5 يوليو، 2013

مقتبسات من كتاب الجنس الآخر لسيمون دي بوفوار



سيمون دي بوفوار
Simone de Beauvoir

(هذه مقتطفات من كتاب الجنس الآخر لسيمون دي بوفوار.)

     إن الفئة المهيمنة تحاول أن تبقي المرأة في المكان الذي تخصصه لها وتستقي الحجج من الوضع الذي خلقته هذه الفئة نفسها، وهذا يذكرنا بقول (برناردشو) في الزنوج: "إن الأمريكي الأبيض يهبط بالزنجي إلى مستوى ماسح الأحذية، ليستنتج من ذلك أن الزنجي ليس صالحًا سوى لمسح الأحذية"
  
***

     يقال لنا: الأنوثة في خطر، ويحثوننا قائلين: "كن نساء... ابقين نساء". فكأنما كل كائن إنساني مؤنث ليس امرأة بالضرروة، بل ينبغي له أن يساهم بهذا الواقع الخفي الذي هو الأنوثة.

***

     نحن نعتقد أن الصالح العام غير موجود إلا إذا كان هذا الصالح يضمن الصالح الخاص للمواطنين. ولا نحكم على المؤسسات والنظم إلا من خلال الإمكانيات الملموسة المتيسرة للأفراد. على أننا لا نخلط بين مفهوم الصالح الخاص ومفهوم السعادة، هذه نقطة أخرى تعترض سبيلنا غالبًا، أليست النساء اللواتي يؤلفن الحريم أسعد من النساء العصريات اللواتي يمارسن حق الانتخاب؟ إننا لذلك لن نعتمد أبدًا مفهوم السعادة بل سنتبنى وجهة نظر الأخلاق الوجودية.

***
     كل شخص يعمل على تأكيد نفسه فعليًا من خلال المشاريع والأهداف، ولا يحقق حريته إلا بارتقاء مستمر وتسام مضطرد نحو مستويات أخرى، ولا يمكن تبرير الوجود الحالي إلا بالتفتح نحو مستقبل ممهد السبيل تمهيدًا مطلقًا، وكلما تحول الارتقاء إلى جمود سار الوجود نحو الانحطاط، إن هذا الانحطاط يشكل خطيئة أخلاقية إذا رضي به المرء، أما إذا فرض عليه فرضًا أصبح ذلك اضطهادًا. وفي كلا الحالين يكمن الشر المطلق. أجل إن كل فرد رائده تبرير وجوده لأنه يحس بهذا الوجود كحاجة متنامية إلى التسامي.

***

     لا يمكننا أن نقارن بين الأنثى والذكر في النوع البشري إلا من الزاوية الإنسانية. ولا يعرف الإنسان إلا بأنه كائن غير مُعْطَى وأنه يصنع نفسه بنفسه ويقرر ما هو عليه. وكما قال (ميرلو بونتي) : ليس الإنسان نوعًا طبيعيًا بل هو فكرة تاريخية، والمرأة ليست واقعًا لازبًا بل هي صيرورة، لذلك ينبغي مقارنتها مع الرجل في صيرورتها، أي ينبغي تحديد إمكانياتها: إن ما يعيب كثير من المناظرات، أنها تريد أن تقصر المرأة على ما كانت عليه أو ما هي عليه الآن. ولكننا إذا واجهنا رأيا يوصف بأنه تجاوز على الحقيقية فلا يمكننا أن نغلق الحساب.


***

     وأخيرًا ليس المجتمع نوعًا من الأنواع، ففي المجتمع يحقق النوع نفسه كوجود، ويجاوز نفسه نحو العالم والمستقبل، وأخلاق المجتمع لا تستنتج من البيولوجيا، والأشخاص ليسوا متروكين لطبيعتهم، بل يخضعون لطبيعة ثانية هي العرف والتي تنعكس فيها رغبات ومخاوف تعبر عن وضعهم البشري، ولا يتولد لدى الشخص الشعور بذاته ولا يستكمل نفسه، بصفته جسمًا فقط، وإنما بصفته جسمًا خاضعًا للمعتقدات والقوانين. وهو لا يقيم نفسه إلا باسم بعض القيم، ومرة أخرى نؤكد إن الفزيولوجيا عاجزة عن تأسيس القيم، بل العكس، إن المعطيات الفزيولوجية تكتسب القيم التي يضفيها الكائن عليها. فإذا حال الاحترام تجاه المرأة دون استعمال الشدة ضدها، فإن أفضلية الرجل العضلية مثلا تفقد سلطتها.

     هكذا ينبغي لنا أن نفسر المعطيات البيولوجية على ضوء مجموعة العوامل البشرية، والاقتصادية والاجتماعية، والنفسية، إن خضوع المرأة لواجب النوع، وحدود إمكانياتها الفردية هي وقائع بالغة الأهمية. فجسم المرأة هو أحد العناصر الأساسية من وضعها في هذا العالم، إلا أنه لا يكفي وحده لتعريفها، إذ ليس له واقع وجودي إلا عن طريق الشعور، ومن خلال فعلها ضمن المجتمع.

     ليس بوسع البيولوجيا الإجابة على السؤال الذي يشغل بالنا: لماذا تكون المرأة الجنس الآخر؟ علينا أن نعرف ما فعلته الإنسانية بالأنثى البشرية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أفيدوني بانتقاداتكم وإطراءاتكم، أسعد بجميع الآراء