محمد أركون


المقال الوارد هنا عن أركون ليس بحثًا، ولا به اجتهاد خاص بي، كل ما قمت به هنا هو تجميع وتحرير -كنت قد كتبته سابقًا على عجل لاحتياجي له وقتها-  اعتمدت فيه على قراءة بعض المصادر الثانوية -كتابات تتحدث عن محمد أركون - وليس  على المصادر أولية - كتابات محمد أركون نفسها- لكنها قد تكون مفيدة على كل حال لتركيزها، وقد تفيد كذلك كمقدمة سريعة للتعريف به وبملامح عامة لبعض أفكاره.




المفكر الجزائري محمد أركون


ولد الباحث والمفكر الجزائري محمد أركون في عام 1928م، وتوفي يوم الثلاثاء الماضي 14 سبتمبر 2010م، وهو كاتبٌ إشكاليٌ، دائمًا ما أثارت كتاباته حول الإسلام الكثير من الجدل، وهو أمر طبيعي إذا أدركنا أن أركون في دراسته للخطاب الديني كان يهدف على المدى البعيد إلى "تفكيك الصرح الذي يحتمي به الأصوليون من أجل الحصول على المشروعية"[1]. ولم تكن الانتقادات التي وجهت إلى أركون موجهة له من الباحثين المسلمين فقط بل وجهت له كذلك انتقادات من المستشرقين نتيجة لانتقاداته الحادة للمنهجية التي يتبعونها في تعاملهم مع التراث الإسلامي.

الإسلاميات التطبيقية
يرتكز مشروع محمد أركون الفكري على إعادة قراءة تراث الإسلام وحاضره مستعينا في ذلك بالمناهج الألسنية والسوسيولوجية، وهو يرى أن قراءة التراث الإسلامي ينبغي أن تتم بمنهاجية (الإسلاميات التطبيقية)، والتي تهدف إلى "خلق الظروف الملائمة لممارسة فكر إسلامي محرر من المحرمات العتيقة، والمثيولوجيات البالية، ومحرر من الأيديولوجيات الناشئة حديثاً".
وتعتبر "الإسلاميات التطبيقية" أن الإسلام هو أحد تجليات الظاهرة الدينية بشكلها الواسع، وأن الظاهرة الدينية تتجاوز كل دين مأخوذًا على حدة، فهي ظاهرة لا يخلو منها مجتمع بشري. والإسلاميات التطبيقية في هذا الإطار "تختلف جذريا عن الاسلاميات الكلاسيكية؛ فنحن نعلم ان هدف الاسلاميات الكلاسيكية أى الاستشراق  هو: تقديم معلومات دقيقة ووصفية " أي خارجية وباردة" عن الاسلام إلى الجمهور الغربي الذي لا يعرف عنه شيئا، وهى لا تنخرط فى دراسة نقدية مقارنة تضع الاسلام على قدم المساواة مع المسيحية واليهودية. "[2]
وفي الوقت الذي تدرس فيه الإسلاميات الكلاسيكية "او الاستشراق التقليدى" الاسلام بصفته نظاما من الافكار الجامدة التي  لاتتغير ولاتتبدل اى لاتتلوث بالتاريخ ولاتخضع للتاريخية، تدرس الإسلاميات التطبيقية الاسلام كظاهرة دينية معقدة تتأثر بعوامل متنوعة، منها: العوامل النفسية والتاريخية، والاجتماعية والاقتصادية.[3]

منهجه
ويؤسس أركون منهجه على مرتكزين هما الزحزحة، والتجاوز وهو يقصد بالزحزحة إزالة مشاعر التقديس عن عموم جهاز المفاهيم الإسلامية السائدة، وتكريس مشروعية التشكيك بالمقولات القطعية والتحديدات الراسخة والموروثة، سواء في الفكر العربي الإسلامي ، أو في الفكر الاستشراقي الغربي إزاء الإسلام ، أما التجاوز فيريد به الاندفاع الى ما بعد تفسيرات النص الإسلامى إلى رؤى جديدة ومعاصرة لذلك النص وثقافته بإعمال تلك المنهجية وثوابت العصر لاعادة عرض الإسلام والفكر الإسلامى طبقا لهذه الرؤى لتحقيق نهضة فكرية معرفية داخل الفكر الإسلامي.[4]
وينتقد أركون في كتابه "العلمنة والدين" المستشرقين لاعتمادهم بشكل أساسي على المنهج الفللوجي (فقه اللغة) بغرض الوصول للتأثيرات التوراتية والإنجيلية في القرآن الكريم، مبينا أن دراساتهم تلك بقيت مقارنة شكلانية ترتكز على الصيغ التعبيرية وعلى الكلمات وأشكالها  وأنسابها التاريخية، متجاهلة في هذا الإطار المناهج الألسنية والسوسيولوجية. [5]

نقد العقل الإسلامي
وفي عام 1984 أصدر أركون كتاب "نقد العقل الإسلامي" والذي ترجمه إلى العربية هاشم صالح،  تحت عنوان "تاريخية الفكر العربي الإسلامي" وجاء تغيير العنوان وفقا لأركون لأن اللغة العربية لا تتحمل اقتران النقد بالعقل الإسلامي. كما أن الترجمة جاءت ناقصة عن الأصل الفرنسي، وفي المقابل أضاف المترجم  بحثًا لم يكن منشورا في الأصل هو ( الخطابات الإسلامية ، الخطابات الاستشراقية والفكر العلمي) [6]. (ولم ينشر الكتاب بعنوانه الأصلي باللغة العربية إلا في العام الماضي 2009) وفي هذا الكتاب يشير أركون إلى رغبته في العودة للبحث عن جذور لمفهوم العقل في التراث الإسلامي. [7]
ويرى أركون أن تجديد الاجتهاد سيؤدى إلى زعزعة الحقائق الأكثر شعبية وألفة ، وإلى تصحيح العادات الأكثر رسوخًا، ويؤكد في هذا السياق على أن نقد العقل الإسلامي يجب أن يصمم ويصور على أساس أنه امتداد للاجتهاد الكلاسيكى وإنضاج له .[8]

انتقادات
اتهم البعض أركون بأنه جاهل بالتراث الإسلامي ، وأن كتاباته لا تظهر أنه على دراية بثقافة التراث، وأن معالجته لقضايا التراث كانت من منظور أوروبي محض.[9] كما رأى بعض  الباحثين أن تطبيق أركون لمناهج العلوم الاجتماعية الغربية على التراث الإسلامي هو  أمر غير جائز لأن هذه المناهج هي مناهج غربية وليدة الفكر الأوروبي وتطوره، وهي لا تنسجم بالضرورة مع واقع الثقافات الأخرى. [10] 




(يمكن تحميل الكثير من كتبه من هنا



[1]               محمد أركون و "نقد العقل الإسلامي": السؤال التاريخي الاجتماعي.- أوراق فلسفية.- ع3 .- ص31
[2]               مدخل الى فكر محمد أركون، نحو اركيولوجيا للفكر الاسلامي الاسلامي: منهجيات علوم الإنسان والمجتمع ومصطلحات مطبقة على دراسة الاسلام / هاشم صالح .- مجلة نزوى العدد الثالث.-
[3]               مدخل الى فكر محمد أركون، نحو اركيولوجيا للفكر الاسلامي الاسلامي: منهجيات علوم الإنسان والمجتمع ومصطلحات مطبقة على دراسة الاسلام / هاشم صالح .- مجلة نزوى العدد الثالث.-
[4]               محمد أركون : قراءة فى رهانات المعنى واشكالية المنهج المعرفى/عبد الامير كاظم زاهد.- أوراق فلسفية .- ع3

[5]               قضايا منهجية في قراءة  التراث عند " محمد أركون "/رشيدة محمدي رياحي.- - أوراق فلسفية .- ع3
[6]               محمد أركون و الاستشراق فى مآله الأميركى ( غوستاف فون غرونباوم نموذجا تطبيقياً )/ غسان إسماعيل عبد الخالق.- أوراق فلسفية .- ع9 . ص 1
[7]               محمد أركون و "نقد العقل الإسلامى" السؤال التاريخى الاجتماعى/  رضوان جودت زيادة .- .- أوراق فلسفية .- ع9
[8]               أركون و "نقد العقل الإسلامى" السؤال التاريخى الاجتماعى/  رضوان جودت زيادة
[9]                     محمد أركون : قراءة في رهانات المعنى وإشكالية المنهج المعرفي
[10]             تحديث الإسلام: من نزعة الأنسنة الي استكشاف العقل الاستطلاعي (تحولات مشروع محمد أركون النقدي)/عبد الرحن الحاج إبراهيم.




بقلم : أحمد الحضري

تعليقات

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

قصائد من لوركا

مختارات من شوقي بزيع

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

مقتطفات عن أينشتاين