مقاطع من كتاب ما يشبه السيرة الذاتية لأكيرا كوروساوا (2)


أكيرا كوروساوا


احترق مبنى "كييكا" في "أوتشانوميدزو" حتى أساساته، وعندما رأيت بقيته عقدت يديَّ من الفرح وقلت:
- أاااها .. العطلة مستمرة ..!!
ما الذي ينبغي فعله؟
المشهد يوقظ لدى طفل مثلي هذه الأحاسيس، ودائمًا كنت بريئًا حتى الغباء، أقوم ببعض البلاء في المدرسة، وأرفع يدي مباشرة عندما يسأل المربي من هو المسؤول عن هذه البلوى، يفتح دفتره بهدوء ويسجل لي صفرًا في السلوك.

مرة جاء مربي جديد. واصلت اعترافاتي عنده عن كل ذنوبي وكان يقول إنني أمضي بالاتجاه الصحيح، فأنا لا أتهرب من المسؤولية ويضيف إلى سجلي مائة عن السلوك.

لا أعرف من هو المحق، ولكن المربي الذي يضيف "المئات" ، يعجبني أكثر بطبيعة الحال. اسمه "يويشي أوهارا" .. وهو من امتدح موضوع الإنشاء الذي كتبته، معتبرًا إياه الأفضل في تاريخ المدرسة.

*** *** ***

 
كان أستاذًا رائعًا، فهو لا يراقب خطواتنا وإذا ما سرح أحد منا خلال النافذة، أو بدأ الهمس مع جارٍ له، فإنه سرعان ما يرميه بالطباشير، وإذا غضب كثيرًا فإنه يقذف المذنب بالطباشير واحدة تلو الأخرى، وفي النهاية يصرح بأنه لا يستطيع التدريس دون طباشير. يبتسم مثل الأطفال ويبدأ معنا حديثًا لا علاقة  له بالمدرسة أو الدروس. وكان يبدو لي أن الحديث الحر ممتع أكثر من الدروس ذاتها.
“القيم الإلهية" التي يتمتع بها "إيفاماتزو" كانت تتجلى بوضوح أثناء الامتحانات النهائية. في كل غرفة، يجلس ممثل عن الهيئة التدريسية شريطة أن يكون اختصاصه مختلفًا عن مادة الامتحان. وعندما يدخل "إيفاماتزو" الغرفة المخصصة له، كانت تستقبله أصوات فرحة، فهو لم يكن متحفزًا يومًا للانقضاض على تلميذ، على العكس فإذا عاني أحد صعوبة فإنه يذهب إليه وينظر في ورقته:
- هل من متاعب؟
يسأل ويبدأ التوضيح والشرح:
        -            عن هذا السؤال ينبغي الإجابة بكذا وكذا. فهمت؟ ألم تفهم بعد؟ يبدو أنك شجرة صمغ.
عندئذٍ يذهب إلى اللوح الأسود ويبدأ بشروحات عامة للسؤال ومن ثم يلتفت إلى الصف:
        -            والآن هل هذا واضح؟
بعد كل هذه الشروحات طبعًا فإن أشد التلامذة غباء سيكون بوسعه النجاح في الامتحان. أنا على سبيل المثال كنت سيئًا جدًا في مادة الرياضيات ومرة عندما كان هو معنا، حصلت على مائة علامة.

*** *** ***

أذكر امتحان التاريخ في نهاية أحد الفصول الدراسية. الأسئلة كانت عشرة، لم أستطع الإجابة على واحد منها.. كنت مستعدًا لأن أرفض، ولكنني قررت أن أجرب واحدًا من هذه الأسئلة. 
(ماذا تفكر بشأن الشعار الامبراطوري؟)

أجبت بثلاث صفحات تقريبًا، كل شيء خطر على بالي كتبته: "سمعت كثيرًا عن الرموز  الثلاثة المقدسة للهيبة الإمبراطورية، ولكن لا أستطيع أن أكتب انطباعاتي عنها. لنأخذ على سبيل المثال المرآة "ياتو – نو – كاغامي" إنها مقدسة لدرجة أنه ممنوع على أحد رؤيتها.

هل هي مدورة؟ من الممكن أن تكون مربعة أو مثلثة.
أستطيع فقط الإجابة عن الأشياء التي رأيتها بأم عيني ولا أؤمن إلا بما أراه.
جاء اليوم الذي كان "إيفاماتزو" سيعلن فيه النتائج بصفته أستاذ مادة التاريخ، وبعد أن عدد بعض الأسماء أعلن بشكل مفاجئ:
        -            هذه مادة مهمة، فيها جواب سؤال واحد فقط، وهذا الجواب غير العادي، وللمرة الأولى في حياتي منذ أصبحت مدرسًا ألتقي بمثل هذه الإجابة. واضح أن التلميذ الذي كتبها يملك دماغًا في رأسه. . العلامة مائة .. "كوروساوا" .. !!
أعطاني الورقة والتفت الجميع إليَّ . أحسست بالخجل فلم أستطع الحركة وتجمدت في مكاني.
في تلك الأيام كان يوجد عدد غير قليل من الأساتذة الذين يؤمنون بالتفكير الحر، وبالمقارنة معهم فإن معظم أساتذة اليوم لا يصلحون ليكونوا موظفين صغار، فهم بيروقراطيون والمعلومات التي يدرسونها باتت لا تهم أحدًا وليس غريبًا أن نرى أطفال اليوم ينكبون على قراءة قصص المغامرات أثناء الدروس.

*** *** ***

ثم ما الذي يعنيه مسقط رأس؟ أنا مثلا – في أي بلد أحل به، لا أحس نفسي غريبًا رغم أني أعرف لغة أجنبية واحدة.
الكرة الأرضية هي مسقط رأسي .. ولو رأي البعض المآسي التي ترتكب بحق البشرية في هذا العالم لتوقفوا عن الزعم بخصوص "مسقط الرأس"..
آن الأوان لأن تعي البشرية حجم هذه المآسي والكوارث التي ستلحق بها، يقلقني أن هذه البشرية نفسها ترسل الأقمار الصناعية إلى الفضاء وفي نفس الوقت تنكش الأرض بين ساقيها مثل الكلاب المسعورة .. أسأل نفسي ما الذي سيحل بمسقط رأسي .. الأرض؟

*** *** ***

إلى مسقط رأس أبي لم أذهب إلا ست مرات. مرتان منهما بصفتي تلميذ. الناس بقوا كما هم، الزمن توقف عندهم والقرية تعيش حياتها منسية من هذا العالم. لم يتذوق أهلها "طعامًا أجنبيًا" من أمكنه أخرى حتى أن المعلم لم يذهب في حياته إلى "طوكيو". ومرة سألني كيف يؤدي أهل طوكيو تحيتهم ، عندما يحلون ضيوفًا على أحد .. كما لو أنهم يتكلمون لغة أخرى في العاصمة.
مرة ذهبت لإيصال رسالة من أبي، فتم اللقاء بالطريقة التالية:
خرج العجوز أولا واستمع إليَّ دون أن ينبس ببنت شفة ثم عاد القهقري إلى البيت. بعد قليل أطلت العجوز برأسها ودعتني إلى الدخول خجلة. تركوني  في غرفة الاستقبال. لم يمر كثير من الوقت حتى ظهر العجوز وهو يرتدي ملابسه الرسمية وعلى كتفيه شعار مسقط رأسه.
جلس قبالتي وانحنى انحناءة قصيرة حتى لامس رأسه الأرض. أخذ الرسالة ورفعها إلى جبينه عاليًا علامة الاحترام وبعد ذلك بدأ في قرائتها.

*** *** *** 

في هذه القرية التي تقع في نهاية العالم تقريبًا .. ثمة صخرة كبيرة، يمر الأطفال بمحاذاتها ويضعون باقات الأزهار. سألت لماذا يفعلون ذلك؟
قالوا إنهم لا يعرفون لماذا؟! ولكن عجوزًا خرفًا قال لي إنه بعد معركة فاصلة في هذا المكان قتل جندي. ندبه أهل القرية ودفنوه ومنذ ذلك الوقت وهم يواصلون تقديم الأزهار دون معرفة سبب ذلك.
واقتادني أهل القرية فيما بعد إلى عجوز معروف بخوفه من الرعد حتى الموت، وكان قد وضع في غرفته صندوقًا خشبيًا وعندما يقصف الرعد فإنه يختبئ فيه حتى تنتهي العاصفة.
وذهبت إلى فلاح قدم لي طعامًا غريبًا من خضار لا أعرفه مطبوخة مع لحم وصلصة الطماطم اسمه "كياكي". بعد الغذاء صب لي "الساكي" وقال بلكنة محلية:
        -            بالتأكيد إنك مندهش  .. مالذي يملأ حياتي بالإثارة في هذا الكوخ، طوال النهار آكل وأشرب وأغتسل؟! سأقول لك يا بني .. مجرد أن تعيش فهذه هي الإثارة بحد ذاتها.
منذ تلك السنوات وأنا أحمل ذكرى "تويكوفا" كونها حافظت على البساطة والبدائية وأحاول أن أستدعي هذا الفلاح بالذاكرة، لكن ملامحه تغور في ضباب لا نهاية له كما تضيع في البعيد قرية أراها من شباك قطار مبتعد.

*** *** ***

كانت امرأة سليمة الجسم، وكان ينبغي لها أن تعيش فوق المائة على أقل تقدير، لو لم تلتق بطبيب كتب لها بعض جذور الأشجار لتشرب نقيعها، للمحافظة على حيويتها. جراء هذه الوصفة ماتت قبل أن تكمل التسعين عامًا. وعندما كانت طريحة سافرت إلى "أوماغاري" . بهدف إلقاء نظرة الوداع. جلست عند قدميها وتمتمت هي:

- أكيرا هذا أنت .. ؟ كم يؤلمني .. ؟ أبوك ..
أوضحت لها أنه ارتبط بعمل اضطراري ولهذا أرسلني قبله وسيأتي لاحقًا. خرجت قليلا فندهت ثانية تسأل عنه. وصل أبي وعدت أنا إلى "طوكيو". بعد أيام توفيت ولم أستطع أن أغفر لهذا الطبيب. كانت لدي رغبة أن أجمع جذور الأشجار التي وصفها لها وأسقيه من نقيعها للمحافظة على حيويته.. !!
   

مقاطع من كتاب "ما يشبه السيرة الذاتية" ل:أكيرا كوروساوا

ترجمة: فجر يعقوب
القاهرة: مكتبة الأسرة، 2013
________________
اقرأ أيضًا:

مقاطع من كتاب ما يشبه السيرة الذاتية لأكيرا كوروساوا
مقاطع من كتاب ما يشبه السيرة الذاتية لأكيرا كوروساوا (3)

تعليقات

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

قصائد من الشعر الأفريقي المعاصر

هل العالم حقيقي، أم أنه مجرد وهم أو هلوسة؟

قصائد من لوركا

ألفريد آدلر (Alfred W. Adler)