أملك وما تملك، حولته إلى سحابة غبار من أفراد متفرقين ". ويمكن العثور على أفكار مشابهه تتناول تحطيم الوحدة الأصلية التي كانت في آدم، في أعمال القديس أغسطين (St. Augustine)، وكذا تعاليم القديس توما الإكويني كما بين البروفيسورأوير. ويقول دي لوباك موجزًا: " يبدو الخلاص ضروريًا كفعل استعادة التوحد الروحي مع الكائن الأعلى، وكذلك استعادة التوحد مع الكائنات البشرية الأخرى".

والخلاصة: في النمط التملكي، ومن ثم في النمط الشمولي، الخطيئة هي الخروج عن الطاعة، وقهرها يكون بالندم-  فالعقوبة – فتجديد الخضوع. أما في نموذج الكينونة، ومن ثم البناء غير الشمولي، فالخطيئة هي حالة اغتراب معلقة، وعلاجها يكون بالإعمال الكامل للعقل والحب والتوحد مع الكائنات.

والحق أنه يمكن تفسير قصة السقوط هذا التفسير أو ذاك، لأن القصة ذاتها مزيج من عناصر شمولية وأخرى تحررية. ولكن مفهوم الخطيئة كخروج عن الطاعة يتعارض تعارضًا تامًا مع فهمها كعرض من أعراض الاغتراب.

ويبدو أن قصة بابل "برج بابل" كما جاءت في العهد القديم، تحتوي على نفس الفكرة، وفيها وصل الجنس البشري إلى حالة من التوحد كان رمزًا لها اللغة الواحدة التي يتكلم بها الجميع. ولكن السعي للسلطة وشهوة امتلاك البرج العظيم جعلا الناس يحطمون الوحدة التي كانت تجمعهم ويتفرقون. هكذا من زاوية رؤية معينة، كانت قصة البرج هي السقوط الثاني، هي قصة الجنس البشري في عصوره التاريخية. 

تعليقات

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

قصائد من لوركا

مختارات من شوقي بزيع

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

مقتطفات عن أينشتاين