مقاطع من كتاب حكايات الخوارق



غلاف الطبعة الإنجليزية


تتنوع الصياغات التي تحكي عن سيندريلا وتتعدد ألوانها، حتى اسم البطلة يختلف فيه، ليس من بلد لآخر، بل أيضًا في البلد نفسه، ويبدو أن هناك ثلاثة أنماط أساسية للحكاية، الأساسي منها والأكثر شيوعًا، هو ما يتضمن الموضوعات أو الأفكار الشائعة والمألوفة، من موت الأم، والزواج الثاني للأب، ووجود زوجة الأب الشريرة، والأختان غير الشقيقتين، ثم اضهاد البطلة، ودفعها لحياة مليئة بالأسى والحزن، تعيش في أسمال بالية من خشن الثياب، ثم تظهر القوى الخارقة لمساعدتها على البقاء على الحياة، وتدعيمها في حياتها وحظها العسر،  ثم تهديها العناصر الخارقة نفسها ثيابها العجيبة، وتساعدها لحضور الحفل الراقص، أو مقابلة الأمير في مهرجان، أو مع تأثير المسيحية في الكنيسة. يتقابلان (البطلة والأمير) ويعجب كل منهما بالآخر، ويفترقان ثلاث مرات، ويتحدان في النهاية عن طريق واحد من عناصر التعارف، مثل الخف، أو الخاتم، وثياب الفخر تصبح ثياب الزفاف، ويعيشان في سعادة مطلقة.
  
أما المجموعة الثانية من الصياغات، فهي مجموعة (الملك لير)، تحكي عن ملك له ثلاث بنات، يقرر أن يتنازل عن العرش إرضاءً لهن، وفي إرضاء لذاته المتضخمة يسأل كل منهن عن مدى حبها له، الكبيرتان تجيبان بإجابتين مختلفتين تصوران مدى الحب بشكل متطرف مبالغ فيه، بينما الصغرى تجيب ببساطة إنها تحبه "أكثر من الملح"، أو "كما أحب الملح"، ويغضب الملك ويطرد ابنته الصغرى، أو يأمر بموتها، فتهرب وتساعدها سيدة عجوز و حيوان، وبعض القوى الخارقة، ثم بعد ذلك تتبع قدرها إلى الغابة، أو إلى مكان بعيد، غير معروف وتقوم بالمهام الحزينة في قصر أو قلعة غريبة، وفيها يتم جزء المقابلة، والتعرف ثم الزواج ...

أما صياغات المجموعة الثالثة، فتدور حول الأب الذي يقوم بفعل محرم، ويحاول إقامة علاقة مع ابنته المحرمة وذلك لأنه وقع في حب ابنته الجميلة، بعد وفاة زوجته، لا يجد من يماثلها في جمالها، وقد وجد كل ما يطلبه في ابنته، وتهرب الابنة وتقوم بمهام تسبب لها الحزن والأسى .. وهكذا ... في النهاية تصب لعنة الانتقام على الملك الأب.

*** *** ***

واستخدام الملح كحكم حقيقي لم يأت مصادفة، فالملح رمز عالمي، وجاء مناسبًا لهذا الموقف. فالبنات الثلاث، جسد، ونفس وروح، والملح يرمز إلى الروح، الشيء غير القابل للفساد، والشيء الدائم الذي لا يموت، هو رمز للصدق والصداقة، فعندما نأكل الملح مع أي شخص، نقيم معه رباطًا يمنع أي أذى من أن يحدث بيننا.

وعلى مستوى حكايات الخوارق الشائعة، يكون للملح دلالة على القوة السحرية، ونثر الملح يمنع الجنيات من سرقة الأطفال، حديثي الولادة، وكان الملح يوضع على شفاة الطفل الروماني في بداية يومه الثامن لينزع من جسده الأرواح الشريرة، والجنيات لا يمكن أن يأكلوا طعامًا به ملح.
  
*** *** ***
     
ومن العناصر التي ليس لها حياة (جماد) ولها قدرات خارقة، الحديد البارد، والذي يكون عند البعض بغيضًا وملعونًا. ويقول kirk: "لا يوجد شيء أكثر رعبًا أو يسبب الرهبة مثل الحديد، وبجانب الحديد هناك أيضًا المزيد من الأحجار كحجر الصوان". وهناك معتقد شائع بأن الجنيات والخوارق، والساحرات والشياطين والأشباح والجن تخرج من الحديد، وتوجد هذه الفكرة في الأوديسة حيث يقال "إن الحديد يجرح الروح"، وعند الهندوس توضع تحت قدم سرير الطفل المولود قطعة من الحديد، لطرد الأرواح الشريرة، والممارسة نفسها تتم في المدن الكلتية، حيث يمنع قضيب الحديد الخوارق من استبدال أو تغيير الطفل الرضيع.

وعندما يحاول أي شخص دخول العالم السفلي حيث الخوارق، والغيلان، لا بد أن يضع قطعة من الحديد عند المدخل الذي استخدمه حتى لا يغلق خلفه، ويمنع عودته إلى العالم الأعلى.
غلاف الترجمة العربية

ولا تقتصر النظرة الكريهة للحديد على الحكايات الشعبية فقط، فالهندوس يطلقون على نهاية الزمن، حيث الهدوء والظلام: "kali yuga"، أي عصر الحديد. والذي يأتي في نهاية دورة زمنية، قبل العودة إلى العصر الذهبي الجديد.
  
وهناك أيضًا رفض لاستخدام الحديد في الطقوس المقدسة، وعلى سبيل المثال لم تستخدم أي معاول أو فؤوس أو أي معدات من الحديد عند بناء معبد سليمان. والجنيات التي تلامس الحديد، حتى لو كان مصادفة تختفي في الحال من عالم الإنسان (الفاني mortal)، ووظفت هذه التيمة في عدد من الحكايات الكلتية، حيث تحذر زوجة من الجن زوجها البشري من خطورة الحديد عليها، فإن لمسته ولو مصادفة فستختفي من أمام عينيه، لذلك تلعب حدوة الحصان دورًا عجيبًا في المعتقد الشعبي ضد الساحرات والجنيات الشريرات. وإلقاء السكين أو أي شيء مصنوع من الحديد للخلف، يمنع أي خطر أو شر قد يجلب المتاعب، بينما وضع سكينة أسفل الدواسة أمام مدخل البيت تحمي البيت، ولا تستطيع أي ساحرة الوقوف على الحديد البارد.
     
ويرتبط بالخوف من الحديد، الخوف من الحدادين، باعتبارهم أسياد النار، يعملون بالسحر، ويذيبون المعادن، وهذا شيء خارق للطبيعة، ينظر إليه كشيء مفزع، وله رهبة مقدسة. ذلك أن من يعمل بالمعادن يملك كلًا من قوتي الخلق والهدم، مثل مايسون (Masons) كما يملكون سر الصنعة وقوة شعائر التحول.
     
يظهر أن النظرة للحدادين جاءت عن آلهة النار (Hephasistos، vulcour ، lu gloki) الذين أصبحوا الأقزام السود في حكايات الخوارق، الذين يصنعون الأسلحة السحرية، والدروع التي لا يمكن اختراقها. والأقزام في حكايات الخوارق يمثلون  الجانبين: الخلق، والهدم؛ فهم قد يكونون عطوفين قادرين على الحماية كما في سنوووايت، أو أشرارًا كمان في سنووايت والوردة الحمراء.
   
** *** ***
   
تمتد قوة الشخص إلى اسمه. ومعرفة الاسم الحقيقي للشخص معناه امتلاكه من خلال امتلاك قوة الاسم، لذلك نجد في كثير من المجتمعات استخدام أكثر من اسم للشخص الواحد؛ فنجد اسمًا بسيطًا وشعبيًا للاستخدام العام، وآخر مقصور في استخدامه على فئة قليلة أو للمقربين ويظل سرًا، خوفًا من القوى الشريرة التي يمكن أن تصيب صاحب الاسم بأذى إذا تم معرفة الاسم الحقيقي.
  
وقوة الاسم، ترتبط بالمعتقد العالمي لقوة الكلمة على الخلق أو قوة الصوت، ففي البدء كانت الكلمة، والكلمة هي الله، كما يكون للاسم أيضًا قوة في عمل الرقى والتعاويذ (exorcism). وهي أساسًا لمن يقوم بالتعزيم (incantation)، وكما يمكن أن تخضع قوة الكلمة العناصر القوية، وتفتح الأبواب المرصودة، كما في حكاية علي بابا: "افتح يا سمسم"، وذكر اسم الإله يكفي لإجبار أي قوى شريرة أو خارقة (الجنيات) على الاختفاء. ويقول Kirk: "إن الجنيات تختفي عندما تسمع النطق باسمها، أو اسم المسيح، ولا تستطيع أن تفعل أي شيء بعد سماعها الاسم المقدس"، كما يمنح الاسم الحقيقي، قوة سحرية للنفس، وفي بعض الحالات ينظر إليه كرمز (قرين) للنفس والروح، كما قال B. Mhocrat: "دائمًا ما يعامل الاسم كجزء من الشخص، وفي بابل من لا يكون له اسم لا توجد له نفس، وفي روما القديمة كان الصبي يمنح اسمه عندما يبلغ،  أو يسمح له بارتداء ثياب البالغين، أما الفتاة فلا تمنح الاسم حتى تتزوج، ويظل الشخص بلا هوية، حتى يطلق عليه اسم.
     
وتحريم استخدام الاسم الحقيقي يطبق أيضًا على الجنيات ، فمن سوء حظ إحداهن أن نعرفها باسمها مباشرة، لذلك تكون هناك أسماء بديلة "كالقدم الصغيرة"، "القدم الطيب"، أو (Sidhe) كما في أيرلندا، وتعني الناس الطيبين، وقوم السلام (Sith) في اسكتلندا .. إلخ.
  
وفي اليونان لا يذكر اسم الحيوان خوفًا من أن يستحضره ذكر الاسم، لذلك يطلقون على الذئب: الصامت، أو من يجري ف الغابة (Wood Runner). حتى الموت، تخشى بعض المجتمعات ذكره مباشرة خوفًا منه، ونفس الشيء عند ذكر مرض من الأمراض الخطيرة، وبذلك عرف الجزام بالمرض فقط (les malades)، وترجع أهمية الاسم إلى العصور التي كانت المجتمعات فيها تخلد أسماء العائلات، والتي تحافظ عليه من الفناء، وكان هذا سبب في تشجيعها على زواج الرجال، من أجل استمرار الاسم. لذلك كانت الأطفال تسمى بأسماء الراحلين من الكبار تخليدًا للاسم. وهذا دليل على الاعتقاد في التشاؤم وسوء الحظ، عند تغير اسم شخص أو منزل.
  
نفس الاعتقاد في قوة الاسم، انتقل بوضوح إلى المسيحية، حيث لا يتم منح الطفل اسمه إلا بعد التعميد (baptism)، حيث إنه قبل التعميد يكون بدون حماية، من الشيطان، والسحر، والجنيات الشريرة. وفي العديد من العقائد، يكون للإله اسم مقدس لا يمكن النطق به، وتحكي أساطير اليهود عن اهتزاز الأرض والسماء، عندما بدأ سليمان يهمس بالاسم المقدس.
   
أما الإغريق فقد استخدموا الاسم، كوسيلة لعمل السحر، فصنعوا أقراصًا من الرصاص يكتب عليها اسم الشخص لإصابته بالضرر، ثم يثبتوها أو ينقلوها مع الأظافر. وقد انتشر استخدام هذه الأقراص بعد ذلك، في كل أشكال السحر، وكتبت  عليه رموز سحرية، وأرقام معينة مع أسماء الأرواح.
      
وقد استخدم قدامى الكهنة، في الشعائر والسحر، الكلمات ذات القوى السحرية أو قوة الأسماء، أما في مصر، فكانت معرفة الاسم ضرورية لفتح أبواب العالم الآخر. وحارس الاسم يجب أن يعرفه، ولا بد من دعوة الآلهة بأسمائها الصحيحة، حتى تأتي للمساعدة، وكان لرع اسم مقدس لا يعرفه إلا هو، حتى خدعته إيزيس، واستخلصته منه، ثم استخدمته ضده، وكل شخص يمكن أن يصيبه الأذى  بقوة الاسم. وفي طقوس وشعائر الاحتفاليات في أدفو، تجمع أسماء كل أعداء الشخص وتكتب على تمثال من الشمع، أو ورق البردي، أو الفخار ثم يتم تمزيقها مع ترتيل التعاويذ: "اقطع جروحًا في أجسامهم، اجعلهم يقاتلون بعضهم البعض".

وتطور الاعتقاد في قوة الاسم في العقائد، والأساطير، والشعائر، السير، والملاحم، وهبط إلى حكايات الخوارق، وظهر في صياغات كثيرة، وكان له دور مهم في سير الأحداث.

____________

مقاطع من: 
حكايات الخوارق: مجاز للحياة الداخلية للإنسان
تأليف: جي. سي. كوبر
ترجمة وتعليق: كمال الدين حسيب
المشروع القومي للترجمة ،968
2005

تعليقات

  1. رائعة! شيء موجع جدًا أن البنات مايكونش ليهم اسم لحد ماتتجوز .. أعتقد دلوقتي البنات مالهمش اسم في المجتمع المصري خالص .. بيتنادي عليها دايمًا باسم راجل تنتسب ليه أو حتي ولدته!

    ردحذف
    الردود
    1. الكتاب مبهج فعلا يا "كاندي"، وكثيرًا ما يكون للأساطير، والمعتقدات الشعبية جمال خاص حين ننظر إليها من زاوية جمالية، أما عن كلامك بخصوص الوقت الراهن في المجتمع المصري فأتفق معك بالكامل ... شكرًا على المرور وعلى التعليق الجميل

      حذف

إرسال تعليق

أفيدوني بانتقاداتكم وإطراءاتكم، أسعد بجميع الآراء

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

قصائد من لوركا

مختارات من شوقي بزيع

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

مقتطفات عن أينشتاين