الرسالة المصرية


"وأما سكان مصر فأخلاط من الناس مختلفة الأصناف، من قبط وروم وبربر وأكراد وديلم وحبشان وأرمن، وغير ذلك من الأصناف والأجناس على حسب اختلافهم، وقالوا إن السبب في اختلافهم، والموجب لأخلاطهم اختلاط المالكين لها والمتغلبين عليها، من العمالقة واليونانيين والروم والعرب وغيرهم؛ فلهذا اختلطت أنسابهم فاقتصروا من التعريف بأنفسهم على الانتساب إلى مواضعهم، والانتماء إلى مساقطهم ومواقعهم.

وحكى جماعة من المؤرخين أنهم كانوا في الزمن السالف عبّاد أصنام، ومدبري هياكل، إلى أن ظهر دين النصرانية وغلب على أرض مصر فتنصروا وبقوا على ذلك إلى أن فتحها المسلمون في أيام عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فأسلم بعضهم وبقي بعضٌ على دين النصرانية ومذهبهم مذهب اليعاقبة.

وأما أخلاقهم فالغالب عليها اتباع الشهوات، والانهماك في اللذات والاشتغال بالترهات ، والتصديق بالمحالات، وضعف المرائر والعزمات، إلى غير ذلك مما حكاه أبو الحسين علي بن رضوان في ذلك واقتصه، وأورده من الأمور الطبيعية، وكفى بها حكمًا منصفا وشاهدًا عدلا.

وحكى الوصيفي في كتابه الذي ألفه في أخبار مصر أن أهلها في الزمن السابق كانوا يعتقدون أن هذا العالم، الذي هو عالم الكون والفساد أقام برهة من الدهر خاليا من نوع الإنسان عامرًا بأنواع أخر غير الإنسان، وأن تلك الأنوع مختلفة على خِلقٍ فاذة، وهيئات شاذة ثم حدث نوع الإنسان؛ فتنازع تلك الأنواع فغلبها، واستولى عليها وأفنى فيها قتلا، وشرّد ما بقي منها إلى القفار وأن تلك المشردة هي الغيلان، والسعالي ، وغير ذلك مما حكاه من اعتقاداتهم المستحيلة، وتصوراتهم الفاسدة، وتوهماتهم النافرة ، إلا أنه يظهر من أمرهم أنه كان فيهم طائفةٌ من ذوي المعارف والعلوم، خصوصًا بعلم الهندسة والنجوم، ويدل على ذلك ما خلفوه من الآثار التي حيرت الأذهان الثاقبة واستعجزت الأفكار الراجحة، وتركت لها شغلا بالتعجب منها والتفكر فيها "

مقطع من: الرسالة المصرية لأبي الصلت أمية بن العزيز الأندلسي المتوفي سنة 528هـ
. في كتاب نوادر المخطوطات / تحقيق عبد السلام هارون.- (سلسلة الذخائر، 70)

تعليقات

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

قصائد من الشعر الأفريقي المعاصر

مقتطفات عن أينشتاين

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

Mr. Nobody

النسبية الثقافية ؟