المخ والأحلام (مقتطفات)

he Dragons of Eden:
 Speculations on the Evolution of Human Intelligence 



هناك ما يدل على أن نوعي النوم (الأحلام أو بدون أحلام) يعتمد على أسلوب حياة الحيوان. فوفقًا لما وجده ترويت أليسون Truett alison  ودومينيك سيشتي Dominic ciccheti من جامعة ييل yale فإن الحيوانات المفترسة تحلم أكثر من الفريسة التي تنام في العادة نومًا بلا أحلام. وتنطبق هذه الدراسات على الثدييات. وفي النوم المصاحب بالأحلام لا يستجيب الحيوان للمؤثرات الخارجية، أما النوم غير المصحوب بالأحلام، فإنه أكثر سطحية. ولكن لماذا النوم؟ لماذا ظهرت خاصية النوم العميق جدًا؟ 

...  
يطاردني دائمًا حلم رأيته يومًا ما. أحلم بأنني أقلب صفحات مجلد ضخم للتاريخ، وأنني ألاحظ أن هذا العمل يمر ببطء خلال قرون العصر الكلاسيكي، والعصور الوسطى، والنهضة وهكذا .. حتى العصر الحديث. عندما وصلت إلى الحرب العظمي الثانية بقي لدي مائتي صفحة. وبدأت أدرس الكتاب بعمق وبحماس بالغ حتى وصلت إلى ما بعد زمننا هذا،  فقد كان كتاب التاريخ هذا يحتوي على المستقبل، وكأنني أقلب صفحة 31 ديسمبر في التقويم الكوني، ووجدت وصفًا تفصيليًا ليوم 1 يناير. حاولت أن أقرأ المستقبل ولكنني لم أفهم الجمل أو حتى الكلمات. لقد أصبحت لا قرائيًا alexic.
    
قد يكون هذا مجرد رمز لاستحالة التنبؤ بالمستقبل، ولكن كل تجاربي للأحلام كان يصاحبها عدم القدرة على القراءة. يمكنني مثلا في الحلم معرفة علامة الوقوف ولكن لا يمككني قراءة كلمة "قف" مع أنني أعلم أنها هناك. يصحب القراءة في الأحلام شعور بأنني أفهم الصفحة المكتوبة ولكنني لا أستطيع قراءتها كلمة بكلمة أو جملة فجملة. لا أستطيع أن أحسب أبسط عمليات الحساب في حالة الحلم وأخلط بين الكلمات المختلفة بلا معنى رمزي مثل الخلط بين أسماء المؤلفين الموسيقيين شومان وشوبرت. في الأحلام أنا غير قادر على الكلام الصحيح وغير قادر على القراءة. لا يشكو كل من أعرفهم من مثل هذه المشاكل المعرفية ولكن البعض يشكون قليلا من مشاكل مماثلة (بهذه المناسبة فإن للأفراد المولودين مكفوفين أحلامهم السمعية وليست البصرية). من هنا يتضح أن القشرة المخية لا تتوقف تمامًا في أثناء الأحلام ولكنها تصاب ببعض الاختلال الوظيفي.
...
أحلام الطيور والثدييات (التي لم يمارسها أجدادهم من الزواحف) تستحق الملاحظة. لقد ظهرت الأحلام في الحيوانات التي تطورت عن الزواحف. ونوم الطيور له طابع مميز وخاص: عندما تحلم فإن حلمها لا يدوم إلا لثوان قليلة. والطيور من وجهة النظر التطورية أقرب إلى الزواحف منها إلى الثدييات. ولو كانت الأحلام ظهرت في الثدييات فقط لما كان هناك ما يستحق النقاش، ولكن ظهور الأحلام في الثدييات والطيور ظاهرة تستحق الدراسة وأكبر من أن تكون مجرد صدفة. لماذا تحلم الحيوانات التي تطورت عن الزواحف بينما لا تحلم غيرها من الحيوانات؟ هل تحلم الطيور والثدييات لأنها تحتفظ ببعض مخ الزواحف وأن هذا المخ ما زال يعمل؟ 

أحيانًا نستطيع أن نوقف الحلم ونقول لأنفسنا: "هذا مجرد حلم". وبشكل عام نحن نشعر بالحلم وكأنه حقيقة، وليس للأحلام قوانين خاصة معينة تتبعها، فهي عالم من السحر والطقوس والعواطف والغضب والخوف، ولكنها نادرًا ما تكون خاضعة للشك والمنطق والعقلانية. ولو عدنا للتشبيه بالمخ الثلاثي لوجدنا أن الأحلام هي في الحقيقة من وظائف المركب "ز" للزواحف ... 
  
*** *** ***
        

تدل دراسات إحصائية عن أهم أنواع الأحلام عند طلبة الجامعات وأكثرها انتشارًا هي الأنواع الآتية:
  
1- السقوط
2- الهروب من مهاجم.
3- محاولة متكررة لأداء مهمة معينة.
4- دراسات أكاديمية مختلفة. 
5- علاقات جنسية مختلفة. 
  
كان النوع الرابع أكثرها إثارة للاهتمام بين عينة من طلبة الجامعات التي درست. أما الأنواع الأخرى فكان لها الانتشار نفسه في الجماعات الأخرى غير الطلبة. 

وواضح أن الخوف من السقوط يرتبط بأصولنا التي عاشت فوق الأشجار، وهو خوف نشترك فيه مع غيرنا من الحيوانات الرئيسية. فأسهل وسيلة للموت، إذا كنت تعيش على الأشجار، هي الوقوع من أعلى شجرة. أما الأنواع الثلاثة الأخرى فهي تنتسب إلى وظائف عدائية عنيفة هيرارقية وحشية، وهي مناطق نفوذ مركب "ز". ولعل أكثر الإحصاءات إثارة للفكر هي أن الكثير من الأحلام كانت تتعلق بالثعابين التي تمثل وحدها أكثر الحيوانات وجودًا في الأحلام. طبعًا من الممكن إعطاء الأحلام المختصة بالثعابين تفسيرًا فرويديًا ولكن ثلثي الطلبة كانت أحلامهم الجنسية واضحة، ولعل تفسير واشبرن هو الأصح: فالحيوانات الرئيسية تظهر خوفًا شديدًا في صغرها من الثعابين ولهذا من السهل تصور أن عالم الأحلام يشير مباشرة إلى العداء بين الزواحف والثدييات.
  
(الفصل السادس: قصص عن غشاوة جنة عدن)

*** *** *** 

تفترض هذه الملحوظات علينا بشدة فكرة أن موطن التفكير العقلاني هو المخ الأيسر وموطن التفكير البديهي هو المخ الأيمن. 

ولعل أهم التجارب التي أجريت في هذا المجال هي تجارب روجر سبيري (Roger Sperry) وزملائه من معهد كاليفورنيا للتكنولوجي (California Institute of Technology ). ففي محاولة لعلاج حالات متقدمة من الصرع حيث يصاب المريض بنوبات متلاحقة، تصل أحيانًا إلى نوبتين كل ساعة، قطع سبيري الجسم الثفني (Corpus callosum) وهو الجزء من المخ الموصل بين الشق الأيمن والشق الأيسر من القشرة المخية الجديدة. كانت العملية هي محاولة لمنع انتشار زوبعة كهربائية عصبية من أحد شقي المخ إلى الشق الآخر، وكانت النتيجة – التي رحب بها بالطبع – هي أن عدد النوبات وقوتها قد انخفضا في شقي المخ مما قد يفسر بتبادل مستمر بين شقي المخ في النوبات. 

يبدو – سطحيًا – أصحاب هذا المخ المنشق كأنهم طبيعيون جدًا بعد العملية. يفيدنا بعضهم بتوقف الأحلام القوية التي كانوا يحلمون بها قبل العملية. فقد أول المرضى بعد تعرضه للعملية ولمدة شهر القدرة على الكلام، ولكنه استعاد هذه القدرة بعد فترة قصيرة. ويقنعنا المظهر الطبيعي للمرضى الذين تعرضوا لهذه العملية أن وظيفة الجسم الثفني (Corpus Callosum) وظيفة مراوغة لحزمة من مليون شعرة عصبية تحمل بعض بلايين البيتات في الثانية وتحتوي على 2% من عصبونات القشرية المخية الحديثة بين شقي المخ، ومع ذلك فعند قطعها لا يحدث شيء!! أظن أنه من الواضح أن هناك ظواهر أساسية تحتاج إلى بعض الدراسة الدقيقة. 

عندما ننظر إلى شيء ما إلى يميننا فإن عيننا ترى ما يسمى حقل الرؤية الأيمن، فإذا كان هذا الشيء إلى يسارنا فإننا نفحص حقل الرؤية الأيسر. ولكن، ونظرًا للطريقة التي تتم بها توصيلات أعصاب الرؤية، فإن الجانب الأيمن من الحقل يتعامل معه شق المخ الأيسر، أما الجانب الأيسر من الحقل فيتعامل معه الشق الأيمن من المخ. كذلك فإن الأصوات التي تسمعها الأذن اليمنى تذهب أساسًا إلى الشق الأيسر، والعكس بالعكس. ولا يوجد مثل هذا الانعكاس بالنسبة للإحساس البدائي للشم، فالمعلومات الواردة من الجانب الأيسر من الأنف يتم التعامل معها في الجانب الأيسر من المخ، والعكس بالعكس. أما المعلومات المرسلة من المخ إلى الأطراف فهي معكوسة أيضًا: فالأشياء التي تحركها وتحسها اليد اليسرى يحس بها أساسا النصف الأيمن من المخ، والتعليمات الصادرة لليد اليمنى لكتابة جملة تصدر عن الجزء الأيسر من المخ، وتوجد مراكز الكلام في 90% من البشر في الجانب الأيسر من المخ.
  
قام سبيري وزملاؤه بإجراء سلسلة من التجارب المهمة تقدم فيها معلومات مختلفة لكل من الشق الأيسر والشق الأيمن من المخ. في إحدى التجارب أضاءت عبارة Hat band أمام المريض مشقوق المخ، ولكن كلمة hat كانت في الحقل الأيسر من حقل الرؤية، وكلمة band كانت في الحقل الأيمن. وعندما سئل المريض عما أماماه، قال إنه رأى كلمة Band، ويدل هذا على أنه كان فيما يتعلق بالاتصال باللغة لا يرى كلمة hat. وعندما طلب من المريض أن يكتب ما يرى بيده اليسرى الموضوعة داخل صندوق، كتبت يده كلمة hat وهكذا فهو يستطيع أن يكتب ولكن ليس لديه القدرة على النطق. 

وفي تجارب أخرى ظهرت نتائج مماثلة: ففي إحداها مثلا أعطى المريض مشقوق المخ في يده اليسرى حروفًا مجسمة لا يراها، تتهجى كلمة واحدة إنجليزية مثل cup أو love كان من المفروض أن يتعرف عليها المريض. ولكن قدرات الشق الأيمن من المخ على التعرف على الكلمات ضعيفة جدًا ولهذا فإن المريض بعد التعرف على الحروف كافة كان غير قادر على التعرف على الكلمة. وهكذا يبدو أنه عند المرضى مشقوقي المخ، فإن الشق الأيمن لا يعرف ما يعرفه الشق الأيسر. 

...
عندما يتعطل الاتصال بين شقي المخ فإن المريض يجد أنه يتصرف تصرفات غير قابلة للتفسير. يعبر الاستقلال النسبي لكل من شقي المخ عن نفسه أحييانًا في الحياة اليومية، فكما ذكرنا فإن الشق الأيمن من المخ له تصرفات من الصعب التعبير عنها باللغة. وكثير من المهام الطبيعية - خصوصًا في الرياضة البدنية- لا علاقة لها إطلاقًا بالشق الأيسر من المخ. ومن الخدع المشهورة في التنس أن تسأل منافسك عن طريقة وضع إبهامه على المضرب، وكثيرًا ما يؤدي لفت نظر الشق الأيسر من المخ إلى هذه المسألة إلى تدهور شديد في إداء اللاعب. وتعتمد أغلب القدرات الموسيقية على الشق الأيمن من المخ، ومن المعروف أننا كثيرًا من نتذكر قطعة موسيقى أو أغنية دون القدرة على تسجيلها كتابيًا، يقول عازفو البيانو في هذا المجال إن "أصابعهم" قد حفظت القطعة الموسيقية. 

...
يتعامل الشق الأيسر من المخ مع المعلومات تتابعيًا كل على حده، بينما يتعامل الشق الأيمن معها كلها مرة واحدة، ويبدو اننا لا نتستعمل مخنا الأيمن منفصلا إلا عند نوم الشق الأيسر، أي في الأحلام. 

افترضنا في الفصل السابق أن أهم مظاهر حالة النوم قد تكون إطلاق سراح عمليات مركبة "ز" التي كبحت ف أثناء النهار، ولكني ذكرت أيضًا أن المحتوى الرمزي للأحلام يوضح اشتراك القشرة المخية الحديثة فيها رغم نقص قدرات القراءة والحساب والكلام. 

نحن نعرف الآن أن الشق الأيسر من القشرة المخية الحديثة يحبط عن حدوث الحلم مع نشاط كبير للقشرة المخية اليمنى الحديثة. ومع ذلك فقط يكون للقشرة المخية اليسرى نشاط في تخزين البيانات بحيث تحدد ما يجب الاحتفاظ به في الذاكرة طويلة المدى. 

هناك تقارير مؤكدة، وإن كانت متناثرة، عن مشاكل علمية تم حلها في أثناء النوم. من أشهر هذه الحالات حلم عالم الكمياء الألماني فريدريك فون سترادوويتز كيكالي، كانت أهم المشاكل التي يواجهها الكميائي عام 1865 هي التركيب البنائي لجزيء البنزين Benzene. كان شكل بعض المركبات العضوية قد تحدد بدراسة خواصها الكميائية والفيزيائية وكانت كلها تشكل خطًا مستقيمًا ترتبط به كل ذرة بأخرى بعدها. قال كيكالي إنه بينما كان يغفو في عربة ترام تجرها الخيل، جاءه فيما يشبه الحلم شكل ذرات تتراقص في خط مستقيم وفجأة دخل ذيل الخط في رأسه فكون ما يشبه دائرة. عندما استيقظ كيكالي تذكر حلمه وعرف في التو أن حل مشكلة البنزين هي حلقة سداسية الأضلاع من ذرات الكربون بدلا من الخط المستقيم. ولكن علينا على كل حال في هذه الحالة أن نتذكر أن المشكلة أساسًا هي التعرف على نموذج شكلي وليس على عمليات تحليليلة وهذا هو الحال في جميع الأعمال الإبداعية التي تتم في الأحلام، إذ إنها جميعًا تتعلق بالشق الأيمن من المخ وليس بالشق الأيسر. 

يقول المحلل النفسي الأمريكي إريك فروم Erich Fromm: "ألا يجب علينا أن نتوقع أنه عندما ننفصل عن العالم الخارجي فإننا ننسحب إلى حياة مشابهة للحيوانات غير العاقلة؟ هناك الكثير مما يثبت هذا الافتراض. وفكرة أن "الانسحاب: هي خاصية أساسية لحالة النوم والأحلام هي فكرة يتداولها كثير ممن درسوا الأحلام من أفلاطون إلى فرويد!!  بل يزعم فروم أننا نحقق في حالة الحلم أفكارًا فاتتنا في حالة اليقظة. ولكنني أعتقد أن هذه الأفكار تعبر عادة عن إحساسات بنماذج شلكية تتعلق بالشق الأيمن من المخ، وأن حالة "المشابهة بالحيوانات" في الأحلام يمكن تفسيرها بنشاط مركب "ز" والجهاز الطرفي مع الشق الأيمن من المخ، وقد يكون هذا ناتجًا عن إيقاف الوظيفة الإحباطية للشق الأيسر. ويسمى فروم حدس الشق الأيمن من المخ "اللغة المفقودة"، ويقول إنها أصل الأحلام وقصص الجن والأساطير الخرافية. 

نحس ف الأحلام أحيانًا بأن جزءًا منا يشاهدنا وكأنه يوجد في ركن ما من الحلم مراقب من نوع ما، يقول لنا هذا المراقب أحيانًا، خصوصًا أثناء الكوابيس: "إن هذا مجرد حلم"، وفي أغلب الأحيان يكون المراقب صامتًا تمامًا. في تجارب استعمال المخدرات كالحشيش أو ال L.S.D يلاحظ كثيرًا وجود هذا المراقب الغامض الصامت. 

أخبرني شخص كان يجرب استعمال الحشيش بأنه أحس بطريقة غريبة بوجود هذا المراقب الذي يتجاوب باهتمام وبملاحظات نادرة ناقدة للأحلام الملونة لاستعمال الحشيش، وإن لم يكن مشتركًا فيها. عندما سأله الشخص المجرب: "من أنت؟ " أجابه: "من يريد أن يعرف؟" وأنا أعتقد أن سؤال الشخص المتحدث عبارة عن النشاط الثفني للشق الأيسر من المخ الموجود في حالة الحلم والموجود بشكل أكبر من الحلم عن استعمال المخدرات. 
  
*** *** ***
   
وأظن أن أهم مجال للنشاط الإبداعي في ثقافتنا – وفي أية ثقافة إنسانية أخرى، قانونية أو أخلاقية، في الفن أو في الموسيقى، أو في العلم أو في التكنولوجيا – ممكنة فقط بخلق تعاون بين شقي المخ. ومثل هذه الأعمال الإبداعية رغم ندرتها قد غيرت العالم. وهكذا فإنه من الممكن الزعم بأن الثقافة الإنسانية هي وظيفة الجسم الثفني. 

(الفصل السابع: محبون ومجانين)



مقاطع من:
تنينات عدن: تأملات عن تطور ذكاء الإنسان
تأليف: كارل ساجان

تعليقات

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

النسبية الثقافية ؟

قصائد من لوركا

مقتطفات عن أينشتاين

Mr. Nobody