مقتطفات من كتاب تربية سلامة موسى

غلافة كتاب تربية سلامة موسى في طبعة مكتبة الأسرة - مصر 2012
 
     قد يكون الدافع الأول لكتابة هذه السيرة أني أحس، إلى حد كبير، أني منعزل عن المجتمع الذي أعيش فيه لا أنساق معه في عقائده وعواطفه ورؤياه، وعندئذ تكون هذه الترجمة التبرير لموقفي مع هذا المجتمع وهو موقف الاحتجاج والمعارضة. فأنا أكتب كي أسوى حسابي مع التاريخ. 

***

     رأيت القرن التاسع عشر بعين الطفولة، ورأيته وهو خلو من الغش لم يلابسه شيء من مخترعات القرن العشرين. وهذا مالا يستطيع أن يقوله أوربي لأن إيماءات القرن العشرين كانت تبدو واضحة في أواخر القرن التاسع عشر في أوروبا. أما في مصر فقد حدث العكس، وهو أن تراث القرن التاسع عشر بل بعض القرون التي سبقته بقيت عالقة ببداية قرننا هذا. وما زلنا في 1947 نرى هذا التراث على أثقله في طبقاتنا الفقيرة. وليس هذا من ناحية الوسط فقط حيث الفقر المذل، بل من ناحية النفس أيضًا، حيث الرضا بالحظ المقسوم والإيمان بالخرافات والتسليم بالنظم الإقطاعية كأنها الشيء الطبيعي لمجتمعنا.

***

     كان الإنجليز يحاربون شيئين في الأمة لا ثالث لهما. وكانوا يكفلون بقاءنا في ظلام الجهل وذلة الفقر بهذين الشيئين، وهما التعليم والصناعة. ونجحوا في ذلك نجاحًا عظيمًا؛ فلم يسمحوا طوال إشرافهم على وزارة المعارف بإنشاء مدرسة ثانوية للبنات في أي مدينة من مدن القطر. وكانوا يعلموننا أن بلادنا زراعية لا تلائمها الصناعة، كأن القدر قد قضى علينا بالفقر الأبدي. وكانوا يصرون على المحافظة على تقاليدنا، فكانت المدرسة السنية الابتدائية في القاهرة، وكانت ناظرتها إنجليزية، تصر على اتخاذ البرقع للتلميذات وهن في العاشرة أو الثانية عشر من العمر، وكان معلم اللغة العربية يفصل من وزارة المعارف إذا نزع عمامته وقفطانه واتخذ البنطلون والجاكتة. وتقدمت الآنسة نبوية موسى لامتحان الشهادة الثانوية في سنة 1907 من بيتها فرفض دنلوب المستشار الإنجليزي لوزارة المعارف قبولها في الامتحان. ولكنها استمرت في الكفاح وأحدثت ضجة في الجرائد، وتقدمت في السنة التالية فقبلت ونجحت. ولكن الإنجليز تنبهوا. فلم تفز فتاة مصرية بالشهادة الثانوية منذ 1908 إلى 1929 حين تقدمت الفتيات اللاتي أنشأت لهن وزارة المعارف مدرسة ثانوية في 1925 أي بعد إعلان الاستقلال بسنتين.

***

     لكن وزير الخارجية المدعو جراي برر جريمة كرومر بأن وقف في البرلمان يقول: إن التعصب الإسلامي قد تفشى في إفريقية الشمالية كلها بما في ذلك مصر. وكتب المقطم (جريدة موالية للاحتلال) مقالا عنوانه "التعصب يمتد ويشتد" أي تعصب المصريين المسلمين الذين يجب أن يكبحوا بمشانق دنشواي؟ وما زالت كلمات هذا المقال ترن في ذهني ولا تزال دنشواي عندي من الذكريات النفسية الأليمة. وقد وجدت تعزية في شيء واحد هو أن الوجدان الوطني أصبح عامًا وتنبهت الأمة كأنها استيقظت من النوم.

***

     لكن الخديوي يصر على أن يبقى الأزهر كما كان منذ مئات السنين محافظا لا تتسرب إليه تيارات الثقافة العصرية. وكان محمد عبده يصر على أن يتطور الأزهر إلى جامعة عصرية. واتجه المستنيرون من الأمة وجهة محمد عبده فازوروا عن الخديو.

***

     كثيرًا ما كانت الحجة تنتقل من الرأس إلى الذراع، فأسارع إلى التسليم وأعلن صحة العقائد والتقاليد وكذب الآراء والعلوم. لأن المنكرين كانوا في العادة أكبر مني سنا وأضخم جسدًا.

تعليقات

  1. لسلام عليكم
    أين أجد هذا الكتاب في الرياض المملكة العربية السعودية ؟

    ردحذف
    الردود
    1. وعليكم السلام
      لا أعلم أين يمكنك شراؤه من السعودية لكن النسخة التي أتحدث عنها صدرت في طبعة حديثة في مكتبة الأسرة في مصر عن الهيئة العامة للكتاب،
      يمكنك قراءة الكتاب أونلاين من الوصلة التالية:
      http://dar.bibalex.org/webpages/mainpage.jsf?PID=DAF-Job:214490&q=
      أو يمكنك شراؤه عن طريق أي من مواقع بيع الكتب، ومنها النيل والفرات:
      http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=egb178256-5190779&search=books

      حذف

إرسال تعليق

أفيدوني بانتقاداتكم وإطراءاتكم، أسعد بجميع الآراء

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

قصائد من الشعر الأفريقي المعاصر

مقتطفات عن أينشتاين

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

Mr. Nobody

النسبية الثقافية ؟