كف صفية
هذه الرواية الصادرة عن دار الخان للنشر والتوزيع هي الأولى لطارق رمضان عبد الكريم، وقد سبقتها مجموعتان قصصيتان، هما: "موت أداة الإستثناء" و"هل يمكن أن نحب يوم الثلاثاء". ورغم أني لم أجد نفسي مهتمًا بالكامل بموضوع الرواية، لكنني كنت مع هذا مستمتعًا في أماكن كثيرة بالطريقة التي تم عرض الفكرة بها: تنوع الشخصيات وتفاصيل مثيرة للاهتمام تم رسمها بطريقة ممتعة. طارق متمكن من أدواته: اللغة، التقنية، تقطيعات المشاهد، تخطيط الرواية بالكامل مرسوم بعناية.
البطل هنا يعاني من الشعور بالذنب، لكنه شعور مكبوت دائمًا، كأنه إناء مغلق يسرب من وقت لآخر بعض محتوياته، ذنب يرفض البطل مواجهته أو تحمل نتائجه أو حتى أن يجعله حافزًا أو بداية لتغيير ما. بطل غارق في الشعور بالأسى على نفسه، ونفسه فقط. حتى صفية ونهايتها تحس كقارئ في أوقات أنها مجرد ذريعة تساعده على مواصلة الإحساس بالشفقة على الذات.
تحس كقارئ أن حسن تقوده غرائزة الأساسية فقط، وهنا لا أقصد فقط الجنس الذي هو من تيمات الرواية المهمة، بل تشعر أن البطل يسير في الحياة بقوة دفع ذاتي، لا توجد تطلعات أو أفكار أو أمنيات، لا تخطيط، هو مدفوع بالكامل بقوى مجهولة له تنقله من مكان لمكان، أو من حالة إلى الأخرى.
أتعرف شعورك حين ينتابك قلق لا تستطيع التحكم فيه، فتجد نفسك قد بدأت باستهلاك مقاطع فيديو، أو ممارسة نشاطات غرضها تغييب عقلك وشغله مؤقتًًا عن هذا الشعور غير المحتمل، هذا هو ما فعله البطل على مدار حياة كاملة، وللمفارقة هذا ما يواصل الكثيرون منا فعله لأسباب مختلفة. وربما تكون الرواية هنا هي محاولة تخيل النتائج المحتملة لذلك.
في مقطع في الرواية يدور الحوار التالي:
"ده أنا .. انت بقى. بتحقد عليه؟ اكمنه شاطر ومتفوق من زمان بيقارنوك بيه؟!تدفعني صراحتها للحديث بحرية معها، ومع نفسي ربما لأول مرة:- صدقيني مش بحقد عليه، ودي الغلطة! أحيانًا المشاعر السلبية بتبقى طبيعية، لازم تمر بيها عشان تتجاوزها!أنا عملت زي اللي خايف من مرض معين فبياخد دوا قبل ما يمرض، وهو مش مدرك الآثار الجانبية للعلاج دا إيه!أنا عشان ما احسش بالحقد والغيرة من جمال عملت مسافة نفسية بيني وبينه، وكل ما كان بيعمل حاجة عظيمة صعب أعملها، أزود المسافة أكتر وأكتر، لحد ما وصلت لإحساس مريح جدا وهو إن جمال مش أخويا، دا شخص غريب اسطوري يقدر يعمل معجزات، لأنه غريب عني مفيش وجه للمقارنة!إنت عارفة لما عمل غلطة مرة وعرفت، اتلخبطت .. جزء مني شمتان في الأسطورة وفرحان إن التمثال بيتهز، وجزء تاني متغاظ إنه طلع بني آدم بيغلط ... يعني زينا، ومفيش مبرر يمنعنا نكون زيه، ودا المستفز في الموضوع"
هنا بينما يحاول البطل نفي حقده على أخيه، يؤكد هذا الحقد، وبينما يحاول جاهدًا كبت هذا الشعور وتجنب مواجهته يتسبب في الأذى لأخيه في أكثر من موقف. حسن لديه رغبة مفرطة في إثبات ذاته، ربما لتعويض الطريقة التي يرى هو بها نفسه. إحساسه بالخجل من وظيفة الأب، ثم تأثير موت الأب المفاجئ. بالإضافة إلى علاقته الأولى مع صفية التي انتهت نهاية مخيفة. في وسط كل هذه الظروف، وما تثيره من مشاعر يأتي أخوه ليكون حجة حية قائمة ضده، وضد محاولات تبرير مواقفه، أخوه الذي مر بنفس الظروف، ونفس الإغراءات لكنه تصرف بطريقة مختلفة، لم يكن مثاليًا بأي حال، بل أنك كقارئ قد تشارك حسن امتعاضه منه في أوقات، لكنه على عكس البطل حاول بطريقته أن يتحمل المسؤولية الأخلاقية لاختياراته وأن يعترف بأخطائه، ومن هنا ولد إحساس حسن بالنقص نتيجة المقارنة المستمرة بينه وبين أخيه من قبل الآخرين، ومن قبله هو نفسه:
"لم يكن لدى جمال أية أسرار كما أعتقد، إنسان مثالي بشكل مستفز، وفي جلساتنا الخاصة كنا ننعته بالإنسان الآلي، حتى وهو مراهق لم ألمحه يشاهد صورًا فاضحة من مجلة الشبكة أو الصياد أو كتاب طبيبك الخاصص مثلما يفعل أقرانه، ولم أشعر يومُا أنه يمارس عادتنا السرية!
وعلى العكس مني كان محافظًا على الصلاة وأحيانًا يؤديها في المسجد، ومن بين كل رفاق طفولتي أحب جمال الشيخ طه وتقرب منه على الرغم من فارق السر بينهما!"
علاقة حسن مع كل من حوله هي علاقة تطفلية أو افتراسية، جوع مستمر فجوة في داخله يحاول ملأها فلا تمتلئ. علاقته بأخيه فاترة لا يحاول تفهمه أو التواصل الحقيقي معه، يتدخل في علاقاته ويفسدها، علاقاته بأصدقائه علاقة سطحية وعلاقة منفعة: يدخل محمود زميله المعتقل ثم نعرف بعدها أن له دورًا في ذلك. يرفض أن يخطب أخوه جمال من لا يحبها، لكنه يفعل ذلك مع زينب. تحكي له زينب من البداية عن تعرضها للاعتداء، لكنه لا يحكي في المقابل عن علاقته أو علاقاته السابقة، رغم أنها ستؤثر على الزواج وعليها بشكل كبير. ثم يعاقبها ويعاقب نفسه، لأنه غير قادر على تجاوز ماضيه الذي حاول دفنه عميقًا داخله. يرفض حسن أن يكون مسؤولًا، لا يأخذ بشكل واع قرارات شريرة أو مؤذية لكن هذا لا يمنعه من أن يكون أكثر إيذاءً من من بلطجي أو لص. حسن يسير في الحياة دون تفكير، دون قرارات. هروب مستمر. حتى في النهاية حين أجبرته الحياة على مواجه نتائج أفعاله اختار أن ينتحر.
ارتحت في النهاية حين أشار الكاتب بشكل واضح أنه كان مدركًا لذلك: "توقف كل حواسك ومشاعرك، وهي اللعبة التي أتقنتها طوال حياته أإن البطل يشبه بدرجة ما نرجس (نرسيس) الذي افتتن بصورته وظل ينظر لها مفتونًا، لكنه وللمفارقه هنا البطل يواصل الانشغال بنفسه دون أن يجرؤ على النظر في أي مرآة.
الرواية في المجمل جيدة، إذا قيمتها ربما سأعطيها ٦ أو ٧ من عشرة. أحس أن هناك ما ينقصها، لكني غير متأكد تمامًا من ذلك، وغير متأكد من ماهية هذا النقص إن وجد، ربما يرجع الأمر لتفضيلات شخصية ليس إلا. كما قلت في الرواية هناك تمكن من الأدوات، واهتمام بالتفاصيل، لكن أحسست أن العالم الذي رسمته الرواية معتاد بشكل ما،هناك أحداث جديدة، ومشاهد وتفاصيل مسلية وممتعة، لكني كنت دائمًا أهتم بالصورة الإجمالية أكثر من اهتمامي بالتفاصيل، والصورة الكلية في الرواية هنا كانت جيدة جدا، لكن لا تجعلها من مفضلاتي. لكني أقول بلا مجاملة أو شك أن طارق يستحق المتابعة، وأن الرواية تستحق القراءة. وسأتطلع فعلا لكتاباته القادمة.
تعليقات
إرسال تعليق
أفيدوني بانتقاداتكم وإطراءاتكم، أسعد بجميع الآراء