الجسد الراقص والتقدم في العمر

اللوحة لإدجار ديجا (Edgar Degas)
تأليف: ستيفن ب وينرايت، وبرايان س تيرنر
ترجمة: أسامة الغزولي

التجسيد والصورة المشتركة عند الراقص

غالبًا ما يقال في علم الاجتماع الحديث: إن الجسد أصبح مشروعًا في المجتمع المعاصر، حيث الحمية والتدريب وأسلوب الحياة، بل والجراحة التجميليلة تستخدم لإنتاج جسد يتسق مع تعريفنا لأنفسنا، فالجسد يمكن أن نراه "ككيان هو بسبيله إلى أن يكون؛ كمشروع يجب أن نشتغل عليه وننجزه كجزء من الهوية الذاتية للفرد" (شيلينغ 1993: 5)

وبالنسبة للراقص المحترف، قد تبدو فرضية شيلينغ معتدلة أكثر من اللازم، لأن التحول إلى راقص باليه كلاسيكي يتطلب أن يكون الجسد جوهر الهوية ذاته. ونظام الباليه ينتج نوعًا معينًا من الجسد ويحافظ عليه، فلا يمكن فصله عن هوية الراقص. وكما قال رودولف نورييف: "أنا راقص" ( سولواي 1998) ويقول بول (1999: 275): "لو أمكن للجسد أن ينطق فإن لغة البالية الكلاسيكي يجب أن تكون الأكثر طلاقة في الوجود". لكن الطلاقة في هذه اللغة الخاصة بالجسد لا تتحصل إلا عبر جدول بدني عقابي". وتعلق راقصة البالية الأولى في الباليه الملكي دراسي بوسيل (199: 46) بقولها إن "التدريب اليومي كتنظيف الأسنان – إن لم تقم به يبدأ جسدك بالعطب!"

والغرض من التدريب على الباليه هو جعل غير الطبيعي طبيعيًا، لاكتساب هيئة باليه غير واعية. وتكتب راقصة رئيسية أخرى في الباليه الملكي قائلة: "المشكلة في الباليه الكلاسيكي، وهو الرقص الذي أؤديه لأعتاش منه، إنه طبيعة ثانية بالنسبة لي ولا بد أني تعلمته في وقت ما، تمامًا كما أني تعلمت الكلام في زمن ما. لكني لا أتذكر السياق بالمرة ... فالقدرة على تعلم الحركة، وعلى التعرف على النماذج وحفظ المتتاليات، هي أشياء مأخوذة كأمر مسلم به تمامًا. ومع ذلك، فبالنسبة لغير الراقصين فإن جعل الحركة (تسكن أجسادهم) فيه طابع كابوسي كالسقوط في بركة من العسل الأسود) (بول 1999" 140،264) [...]

ويأخذ الراقصون عالمهم الاجتماعي الخاص وتجسدهم فيه كأمر مسلم به. فهم لا يفكرون في هيئتهم كراقصين ما لم يكن ذلك مطلوبًا، أي أنهم لا يفعلون ذلك حتى يجبرون عليه كنتيجة لحدث مأسوي ما أو تحول جذري في الظروف. [...]

ونحن نرى هنا كيف أن هيئة الراقص على المسرح، التي أخذت كشيء مسلم به، قد دمرتها إصابه، وأن المرء –وقد يكون هذا مدهشًا- احتاج ما يزيد عن العام حتى يُستعاد هذا البعد الأدائي في هيئة الراقص وتنكشف الطبيعة غير الواعية وغير المتفكرة في الصورة المشتركة للراقص، أيضًا، في التعليق التالي، الصادر عن رودلف الذي يتحدث عن مشاق مهنة البالية، وكيف أن هذا التخصص التجسيدي يساعده الآن، في دوره كإداري في فرقة باليه: 

ردولف: من الأدوار التي اكتشفتها مبكرًا أن القوة العقلية التي تتحصل عليها من كونك راقصًا هي قوة مذهلة – القوة التي تمكنك من أن تتجنب كل الجوانب السلبية لما جرى، وأن تمنح نفسك، بالفعل، "الأداء"، يكون لديك قدر هائل من ضبط النفس، وهذا الجانب من تدريبي، الذي لم أكن أدرك أنه تدريب، والذي كان الطريقة التي تطورت بها، كان قوة هائلة في الحقيقة. 

وبالمثل، فالتحول المهني من راقص إلى مدرس رقص يتطلب اكتساب صورة معنوية جديدة: 

ميغان: أظن أن أصعب الأمور على الإطلاق هي، وبوضوح، أن تنظر إلى الآخرين وأن ترى ما يفعله الآخرون. كنت مصممة على أن أكتسب القدرة على التعامل مع غرفة مليئة بالناس دون أن يصيبني الفزع منها. 


لقد أنجزت ميغان هذا التحول المهني من الأداء إلى التدريب، وبوسعنا أن نعتبر هذا التحول المهني يحتوى على نوع مختلف من رأس المال. فرأس المال البدني للراقص حل محله رأس المال الثقافي المرتبط بموقع المدرب المحترف. وهذا الانتقال من استخدام رأس المال البدني إلى استخدام رأس المال الثقافي يمكن أن يحدث أيضًا لمدرسي الرقص الراسخين. 


[...]


في هذه الحالة اعتزل المدرس الرقص في سن الثامنة والعشرين، بعد إصابة في الظهر، وأصبح مدرس باليه مشهورًا. لكن سلسلة من الإصابات في أواخر الخمسينيات من عمره أجبرته على أن يعيد اختراع نفسه للمرة الثانية، وعلى ان يتخذ صورة معنوية كمدرس رقص هي أقل اعتمادًا على البيان البدني وأكثر تعبيرًا باللفظ. 

التدريب والانضباط عمليتان رئيسيتان في اكتساب الهيئة الجسدية لراقص البالية. ولكي تكتسب القدرة على التحريك الاستعراضي للجذع، وهي من المتطلبات الأساسية لتعلم تقنيات البالية، يتعين أن يبدأ التدريب حوالي سن العاشرة ... 


رودلف: لا يمكنك ان تقرر أن تصبح راقصًا للبالية في الحادية والعشرين!


ورغم أن عددًا كبيرًا يبدأون الباليه في الطفوله، فإن قلة قليلة منهم هم الذين يصبحون راقصين محترفين، وأولئك الذين يصبحون راقصي باليه كلاسيكي يحتاجون قوة بدنية وعقلية لا يستهان بها. وانضباط الراقص مجسد. ومن الوارد حتمًا أن يسفر اعتزال الرقص عن فقدان هذا الانضباط الجسدي والعاطفي، ويمكن لفقدان السيطرة والضبط، على هذا النحو، أن يسفر عن نتائج دراماتيكية بالنسبة للجسد


[...]



والألم جزء روتيني من الصورة المعنوية للراقص المحترف، ويشمل التدريب على هذه الصورة إدارة الألم والإصابة. والصلابة العقلية اللازمة لمواصلة العمل تحت ضغط الألم، تعد من الملامح التي ميزت أولئك الذين أصبحوا راقصين محترفين وتستعيد ليسا – وهي الآن تدرب الراقصين الأساسيين في الباليه الملكي – أيام كانت تدرب الشباب من الراقصين غير المحترفين في مدرسة البالية الملكي: 

ليسا: من الواضح أن بعض الناس لم يكن ممكنًا ان يصبحوا راقصين، أبدًا، لأنهم لم يملكوا العزيمة الكافية ليأتوا كل يوم ويواصلوا هذا الأمر. لقد كان مؤلمًا وهذا أثر فيهم، في حين أن بعض الناس قاسوا الألم ولم يتأثروا. وهكذا بوسعك أن تحدد الناس الذين سيصبحون أعضاء ممتازين في الفرقة. 


فاعتياد الألم والقبول به جزء مما يمكن أن نسميه التركيبة المؤسسية، حيث تصبح العقيدة المهيمنة التي تقوم على أن "العرض يجب أن يستمر" مجسدة حرفيًا في أولئك الراقصين الذين ينظر إليهم على أنهم الأكثر تأهيلًا للنجاح في فرقة تحترف الباليه. 


[...]


اللوحة لإدجار ديجا (Edgar Degas)

الاكتهال والمهنة في البالية


تدفع عملية التقدم بالعمر -التي لا محيص عنها- بالراقصين إلى مواجهة القابلية للعطب في أجسادهم والخصائص غير المستقرة لمسيراتهم المهنية. 

ونحن نركز على هذا التحول الممكن، الذي يشجع الراقصين على التفكير في هيئتهم الجسمانية. وأكثر من ذلك، فنحن نرى أن التدهور في رأس المال البدني للراقص، ما نصفه بأنه أنطولوجيا الاكتهال، يؤمن نقدًا للبنيوية الاجتماعية الراديكالية في العلوم الاجتماعية. فهناك رأي شائع في علم الاجتماع، اهتمت البحوث النسوية بتطويره، اهتمامًا خاصًا، مفاده أن الجسد هو نتاج عمليات اجتماعية وتاريخية أكثر مما هو أحد المعطيات البسيطة لحقائق الطبيعة. وهناك صور عديدة لهذا الرأي. 

وفي إحدى الدراسات ذات التأثير (لاكير 1990) أنه بسبب الصعوبة البالغة، في تاريخ الطب، التي اعترضت إقرار تعريف غير ملتبس للخواص البدنية للرجال والنساء، فإن الجسد الجنسي هو بنية اجتماعية تتحقق بالصراعات السياسية حول الهوية الجنسية في المجتمع، على اتساعه. والتمييز بين الذكر والأنثى لم يتقرر بشكل خال من الالتباس بتقدم التشريح العلمي، لأن النوع مقولة مجرد ناتج ثقافي، ونحن لا ننكر أن تمثيل الجسد الإنساني يعرَّف ثقافيًا وينتج اجتماعيًا، لكننا نرى أن الألم والإصابة، على سبيل المثال، لا يمكن فهممها سوسيولوجيًا إلا بأخذ التجسيد الإنساني مأخذ الجد. فالشيخوخة بنية اجتماعية، لكن الخبرة بضغوط الشيخوخة هي، أيضًا، نتيجة لتحولات فسيولوجية وبيولوجية. نحن نريد أن نستعيد فينومينولوجية الجسد وأهميتها في الحياة اليومية عبر تفهم دور التجسيد في المسيرة المهنية للراقص. 
[...]
ونحن نرى هنا، أن تدهور قدرات جسد الراقص، أنطولوجيا الاكتهال، خطر يهدد الراقص مهنيًا بقدر ما يتهدد هويته. فاحتراف الباليه مهنة تستهلك كل ما لديك وتتطلب منك الكثير، لدرجة أن هويتك تتقرر، أساسًا، في ضوئها. ومن وجهة نظر سوسيولوجية، فالبالية مهنة تشبه احتراف كرة القدم، لكن لها بعدًا إضافيًا، وهو أنها رسالة أو انجذاب. وإذا استخدمنا مصطلحات ماكس فيبر ففيما تعد الوظيفة وسيلة لكسب العيش، فالانجذاب هو غاية بحد ذاته، ولا يحتاج تبريرًا إضافيًا. فصاحب الرسالة الدينية شده النداء إلى خارج الحياة اليومية لينجز مهمة أو نموذجًا استثنائيًا، مهمة يشعرون بها كدافع قهري. أما الانجذاب فليس اختيارًا شخصيًا، بالضبط، بل هو امتثال. والآن فإن احتراف الرقص كرسالة غالبًا ما يكتسب هذا الطابع القهري، ولهذا يمكن أن نقول عن الراقص إنه "مسير" وهذا الانجذاب للرقص يتضمن ما هو أكثر من اكتساب تقنيات جديدة. ومن الواضح أن الرقص أمر يستطيع جسد راقص الباليه أن يفعله، لكن أن تكون راقص باليه فهذا، أيضًا، تجسيد، وبتعبير آخر، فأن تكون راقص باليه ليس بشيء تفعله، إنه شيء تكونه، وهذا يعني، في كل الحالات وجود ضغط، يمكن أن نقوله عنه "قوة" العادة التي تؤجل الختام النهائي لمهنة الراقص بالتقاعد: 

جيسي: بوسعك أن ترى قدرات الراقص تتدهور، وبوسعك أن ترى أن الأمر، من الآن، نزول إلى أسفل، لا صعود. ويتعين على بعض الناس أن يسمعوا أشياء لا يحبون أن يسمعوها، ولا يرون الواقع بأنفسهم. وهكذا الأمر مؤلم للغاية لدى بعض الناس. 


كاسبر: الرقص ليس سهلًا. يجب أن تمر بقدر معين من الألم، أن تعبر حاضر الألم، وإن لم تستطع ذلك، فليس لديك الطموح أو الدافع لتعلو فوق كل هذا، لا يوجد معنى. كم أتمنى لو أن جسد المرء لا يتدهور! ما أعظمه من أمر، لو أنك بقيت قادرًا على أن تفعل كل ذلك. والحقيقة أنك تشعر هنا (يشير إلى رأسه) بأنك قادر، يتعين أن تصدق ما يخبرك به الناس، والناس في هذه الفرقة عادة صادقون للغاية –يحاولون التخلي عنك برفق. لكن المرء يشعر، دائمًا، أنه ما زال قادرًا على أن يفعل ذلك. إنه أمر يشبه الركض للحاق بالباص، ثم تدرك أنك لن تلحق به!

هذا الاعتقاد (بأن العقل يحسب أنه قادر على الفعل، لكن الجسد لم يعد قادرًا) يعالج في مقتطف من رودلف فيما يلي. ويمكن طرح المثالين في إطار المناقشة حول البنية الاجتماعية للجسد ... وفكرة أنهم يحسبون أنهم قادرون عليها "تتناغم مع رؤية بنيوية اجتماعية راديكالية للمعرفة، حيث لا يكون "العالم" أساسًا أكثر كثيرًا من بنية اجتماعية. وغالبًا ما تمت دراسة عملية الاكتهال ذاتها في إطار البنيوية الاجتماعية. وبالنسبة للبعض فإن الاكتهال هو بنية اجتماعية بالكامل (كانز 1996) لكننا نرى أن هذا الموقف الراديكالي يبقى محددًا ما لم يمكن أن يستوعب فهمًا للتجسد والاكتهال. العالم يرد على ادعاءاتنا المعرفية حوله، بأن يجبرنا على تعديل افتراضاتنا المعرفية عن الواقع. ويرى ساير أنه "على الرغم من أن طبيعة الأشياء والعمليات ( بما فيها السلوك الإنساني) لا تقرر محتوى المعرفة الإنسانية، بشكل فريد، فإنها تقرر لنا إمكاناتها الإدراكية والعملية. ولا يعود الفضل لمعرفتنا في أنه يستحيل المشي على الماءـ بل يعود بالأحرى إلى الماء: وبالمثل، فمع فكرة أنطولوجيا الاكتهال، نحن نطرح فكرة أن وجود تدهور بدني محتم في قدرات الجسد الإنساني هو الذي يعدل، بوضوح، طبيعة تجسيدنا كفاعلين اجتماعيين. وبالنسبة لراقصي البالية فإن علمية الاكتهال هذه تعني أن مسيراتهم المهنية كراقصين مؤديين للباليه الكلاسيكي تنتهي، في كل الحالات، مع بداية منتصف العمر. 

رودلف: تقاعدت في الثامنة والثلاثين، وبوسعي أن أقول إني كنت في السنوات الثلاث الأخيرة أشعر بالآلام تتزايد بشكل لم يكن موجودًا في الماضي، وكذلك فقد أصبحت المدة اللازمة للشفاء من عارض ما، أطول قليلًا. [...] ولكن بعد أن تقدم بي العمر قليلًا صارت زوجتي تلاحظ، دائمًا، أن عظامي تطقطق وأنا أنهض من فراشي! وعندما تتحدث عن الاكتهال، فالخطر الذي يتعرض له الناس في نهاية الثلاثينيات من أعمارهم هو أن منهم من يظن أنهم قادرون على الفعل، لكن الجسد لا يوافقه وهنا تكون معرضًا لخطر الإضرار بنفسك. وفجأة تجد أشياء كنت قادرًا على فعلها في العام الماضي وترمي بنفسك إليها لكن الجاذبية تغلبك وتقع على الأرض بأسرع قليلًا، مما كنت تحسب! إنها وظيفة الشباب، وقد كانت دائمًا كذلك. 


مقتطفات من: 

سرديات التجسد: الجسد والاكتهال والمهنة عند راقصي البالية الملكي
تأليف: ستيفن ب وينرايت، وبرايان س تيرنر
وهو الفصل الرابع من كتاب: 
الأجساد الثقافية: الإثنوغرافيا والنظرية
تحرير: هيلين توماس، جميلة أحمد
ترجمة: أسامة الغزولي
المشروع القومي للترجة، 1595
القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010

تعليقات

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

مختارات من شوقي بزيع

قصائد من لوركا

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

مقتطفات عن أينشتاين