الجبال


صورة من مدينة سانت كاترين بسيناء - مصر (تصويري) ـ


بقلم: أرنستو ساباتو

     كلما شعرتُ بالألم جربتُ الصعود إلى الأعالي، في محاولة مني للبحث عن ملاذ، عادة ما أجده في قمة الجبال الشامخة، لأن هذه الجبال هي موقع التحصن والمنعة؛ ولأن الجبل بات موطنًا نقيًا وصافيًا، فقد دأبتُ على الصعود إليه، كلما شعرتُ بأن القذارة قد بلغت بين العباد، مبلغًا لا يعود لي معه أي طاقة على التحمل؛ [بل إني لألوذ به لواذًا]، في كل مرة قضّت فيها مضجعي، فكرة أن الزمن ليس سوى مجرد كينونة عابرة، لكوني مقتنعٌ أن الخلود، هو سيد ذلك العلو الأشم المسيطر والمقيم الأبدي، حيث لا زوال  ينازعه، ولا عبور. غير أن إشاعات الناس ظلت على الدوام تلاحقني، بعد أن تكون قد تسللت من بين فرجات ذلك الحصن المنيع، فأسعى حينئذِ أنا بالذات، إلى التعالي والتسام من خلال مرقى النفس، ذلك أن العالم لا يقع خارج ذواتنا وحسب، وإنما هو كامن كذلك في أعمق موضع في قلوبنا.

     إلا أن هذه القمة الجبلية الافتراضية العفيفة، التي عادة ما نلوذ بها داخلنا سرعان ما ينكشف أمرها إلينا، سواء في عاجل الأيام أو آجلها، فتظهر وكأنها مجرد نسخة [للقمة الجبلية الحقيقية]، ومجرد هروب من الواقع، لأن العالم الذي نحن مسؤولون عنه، لا وجود له بالفعل، إلا هنا/تحت: وهو وحده العالم، الذي بقدر ما يفرض علينا أقسى الآلام، ويكبدنا أفدح الهزائم، بقدر ما يبقى مع ذلك، العالم الأوحد الذي يمنحنا الامتلاء الوجودي الحق، وتلك الدماء، وذلك القبس الناري، وذلك الحب، وتلك الانتظارية الطويلة للموت، وهو جماع الأمور التي تحرك سواكننا، وتفعمنا بالحيوية، إن هذا العالم الأرضي هو ما يهدينا في لحظات الغسق بستانًا، ولمسة يد من نهوى. 

مقتبس من: "رسالة بين الخير والشر"، التي تضمنها كتاب "الممانعة" ترجمة وتقديم أحمد الويزي، والنسخة التي اعتمد عليها صدرت كهدية لمجلة الرافد في عدد ديسمبر 2010.






تعليقات

الأكثر زيارة هذا الأسبوع

مقتطفات عن أينشتاين

ألبرت أينشتاين وميليفا ماريتش: قصة حب (اقتباس)

ما هو الفن الطليعي؟ (Avant Garde)

قصائد من لوركا

قصائد من الشعر الأفريقي المعاصر